ومن جملة أسباب التعصب التي لا يشعر بها كثير من المشتغلين بالعلوم ما يذكره كثير من المصنّفين من أنه يرد ما خالف القواعد المقررة (^١). فإن من لا عناية له بالبحث يسمع هذه المقالة ويرى ما صنعه كثير من المصنفين من رد الأدلة من الكتاب والسنّة إذا خالفت تلك القاعدة فيظن أنها في اللوح المحفوظ، فإذا كشفها وجدها في الغالب كلمة تكلم بها بعض من يعتقده الناس من أهل العلم الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى لا مستند لها إلا محض الرأي، وبحت ما يُدّعى من دلالة العقل. وكثيرًا ما تجد في علم الكلام الذي يسمونه أصول الدين قاعدة قد تقررت بينهم واشتهرت وتلقنها الآخر من الأول وجعلوها (^٢) جسرًا يدفعون بها الآيات القرآنية والأحاديث
_________________
(١) بعد تبلور الفرق والمذاهب الإسلامية، أصبح لكل منها مناهجها الأصولية وقواعدها الفقهية، المنبثقة من رؤاها الفكرية والسياسية؛ وكان المفروض أن تكون هذه المناهج والقواعد بمثابة منهج للبحث والاستنباط في العلوم الدينية، ولكن بعد أن استفحل التعصب والصراع المذهبي، وادعاء كل فرقة بأن رأيها هو الصواب، دون غيرها (وخاصة في علم الكلام) وأنها هي الفرقة الناجية، فبدلًا من أن يكون القرآن والسنة الأصل "الثابت" التي ترد إليه، وتعرض عليه أفكار واجتهادات تلك الفرق، باعتبارها الفرع "المتغير" انعكست الأمور فأصبحت آراء تلك الفرق وقواعدها الأصولية والفقهية بمثابة الأصل "الثابت" وأصبح القرآن والسنة هو الفرع "المتغير" ويتم عرض الأخير على الأول فيقبل منه ما وافق تلك الآراء والقواعد، ويرد أو يؤول ما خالفها وأصبحت هذه الطريقة قاعدة أصولية ثابتة والتي صاغها الفقيه الحنفي أبو الحسن الكرخي (ت ٣٤٠) بقوله: "الأصل أن آية تخالف قول أصحابنا (أي الحنفية) فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح والأولى أن تحمل على التأويل وكل خير (حديث) كذلك. . . .". انظر: رسالة في أصول الكرخي، ملحقة بكتاب تأسيس النظر للدبوسي نقلًا عن محمد العبد، مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين، وتفرقهم، الكويت: دار الأرقم (ط ٢/ ١٩٨٦) ص ٩٥.
(٢) في (ب) وخطوها.
[ ١٦٦ ]
النبوية، فإذا كشفت عنها وجدتها في الأصل كلمة قالها بعض علماء (^١) الكلام، زاعمًا أنه يقتضي ذلك العقل ويستحسنه. وليس إلا مجرد الدعوى على العقل وهو عنه بريء، فإنه لم يقض بذلك العقل الذي خلقه الله في عباده، بل قضي به عقل قد تدنس بالبدع وتكدر بالتعصب وابتلي بالجهل بما جاء به الشرع، وجاء بعده من هو أشد بلاءً منه واسخف عقلًا وأقل علمًا وأبعد عن الشرع، فجعل ذلك قاعدة عقلية ضرورية فدفع بها جميع ما جاء عن الشارع عرف هذا من عرفه وجهله من جهله. ومن لم يعرف هذا فليتهم نفسه. فيا لله العجب من فرية (^٢) يفتريها على العقل بعض من حُرم علم الشرع. ثم يأتي من بعده فيجعلها أصولًا مقررة وقواعد محررة. ويؤثرها على قول الله ﷿ وقول أنبيائه. وهكذا تجد في علم أصول الفقه قاعدة قد أخذها الآخر عن الأول وتلقنها الخلف عن السلف وبنوا عليها القناطر وجعلوها إمامًا لأدلة الكتاب والسنة يجيزون ما أجازته ويردون ما ردته (^٣). وليست من قواعد اللغة الكلية ولا من القوانين الشرعية بل لا مستند لها إلا الخيال المختل والظن الفاسد والرأي البحت ومع هذا فهم يزعمون أن هذا العلم لا تُقبل فيه إلا الأدلة القطعية، دعوى ظاهرة البطلان واضحة الفساد، فإن غالبها لا يوجد عليه دليل من الأحاد صحيح ولا حسن. بل لا يوجد آحادي ضعيف، وغالب ما يوجد الموضوعات التي لا يمتري من له حظ من العلم في كذبها كاستدلالهم بمثل: "حكمي على الواحد حكمي على
_________________
(١) في (ب) حكماء.
(٢) في (ب) مزية.
(٣) قارن بـ: فتح القدير (للمؤلف) ١/ ٥٢٦، البغدادي، الفرق بين الفرق ص ٣١٧؛ المقبلي، العلم الشامخ ص ٤٨، ١٢٧ - ١٢٨، شاه وحي الله الدهلوي، الأنصاف في بيان أسباب الخلاف ص ٩٩، محمد رشيد رضا الوحدة الإسلامية ص ١٥٩ - ١٦٠.
[ ١٦٧ ]
الجماعة" ويمثل: "نحن نحكم بالظاهر"، ونحو هذه الأكاذيب. فالمغرور من اغتر بهذه الدلس. والمخدوع من خدع بها وترقى بها من كونها موضوعة إلى كونها صحيحة ثم من كونها صحيحة إلى كونها قطعية. فيا الله العجب من نفاق مثل هذه الأمور على كثير من أهل العلم وانقراض القرن بعد القرن والعصر بعد العصر. وهي عندهم مسائل قطعية وقواعد مقررة /والذنب لمن تكلم بها وذكرها في مؤلفاته ولم يقف حيث أوقفه الله من جهله بما جاء في الشريعة.
وهكذا ما وقع في كثير من أبواب الفقه من ذكر قواعد يطردونها في جميع المسائل ويظنون أنها من قواعد الشرع الثابتة بقطعيات الشريعة. ومن كشف عن ذلك وجد أكثرها مبنيًا على محض الرأي الذي ليس عليه إثارة من علم ولا يرجع إلى شيء من الشرع. ومن خفي عليه هذا فليعلم أن قصوره وعدم اشتغاله بالعلم هو الذي جنى عليه وغرّه بما لا يغتر به من عض على العلم بناجذه وكشف عن الأمور كما ينبغي.
فعلى من أراد الوصول إلى الحق والتمسك بشعار الإنصاف أن يكشف عن هذه الأمور فإنه إذا فعل ذلك هان عليه الخطب ولم يحل بينه وبين الحق ما ليس من الحق.