ومن جملة ما يستعين به على الحق ويأمن معه من الدخول في الباطل وهو لا يشعر أن يقرر عند نفسه أن هذه الشريعة لما كانت من عند عالم الغيب والشهادة، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ويعلم ما تكنّ الصدور وتخفيه الضمائر، ويحول بين المرء وقلبه، كانت المخادعة بالحيل الباطلة، والتخلص مما طلبه بالوسائل الفاسدة، من أعظم المعاصي له، وأقبح التجاري عليه، وجميع هذه الحيل التي دوّنها أهل الرأي هي ضد لما شرعه وعناد له ومراوغة لاحكامه ومجادلة باطلة لما جاء في كتابه وسنة رسوله. ومن تفكّر في الأمر كما ينبغي وتدبره كما يجب اقشعر له جلده، ووقف عنده شعره، فإن هذا الذي وضع للعباد هذه الحيل كأنه يقول لهم هذا الحكم الذي أوجبه الله عليكم أو حرمه قد وجدت لكم عنه مخلصًا ومنه متحولًا بذهني الدقيق وفكري العميق، هو كذا وكذا، فهذا المخذول قد بلغ من التجري على الله تعالى مبلغًا يتقاصر عنه الوصف لأنه ذهب يعانده ويضاد ما تعبّدنا به بمجرد رأيه الفايل وتخيّله الباطل. مقرًا على نفسه بقبيح صنعه. وإنه جاء بما يريح العباد من الحكم الشرعي، فإن كان مع هذا معتقدًا أن
_________________
(١) تناول المؤلف هذا الموضوع بتوسع في كتابه: قطر الولي وذكر نماذج وأمثلة لأنواع الحيل التي أراد بها أصحابها التحلل من التكاليف الشرعية، قطر الولي ص ٣٥٣ - ٣٦٤.
[ ٢٣٧ ]
ذلك التحيل الذي جاء به يحلل الحرام ويحرم الحلال، فهو مع كذبه على الله وافترائه على شريعته قد ضم إلى ذلك ما يستلزم أنه يدّعي لنفسه أن يشرع للعباد من عند نفسه غير ما شرعه لهم، وذلك لا يكون إلا لله سبحانه، فإن كان هذا المخذول يدّعي لنفسه الألوهية مع الله سبحانه فحسبك من شر سماعه، وإن كان لا يدعي لنفسه ذلك فيقال له ما بالك تصنع هذا الصنع وأي أمر ألجأك إليه وأوقعك فيه. فإن قال: رأيت الله ﷿ قد صنع مثل هذا في مثل قصة أيوب وصنعه رسول الله ﵌ في المريض الذي زنى. فيقال له: ما أنت وهذا، لا كثر الله في أهل العلم من أمثالك، ومن أنت حتى تجعل لنفسك ما جعله الله لنفسه، فلو كان هذا الأمر الفظيع سائغًا لأحد من عباد الله لكان لهم أن يشرعوا كما شرع، وينسخوا من أحكام الدين ما شاءوا كما نسخ. ثم أي جامع بين هذه أو بين ما شرعه الله من ذلك فإنه مجرد خروج من مأثم وتحلل من يمين قد شرع الله تعالى فيها إتيان الذي هو خير كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة، حتى ثبت في الصحيح أن رسول الله ﵌ حلف على ذلك فقال: "والله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيرًا منه إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني" (^١). فأين هذا مما يصنعه أسراء التقليد من الكذب على الله تعالى وعلى شريعته وعلى عباده. أما الكذب على الله فلكونهم زعموا عليه أنه أذن لهم به وسوّغه لهم وهو كذب بحت وزور محض، وإن كانوا لا يعتقدون ذلك بل جعلوه من عند أنفسهم جُرأةً وعنادًا ومكرًا وخداعًا فالأمر أشد والقضية أَعظم. وأما كذبهم على الشريعة فلكونهم جعلوا ما نصبوه من الحيل الملعونة والذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية من جملة الشريعة
_________________
(١) أخرج البخاري ومسلم من حديث طويل عن أبي موسى الأشعري. " وإني والله - إن شاء الله - لا أحْلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلّا أتيت الذي هو خير وتحلّلتها" اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٧٢ (١٠٧٠).
