﷽
أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأصلي وأسلم على رسولك وآله وأسألك التثبيت والهداية وأعوذ بك من الخذلان والغواية.
وبعد فإنّي قد عزمتُ عزم الله لي على الخير على أن أجمع في هذه الورقات ما ينبغي لطالب العلم اعتماده في طلبه والتحلي به في إيراده وإصداره وابتدائه وانتهائه، وما يشرع فيه ويتدرج إليه حتى يبلغ مراده على وجه يكون به فائزًا بما هو الثمرة والعلة الغائية التي هي أول الفكر وآخر العمل. وسميته (أدب الطلب ومنتهى الأرب).
وإني أتصور الآن أن الكلام بمعونة الله ومشيئته لا بدّ أن يتعدى إلى فوائد ومطالب ينتفع بها المنتهي كما ينتفع بها المبتدئ ويحتاج إليها الكامل كما يحتاج إليها المقصّر ويعدها المتحققون بالعرفان من أعظم الهدايا.
فأول ما على طالب العلم أن يحسن نيته ويصلح طويّته ويتصور أن هذا العمل الذي قصد له والأمر الذي أراده هو الشريعة التي شرعها الله سبحانه لعباده، وبعث بها رسله وأنزل بها كتبه، ويجرد نفسه عن أن يشوب ذلك بمقصد من مقاصد الدنيا، أو يخلطه بما يكدره من الإرادات التي ليست منه،
[ ٨١ ]
كمن يريد به الظفر بشيء من المال أو الوصول إلى نوع من الشرف أو البلوغ إلى رئاسة من رئاسات الدنيا أو جاه يحصله به فإن العلم طيّب لا يقبل غيره ولا يحتمل الشركة والروائح الخبيثة إذا لم تغلب على الروائح الطيّبة، فأقل الأحوال أن تساويها وبمجرد هذه المساواة لا يتبقى للطيّب رائحة والماء الصافى العذب الذي يستلذه شاربه كما يكدره الشيء اليسير من الماء المالح فضلًا عن غير الماء من القاذورات بل يُنغِّصُ لذَّته مجرد وجود القذاة فيه ووقوع الذباب عليه هذا على فرض أن مجرد تشريك العلم مع غيره له حكم هذه المحسوسات وهيهات ذلك فإن من أراد أن يجمع في طلبه العلم بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد الشطط وغلط أقبح الغلط، فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلّها وأعلاها، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فقيّد الأمر بالعبادة بالإخلاص الذي هو روحها، وصحّ عن رسول الله ﷺ حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (^١) وهو ثابت في دواوين الإسلام كلها، وقد تلقته الأمة بالقبول، وإن كان أحاديًّا أجمع جميع أهل الإسلام على ثبوته وصحته. وقد تقرّر في علم البيان والأصول بأن (إنما) من صيغ الحصر وثبت القول بذلك عن الصحابة رُوِيَ عن ابن عباس أنه احتجّ على اختصاص الربا بالنسيئة بحديث "إنَّما الربا في النسيئة" (^٢) ولم يخالفه الصحابة في فهمه، وإنما خالفوه في الحكم مستدلين بأدلة أخرى مصرحة بثبوت ربا الفضل، وكما أن هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١ (رقم ١٢٤٥)؛ ابن ماجة (٤٢٢٧) البيهقي ١/ ١١، ٢١٥، ٢٩٨؛ أبو داود (٢٢٠١)؛ الترمذي (١٦٤٧)؛ النسائي ١/ ٥٨، ٦/ ١٥٨، ٧/ ١٣.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم بلفظ "لا ربا إلا في النسيئة" اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٥٣ (١٠٢٧).