[ ٢٣٨ ]
ومن مسائلها ودوّنوه في كتب العبادات والمعاملات. وأما الكذب على عباده فلكونهم ذهبوا إليهم فخدعوهم وماكروهم بأن ما أوجبه الله من كذا ليس بواجب وما حرّمه من كذا ليس بمحرم إذا فعلوا كذا أو قالوا كذا. وما أشبه هذا بما كان يصنعه رؤساء الجاهلية لأهلها من التلاعب بهم كما يتلاعب بالصبيان والمجانين، وكما يصنعه المجان وأهل الدعابة. فإن تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكذلك ما كان يفعلونه من النسيء وما كانوا عليه من الميسر والأنصاب والأزلام، وما كانوا يعتمدونه مع من يطوف بالبيت الحرام من تلك الأفعال التي هي أشبه بأفعال المجانين كالتعري وما يشاكله، لا مقصد لرؤساء الجاهلية بهذه الأمور التي كانوا يفعلونها ويأمرون العباد بها إلا مجرد ارتفاع الذكر وإظهار اقتدارهم على تنفيذ ما يريدونه وقبول الناس لما يأمرونهم به وإن كانت أمورًا متكررة وبلايا متعددة وأعمالًا شاقة. فتدبر هذا وتأمله لتكون على حذر من نفاق ما جاءوا به من الحيل الباطلة عندك، وإلا كنت كالبهيمة التي لا تمنع ظهرها من راكب، ولا تستعصي على مستعمل. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على هذا، وكفاك بما قصه الله سبحانه علينا من حيلة أهل السبت. وقد أورد البخاري في كتاب الحيل من صحيحه ما يشفي ويكفي (^١)، ولبعض المتأخرين في هذا مصنّف حافل استوعب فيه جميع الأدلة، وهي معلومة لعلماء الكتاب والسنة، ولكننا اقتصرنا ههنا على بيان الأسباب التي تنشأ عنها الحيل والمفاسد التي تتأثر عنها ليكون ذلك أدفع للمنصف وأوقع في نفسه كما هو دأبنا في هذا المختصر. فإنا نشير إلى القضية التي ينبغي اجتنابها بكلمات لا تنبو عنها مسامع المنصفين ولا تنكرها قلوبهم. ولا تبعد عنها أفهامهم. وإذا حصل المقصود بالاختصار لم تبق للتطويل حاجة، وقد ينفع القليل نفعًا لا يبلغه الكثير على أنّا لم نكن بصدد نشر الأدلة وإيراد ألفاظها فإنها معروفة مدونة.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري ٩/ ٢٩ - ٣٧ (كتاب الحيل).
[ ٢٣٩ ]
بل نحن بصدد الإرشاد إلى الإنصاف بعبارات تشتمل على معان قد تحتجب عن كثير من الأذهان، وتبعد عن غالب الأفهام.
ومن جملة ما ينبغي له استحضاره: أن لا يغتر بمجرد الاسم دون النظر في معاني المسميات وحقائقها فقد يسمي الشيء باسم شرعي وهو ليس من الشرع في شيء، بل هو طاغوت بحت، وذلك كما يقع من بعض من نزعه عرق إلى ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث الإناث فإنهم يخرجون أموالهم أو أكثرها أو أحسنها إلى الذكور من أولادهم بصورة الهبة والنذر والوصية أو الوقف، فيأتي من لا يبحث عن الحقائق فينزل ذلك منزلة التصرفات الشرعية اغترارًا منه بأن الشارع سوّغ للناس الهبة والنذر والوصية. غير ملتفت إلى أن هذا لم يكن له من ذلك إلا مجرد الاسم الذي أحدثه فاعله ولا اعتبار بالأسماء بل الاعتبار بالمسميات، فالهبة الشرعية هي التي أرشد إليها النبي ﵌: "لما سأله بشير والد النعمان عن تخصيص ولده النعمان بشيء من ماله وطلب منه أن يشهد على ذلك فقال لا أشهد على جور، ووقع منه الأمر بالتسوية بين الأولاد" وهو حديث صحيح له طرق متعددة (^١). فالهبة المشتملة على التفصيل المخالف لفرائض الله ليست بهبة شرعية بل هي جور مضاد لما شرعه الله. فإطلاق اسم الهبة عليها مخادعة لله ولعباده، فلا ينفذ من ذلك شيء بل هو باطل رده لكونه ليس على أمر النبي ﵌. وهكذا من خصص بعض ورثته بنذر يخالف ما شرعه الله من الفرائض. فهذا ليس هو النذر الذي شرعه الله بل هو نذر طاغوتي. فإن النذر الذي شرعه الله سبحانه هو الذي يقول فيه النبي ﵌: "النذر ما ابتغي به وجه الله" ويقول: "لا نذر في
_________________
(١) أخرج حديث النعمان بن بشير، البخاري ومسلم بألفاظ قريبة لما أورده المؤلف، اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٦٢ (١٠٤٨ - ١٠٤٩).
[ ٢٤٠ ]
معصية الله" (^١) كما هو ثابت في الصحيح. وهذا الذي أخرج بعض ماله إلى بعض ورثته مخالفة لما فرضه الله تعالى من المواريث. ثم سمى ذلك البعض نذرًا لم يبتغ به وجه الله ولا أطاعه به، بل ابتغي به وجه الشيطان الذي وسوس له بأن يخالف الشرع، وأطاعه بمعصية الله. وهكذا من أخرج بعض ماله على تلك الصفة بالوصية، فإن هذه الوصية المتضمنة للمفاضلة بين الورثة ليست الوصية التي شرعها الله تعالى لعباده بل وصية طاغوتية فإن الوصية الشرعية هي التي يقول فيها النبي ﵌: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث" (^٢) ويقول فيها الرب تبارك تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً﴾ [النساء: ١٢] ويقول فيها ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. والمراد بالإصلاح إبطال ما جاء به من الفساد في وصيته. وقد ورد عن النبي ﵌: "أن الضرار في الوصية من أسباب النار وأنه يحبط عبادة العمر" كما أخرج ذلك جماعة وصححه من صححه (^٣) فمن جاءته من هذه الوصايا المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه فأنفذها من الثلث مستدلًا على ذلك بمثل حديث: "الثلث والثلث كثير" (^٤) ويمثل ما ورد من سائر الآيات والأحاديث القاضية بالوصية على الإطلاق، فقد غلط غلطًا
_________________
(١) وردت أحاديث كثيرة مؤكدةً على هذه المعاني انظر: النسائي ٧/ ٢٨، والبيهقي ١٠/ ٢٧٠، الطبراني ٢١/ ٢٣ (١٠٩٣٣) مجمع الزوائد ٤/ ١٨٦؛ الحاكم ٤/ ٣١٩ - ٣٤٠ (٧٨٤٠ - ٧٨٤٢)، نيل الأوطار ٦/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٧؛ أبو داود (٢٨٥٣، ٣٥٤٨)؛ الترمذي (٦٦٥، ٢٢٥٣)؛ ابن ماجه (٢٠٠٧، ٢٧١٣، ٢٢٩٥)؛ البيهقي ٤/ ١٩٣ - ١٩٤، ٦/ ٧٢، ٢٤٤،٨٨؛ الطبراني ٨/ ١٣٥، ١٧/ ٣٠ - ٣٣.
(٣) راجع نيل الأوطار ٦/ ٤٢.
(٤) أخرجه: البخاري (٢٧٤٣) ومسلم (١٦٢٩)؛ أحمد (٢٠٣٤، ٢٠٧٦)، النسائي ٦/ ٢٤٤؛ ابن ماجه (٢٧١١)؛ الطبراني ١٠/ ٢٩٧ (١٠٧١٩).
[ ٢٤١ ]
بيّنًا. فإن هذه الوصية التي قال فيها النبي ﵌ الثلث والثلث كثير هي وصية قربة. كما في القصة المشهورة الثابتة في الأمهات: "أن سعد بن أبي وقاص استأذن رسول الله ﵌ أن يتصدق بجميع ماله فما زال يُنازله حتى قال له: "الثلث والثلث كثير" (^١).
وهكذا ما ورد من قوله ﵌: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم" فإنه قيّده بقوله في آخره "زيادة في حسناتكم" (^٢) ولا يزيد في الحسنات إلا ما كان قربة. وأما وصايا الضرار المتضمنة لمخالفته ما شرعه الله فهي زيادة في السيئات لا زيادة في الحسنات فتبين لك أن هذه الوصية التي أذن بها النبي ﵌ ليست وصية الضرار، فإن تلك قد أخرجها الله من عموم مشروعية الوصية بقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً﴾ [النساء: ١٢٠]. وأخرجها النبي ﵌ بما تقدم من الوعيد الشديد لمن يضار في وصيته ويمنع الوصية للوارث حتى ثبت في بعض الروايات بلفظ لا تجوز وصيته لوارث. وقد أوضحته في أبحاث متعددة من مصنفاتي (^٣). وليس المراد ههنا إلا إرشاد طالب الإنصاف إلى عدم الاغترار بما يفعله المتلاعبون بأحكام الشرع من
_________________
(١) أخرج حديث سعد بن أبي وقاص، البخاري ومسلم اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٦٣ - ١٦٤ (١٠٥٣).