[ ٨٢ ]
التركيب يفيد ما ذكرناه من الحصر كذلك لفظ الأعمال "بالنية" (^١) أو بالنيات كما ورد في بعض ألفاظ الحديث الثابتة في الصحيح فإن الألف واللام تفيد الاستغراق وهو يستلزم الحصر وهكذا ورد في بعض ألفاظ الحديث لا عمل إلا بنية وهي أيضًا من صيغ الحصر بل هي أقواها والمراد بالأعمال هنا: أفعال الجوارح حتى اللسان فتدخل الأقوال ومن نازع في ذلك فقد أخطأ، ثم لا بدّ لقوله بالنيات من تقدير متعلق عام لعدم ورود دليل يدل على المتعلق الخاص فيقدر الوجود أو الكون أو الاستقرار أو الثبوت أو ما يفيد مفاد ذلك فيكون التقدير إنما وجود الأعمال وكونها واستقرارها أو ثبوتها بالنيات فلا وجود أو لا كون أو لا استقرار أو لا ثبوت لما لم يكن كذلك وهو ما ليس فيه نية، لا يقال أن تقدير الثبوت والوجود والكون ونحوها يستلزم عدم وجود الذات مع عدم النية وقد وجدت في الخارج، لأنا نقول المراد الذات هو الشرعية وهي غير موجودة ولا اعتبار بوجودات غير شرعية ونفي الذات هو المعنى الحقيقي فلا يُعدل عنه إلى غيره إلّا لصارف، ولا صارف هنا على أنه لو فُرض وجود صارف إلى المعنى المجازي لم يكن المقدر ههنا إلّا الصحة أو ما يفيد مفادها وهي مستلزمة لنفي الذات، فتقرر بمجموع ما ذكرنا أن حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلّا بالنية فلا حصول أو لا ثبوت لما ليس كذلك، فكل طاعة من الطاعات وعبادة من العبادات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طويّة لا اعتداد بها، ولا التفات إليها، بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث التي هي بما يصدر عن المجانين أشبه منها بما يصدر عن العقلاء.
ومن أهم ما يجب على طالب العلم تصوّره عند الشروع، واستحضاره عند المباشرة بل وفي كل وقت من أوقات طلبه مبتديًا ومنتهيًا متعلّمًا وعالمًا
_________________
(١) ورد لفظ "إنما الأعمال بالنية … " عند مسلم في باب الإمارة (١٥٥)، النسائي ١/ ٥٨، ٦/ ١٥٨، ٧/ ١٣.
[ ٨٣ ]
أن يقرر عند (^١) نفسه أن هذا العمل الذي هو بصدده هو تحصيل العلم كما شرعه الله لعباده والمعرفة لما تعبّدهم به في محكم كتابه وعلى لسان رسوله والوقوف على أسرار كلام الله ﷿ ورسوله ﵌، وإن هذا المطلب الذي هو بسبب تحصيله ليس هو من المطالب التي يقصدها مَن هو طالب للجاه والمال والرياسة بل هو مطلب يُتاجِر به الربّ سبحانه وتكون غايته العلم بما بعث الله به رسله وأنزل فيه كتبه، وذلك سبب الظفر بما عند الله من خير ومثل هذا لا مدخل فيه لعصبية ولا مجال عنده لحمية بل هو شيء بين الله سبحانه وبين جميع عباده تعبّدهم به تعبّدًا مطلقًا أو مشروطًا بشروط وأنه لا يخرج عن ذلك فرد من أفرادهم، بل أقدامهم (^٢) متساوية في ذلك عالمهم وجاهلهم وشريفهم ووضيعهم وقديمهم وحديثهم ليس لواحدٍ. منهم أن يدعي أنه غير متعبّد بما تعبّد الله به عباده أو أنه خارج عن التكليف أو أنه غير محكوم عليه بأحكام الشرع ومطلوب منه ما طلبه الله من سائر الناس فضلًا عن أن يرتقي إلى درجة التشريع وإثبات الأحكام الشرعية وتكليف عباد الله سبحانه بما يصدر عنه من الرأي، فإن هذا أمر لم يكن إلّا لله سبحانه لا لغيره من البشر كائنًا من كان، إلا فيما فوّضه إلى رسله، وليس لغير الرّسل في هذا مدخل بل الرّسل أنفسهم (^٣) متعبّدون بما تعيّدهم الله به مكلّفون بما كلفهم (^٤) به مطلوبون بما طلبه منهم وتخصيصهم بأمور لا تكون لغيرهم لا يوجب خروجهم عن كونهم كذلك، بل هم من جملة البشر ومن أفراد (^٥) العباد في التكليف بما جاؤوا به عن الله وقد أخبروا
_________________
(١) في (ب) أن يقرّ في نفسه.
(٢) في (ب) من أقدامهم بل أقوالهم.
(٣) في (ب) منهم.
(٤) في (ب) كلفوا.
(٥) في (ب) سائر العباد.