(٢) رواه الدارقطني ٤/ ١٥٠؛ الطبراني ٢٠/ ٤٧ مجمع الزوائد ٤/ ٢١٢ وقال: وفيه عتبة بن حمد الضبي وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أحمد وللحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن".
(٣) بالإضافة إلى تناول المؤلف لهذا الموضوع ضمن كتبه الفقهية فقد أفرد له عدة أبحاث و(رسائل): - بحث فيمن أوصى بالثلث قاصدًا إحرام الوارث، (خ) مكتبة الجامع الكبير بصنعاء (المكتبة الشرقية (٥٠ مجاميع). - بحث في وصايا الضرار (خ): المصدر السابق. =
[ ٢٤٢ ]
تسمية أمور تصدر عنهم من الطاغوت بأسماء شرعية مخادعة لأنفسهم، واستدراجًا لمن لا فهم عنده ولا بحث عن الحقائق. وهذه الذريعة الشيطانية قد عمت وطمّت خصوصًا أهل البادية فإنه بقي في أنفسهم ما كانت عليه الجاهلية الأولى من عدم توريث الإناث (*) ومن لا حظ له عندهم من الورثة وإن كانوا ذكورًا، فأرادوا الاقتداء بهم، ولكنهم لما كانوا مخبوطين بسوط الشرع، مقهورين بسيفه، نصبوا هذه الوسائل الملعونة، فقالوا: نذرنا، وهبنا، أوصيْنا وساعدهم على ذلك طائفة من المقصرين الذين لا يعقلون الصواب ولا يفهمون ربط المسببات بأسبابها فحرروا لهم تحريرات على أبلغ ما يفيد النفوذ والصحة، طمعًا فيما يتعجلونه من الحطام الذي هو من أقبح أنواع السحت. فإن ما يأخذونه على ذاك هو حرام، كما ثبت عن الشارع: من "تحريم حلوان الكاهن وأجر البغي" (^١) وما يأخذه من يُعلِّم كتاب الله ونحو ذلك من الأمور. ولا يشك من يفهم الحجج الشرعية أن سبب تحريم ذلك هو كونه على تحليل حرام أو تحريم حلال. وهذا الذي يكتب هذه
_________________
(١) = - سؤال عن الوصية لوارث (خ) نفسه. - بحث في مسائل الوصايا التي يترتب عليها الضرر (خ) مكتبة الجامع الغربية ١٥٠ مجاميع). - بحث فيمن وقف على أولاده دون زوجته (خ) المصدر السابق. (*) ظلت ظاهرة حرمان النساء من المواريث سائدة في معظم المناطق الريفية، وخصوصًا المناطق النائية منها (أي أهل البادية حسب تعبير المؤلف)، منذ عصر المؤلف وحتى عهد قريب عندما استقر حكم الإمام يحيى حميد الدين، وتمكَّن من بسط سيطرته على المناطق الواقعة تحت حكمه، فحسب علمي أنه لم يبتدئ توريث النساء في منطقة حاشد السفلى (عذر والعصيمات) إلَّا سنة ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م على أن يلغي ما كان قبل هذه السنة من المواريث.
(٢) "نهى الرسول ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن" أخرجه البخاري ومسلم: اللؤلؤ المرجان ٢/ ١٤٧ (١٠١٠)؛ أحمد ٤/ ١١٩ - ١٢٠؛ الترمذي (١١٤٤، ١٢٩٣، ٢١٥١)؛ أبو داود (٣٣٦٤)؛ النسائي ٧/ ٣٩؛ ابن ماجه (٢١٥٩)، الطبراني ١٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
[ ٢٤٣ ]
المكاتيب الطاغوتية المتضمنة لمخالفة ما شرعه الله لعباده من المواريث وقدّره لهم في كتابه وقيّده بعدم الضرار هو أولى بتحريم ما يأخذه من أولئك. وقد يقوم شيطان من شياطين المقلدة ومخذول من مخذولي المشتغلين بالرأي فيجادل عن هذه الوصايا والنذور، والهبات ونحوها وينزلها منزلة الوصايا والنذور والهبات الشرعية. ويورد ما قاله من يقلده ممن يستعظم الناس كلامه ويعتدّون (^١) بمذهبه ويحكي لهم ما صرّح به في هذه الأبواب ونحوها من منصفاته غير متعقل للفرق بين هذه الطواغيت وبين تلك الأمور الشرعية. ولا فاهم للمغايرة الكلية، ولا متأمل للأسباب التي تصدر عنها تلك الأمور، وإن أهل العلم بأسرهم إنما تكلموا في مصنفاتهم على الأمور الشرعية لا الأمور الجاهلية، وإن مجرد الاسم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال. كما لو سميت الخمر ماء. أو الماء خمرًا. فإنه لو كان الحكم يدور على التسمية لكان الخمر المسمى ماء حلالًا، وكان الماء المسمى خمرًا حرامًا. وهذا خرق للشرع وهتك للدين. ومن اغتر به فليس من النوع الإنساني بل من النوع البهيمي. ولا ينبغي الكلام معه، بل يقال له هذا الذي فيه النزاع ليس هو ما تكلم عليه من تقلِّده وتقتدي به، بل هو شيء آخر يضاده ويخالفه، لأن أهل الشرع إنما يتكلمون على الأمور الشرعية، وهذا ليس شرعي بل طاغوتي فإن فهم هذا استراح منه، وإن لم يفهمه ففي السكوت راحة من تحمل كرب مخاطبة السفهاء.