[ ٨٤ ]
بهذا وأخبر به الله عنهم كما في غير موضع من الكتاب العزيز ومن السنّة المطهَّرة وكما وقفنا عليه في التوراة والإنجيل والزبور مكررًا في كل واحد منها وإذا كان هذا حال الرسل عليهم الصلاة والسلام في التعبد بالأحكام (^١). الشرعية والتوقف في التبليغ على ما أمرهم الله تعالى بتبليغه، فلا يُشرِّعون لعباده (^٢) إلا ما أذن لهم الله به وأمرهم بإبلاغه وليس لهم من الأمر شيء إلّا مجرّد البلاغ عن الله والتوسط بينه وبين عباده فيما شرعه لهم وتعبّدهم به كما هو معنى الرسول والرسالة لغةً وشرعًا عند من يعرف علم اللغة ومصطلح أهل الشرع، ولا ينافي هذا وقوع الخلاف بين أئمة الأصول في إثبات اجتهاد الأنبياء ونفيه فإن الخلاف المحرر في هذه المسألة لفظي عند من أنصف وحقق فكيف بحال غيرهم من عباد الله ممن ليس هو من أهل الرسالة ولا جعله الله من أهل العصمة كالصحابة فالتابعين فتابعيهم من أئمة المذاهب فسائر حملة العلم، فإن من زعم أن لواحد من هؤلاء أن يحدث في شرع الله ما لم يكن فيه أو يتعبّد عباد الله بما هو خارج عن ما هو منه فقد أعظم على الله الفرية وتقوّل على الله تعالى بما لم يقل وأوقع نفسه، في هوة لا ينجو منها وطرحها في مطرح سوء ووضعها في موضع شرّ ونادى على نفسه بالجهل والجرأة على الله تعالى والمخالفة لما جاءت به الشرائع وما أجمع عليه أهلها فإن هذه رتبة لم تكن إلّا لله ومنزلة لا ينزلها غيره ولا يدّعيها سواه، فمن أدعاها لغيره تصريحًا أو تلويحًا فقد أدخل نفسه، في باب من أبواب الشرك، وكان ذلك هو الفائدة التي استفادها من طلبه والربح الذي ربحه من تعبه ونصبه وصار اشتغاله بالعلم جنايةً عليه ومحنةً له ومصيبةً أصاب بها نفسه، وبليّة قادها إليها، ومعصية كان عنها بالجهل وعدم الطلب في راحة. وهكذا من لم يحسن لنفسه الاختيار ولا سلك فيها مسالك الأبرار
_________________
(١) في (ب) بالأوامر.
(٢) في (ب) للناس.
[ ٨٥ ]
ولا اقتدى بمن أمر الله الإقتداء به من أهل العلم الذين جعلهم محلًا لذلك ومرجعة.
فإذا تقرر لك هذا وعلمت بما فيه من الضرر العظيم الذي يمحق بركة العلم ويشوّه وجهه ويصيّره بعد أن كان من العبادات التي لا تشبهها طاعة ولا تماثلها قربة، معصيةً محضة، وخطيئة خالصة، تبيّن لك نفع ما أرشدتك إليه من تحري الإيمان، الذي من أعظم أركانه وأهم ما يحصّله لك أن تكون منصفًا غير متعصّب في شيء من هذه الشريعة فإنها وديعة الله عندك وأمانته لديك فلا تخنها وتمحق بركتها بالتعصب لعالم من علماء الإسلام بأن تجعل ما يصدر عنه من الرأي ويروي له من الاجتهاد حجة عليك وعلى سائر العباد فإنك إن فعلت ذلك، كنت قد جعلته شارعًا لا متشرعًا ومكلِّفًا ولا مكلَّفًا ومتعبَّدًا ولا متعبِّدًا وفي هذا من الخطر عليك والوبال لك ما قدّمناه فإنه وإن فضلك بنوع من أنواع العلم وفاق عليك بمدرك من مدارك الفهم فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكومًا عليه متعبَّدًا بما أنت متعبّد به فضلًا عن أن يرتفع عن هذه الدرجة إلى درجة يكون رأيه فيها حجة على العباد واجتهاده لديها لازمًا لهم، بل الواجب عليك أن تعترف له بالسبق وتقرّ له بعلو الدرجة اللائقة به في العلم معتقدًا أن ذلك الاجتهاد الذي اجتهده والاختيار الذي اختاره لنفسه بعد إحاطته بما لا بدّ منه هو الذي لا يجب عليه غيره، ولا يلزمه سواه لما ثبت في الصحيح عنه ﵌ من طرق أنه "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" (^١) وفي
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٢/ ١٩٥ (رقم ١١١٨)، أحمد ٢/ ١٨٧؛ الدراقطني ٢/ ٢١٨، ٤/ ٢١١، ابن كثير في التفسير ٤/ ٣٨٠، البيهقي ١٠/ ١١٨ - ١١٩؛ والنسائي ٨/ ٢٢٤ بلفظ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب ..، ابن ماجة (٢٣١٤).
[ ٨٦ ]
خارج الصحاح من طرق "إنه إذا أصاب فله عشرة أجور" وقد صححه الحاكم في المستدرك (^١) وفضل الله واسع وعطاؤه جمّ وليس لك أن تعتقد أن صوابه صواب لك أو خطأه خطأ عليك (^٢) بل عليك أن توطن نفسك على الجد والاجتهاد والبحث بما يدخل تحت طوقك وتحيط به قدرتك حتى تبلغ إلى ما بلغ إليه من أخذ الأحكام الشرعية من ذلك المعدن الذي لا معدن سواه، والموطن الذي هو أول الفكر وآخر العمل. فإن ظفرت به فقد تدرجت من هذه البداية إلى تلك النهاية وإن قصرت عنه لم تكن ملومًا بعد أن قررت عند نفسك وأثبت في تصوّرك أنه لا حجة إلّا لله، ولا حكم إلّا منه، ولا شرع إلّا ما شرعه وإن اجتهادات المجتهدين ليست بحجة على أحد، ولا هي من الشريعة في شيء بل هي مختصة بمن صدرت عنه لا تتعداه إلى غيره، ولا يجوز له أن يحمل عليه أحدًا من عباد الله ولا يحل لغيره أن يقبلها عنه ويجعلها حجة عليه يدين الله بها، فإن هذا شيء لم يأذن الله به، وأمر لم يسوغه لأحد من عباده، ولا يغرّك ما استدل به القائلون بجواز التقليد فإنه لا دلالة في شيء مما جاءوا به على محلّ النزاع وقد أوضحنا ذلك في مؤلف مستقل وهو (القول المفيد في حكم التقليد) (^٣) فارجع إليه إن بقي في صدرك حرج فإنك تقف فيه على ما يريحك وينثلج به صدرك ويفرخ عنده روعك.
فإن قلت: وكيف يقتدر على تصوّر ما أرشدت إلى تصوره ويتمكن من توطين نفسه على ما دللت عليه مَن أراد الشروع في العلم بادئ بدء وهو إذ ذاك لا يدري ما الشرع ولا يتعقل الحجة ولا يعرف الإنصاف ولا يهتدي إلى ما هديته إليه إلا بعد أن يتمرن ويمارس ويكون له من العلم ما يفهم به ما
_________________
(١) الحاكم/ المستدرك (طبعة دار الكتب العلمية/ بيروت) ٤/ ٩٩ رقم (٧٠٠٤).
(٢) في (ب) عليه.
(٣) طبع في مصر سنة ١٣٤٠ هـ.
[ ٨٧ ]
تريد منه؟ قلت: ما أرشدت إليه يعرف بمجرد العقل وسلامة الفطرة (^١)، وعدم ورود ما يرد عليها مما يغيرها، وعلى فرض ورود شيء من المغيّرات عليها كاعتقاد حقية التقليد ونحوه فارتفاع ذلك يحصل بأدنى تنبيه فإن هذا أمر يقبله الطبع بأول وهلة لمطابقته للواقع وحقيته، وكل ما كان كذلك فهو مقبول، والطبائع تنفعل له انفعالًا بأيسر عمل وأقل إرشاد وهذا أمرٌ يعلمه كل أحد، ويشترك في معرفته أفراد الناس على اختلاف طبقاتهم ولهذا نبّه عليه الشارع فقال: "كل مولود يُولدُ على الفطرة ولكن أبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجسانه (^٢) "وهو ثابت في الصحيح.