ولقد وقعنا مع جماعة من مقصري القضاة والمفتين في هذه المسألة في أمور عظيمة، وخطوب جسيمة، وفتن كبيرة، لا يتسع المقام لبسطها. والحق منصور والباطل مخذول ولله الحمد.
وأعظم ما يتمسكون به من التغرير على العوام والتزوير على الملوك
_________________
(١) في (ب) ويقتدون.
[ ٢٤٤ ]
ومن يقدر على القيام بنصرهم، استكثارهم من قولهم هذا خالف المذهب فعل كذا قال كذا ولم يخالف في الواقع إلا الطاغوت، ولا نصر إلا الشرع. فليحذر طالب العلم من الاغترار بمثل ذلك أو الروعة منه. فإن العاقبة للمتقين، والله ناصر المحقين والأعمال بالنيات. ولقد تلطف المحبون لهذه الطواغيت والمساعدون لهم على كتبها لما صممت على إبطالها وأبطلها كل من ترد عليه من قاض أو غيره بعد أن وقع بيني وبينهم ما أشرت إليه سابقًا فكان من جملة ما عدلوا إليه من الذرائع والوسائل، الإقرار للذكور أو لمن يحبون بديون ونفقات ومكتسبات. ولم ينفق ذلك عليّ ولا التفت إليه، بل كشفت عن أصل كل إقرار، فما كان صادرًا عن هذه المقاصد الفاسدة أبطلته.
ومن جملة ما تلطف به من له أولاد ذكورًا وإناثًا: أن يعمدوا إلى أولاد أولادهم الذكور فينذرون عليهم ويوصون لهم، ويقولون أنهم فعلوا ذلك لغير وارث، ولم يفعلوا ذلك إلا لقصد تقليل نصيب بناتهم وتوفير نصيب الذكور، وقد تتبعت هذا فما وجدت أحدا يوصي لأولاد أولاده أو ينذر عليهم إلا ومعه بنات، أو له ميل إلى بعض الأولاد دون بعض، ولا يفعلون ذلك لمقصد صالح إلا في أندر الحالات وأقلها.
ومن جملة هذه الوصايا الطاغوتية: والنذور الشيطانية، ما يفعله كثير من الناس من النذور والوصايا على قبور الأموات، فإنه لا مقصد لهم بذلك إلا استجلاب الخير واستدفاع الشر من صاحب القبر. وهو قد صار بين أطباق الثرى يعجز عن نفع نفسه فضلًا عن نفع غيره. فلا يصح شيء من ذلك، بل يتوجب على أهل الولايات صرفه في مصالح المسلمين. ويعرّفون الناس بقبح ما يصنعونه من ذلك، وأنه من الأمور التي لا يحل اعتقادها، وأن الضر والنفع واستجلاب الخير واستدفاع الشر بيد الله ﷿ ليس لغيره فيه حكم ولا له عليه اقتدار، فإن رجعوا عن ذلك وتابوا وإلا انتقل صاحب
[ ٢٤٥ ]
الولاية معهم إلى ما هو أشد من ذلك. ولا يدعهم حتى يتوبوا. وهكذا ما يقع من الأوقاف على القبور فإنها من الحُبَس الشيطانية، والدلس الطاغوتية. ولا يحل تقرير شيء منها ولا السكوت عنه، بل صرفها في مصالح المسلمين من أهم الأمور وأوجبها. فإن في عدم إنكارها وإبطالها مفسدة عظيمة تنشأ عنها الاعتقادات الباطلة المفضية بصاحبها إلى نوع من أنواع الشرك وهو لا يشعر.