وإني أخبرك أيها الطالب عن نفسي تحدثًا بنعمة الله سبحانه، ثم تقريبًا لما ذكرت لك، من أن هذا الأمر كامن في طبائع الناس ثابت في غرائزهم وإنه من الفطرة التي فطر الله الناس عليها: إني لما أردت الشروع في طلب العلم ولم أكن إذ ذاك قد عرفت شيئًا منه حتى ما يتعلق بالطهارة والصلاة إلّا مجرّد ما يتلقاه الصغير من تعليم الكبير لكيفية الصلاة والطهارة ونحوهما، فكان أول بحث طالعته بحث كون الفرجين من أعضاء الوضوء في الأزهار وشرحه، لأن الشيخ الذي أردت القراءة عليه والأخذ عنه كان قد بلغ في تدريس تلامذته إلى هذا البحث فلما طالعت هذا البحث قبل الحضور عند الشيخ رأيت اختلاف الأقوال فيه فسألت والدي ﵀ عن تلك الأقوال: أيها يكون العمل عليه؟ فقال: يكون العمل على ما في الأزهار، فقلت: [هل] صاحب الأزهار أكثر علمًا من هؤلاء؟ قال: لا، قلت: فكيف كان
_________________
(١) قارن بابن الوزير / إيثار الحق على الخلق ص ٣٢، ٣٥.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم. اللؤلؤ والمرجان ٣/ ٢١٢ (١٧٠٢)، أحمد ٢/ ٢٣٣، ٢٧٥، ٢٨٢، ٣٩٣، ٤١٠، ٤٨١، ٣/ ٣٥٣، أبو داود: ٤٧١٤، ٤٧١٦، البيهقي ٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣، الطبراني المعجم الكبير ١/ ٢٨٢ - ٢٨٥ (من رقم ٨٢٦ - ٨٣٥).
[ ٨٨ ]
اتّباع قوله دون أقوالهم لازمًا؟ فقال: إصنع كما يصنع الناس فإذا فتح الله عليك فستعرف ما يأخذ به وما يترك. فسألت الله عند ذلك أن يفتح عليَّ من معارفه ما يتميز لي به الراجح من المرجوح وكان هذا في أول بحث نظرته وأول موضع درسته وقعدت فيه بين يدي العلم فاعتبر بهذا ولا تستبعد ما أرشدتك إليه فتحرم بركة العلم وتمحق فائدته.
ثم ما زلت بعد ذلك كما وصفت لك، انظر في مسائل الخلاف وأدرسها على الشيوخ ولا أعتقد ما يعتقده أهل التقليد من حقية بعضها بمجرد الإلف والعادة والاعتقاد الفاسد والاقتداء بمن لا يُقتدى به، بل أسائل من عنده علم بالأدلة عن الراجح وأبحث في كتب الأدلة عن كل ما له تعلق بذلك وأستروح إليه وأتعلل به مع الجد في الطلب واستغراق الأوقات في التعلّم خصوصًا علوم الاجتهاد وما يلتحق بها فإني نشطت إليها نشاطًا زايدًا لما كنت أتصوره من الانتفاع بها حتى فتح الله بما فتح ومنح ما منح فله الحمد كثيرًا حمدًا لا يحاط به ولا يمكن الوقوف على كنهه.
فإذا وطنّتَ نفسك أيها الطالب على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ولا لعالم من العلماء بل جعلتَ الناس جميعًا بمنزلة واحدة في كونهم منتمين إلى الشريعة محكومًا عليهم بها لا يجدوا لأنفسهم عنها مخرجًا ولا يستطيعون متحولًا فضلًا عن أن يرتقوا إلى (ما هو فوق ذلك من كونه يجب على أحد من الأمة العمل على رأي) (^١) واحد منهم أو يلزمه تقليده وقبول قوله فقد فزت بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده، ولأمر ما جعل ﵌ المنصف أعلم الناس وإن كان مقصرًا فإنه أخرج الحاكم في المستدرك وصححه مرفوعًا "أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا
_________________
(١) ما بين () ساقط من (ب).
[ ٨٩ ]
اختلف الناس وإن كان مقصرًا في العمل وإن كان يزحف على أسته" (^١) هكذا في حفظي فليراجع المستدرك، فانظر كيف جعل ﵌ المنصف أعلم الناس وجعل ذلك هو الخصلة الموجبة للأعلمية، ولم يعتبر غيرها. وإنما كان أبصر الناس بالحق إذا اختلف الناس، لأنه لم يكن لديه هوى ولا حمية ولا عصبية لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء، فصفت غريزته عن أن تتكدر بشيء من ذلك فلم يكن له مأرب ولا مقصد إلّا مجرد معرفة ما جاء عن الشارع، فظفر بذلك بسهولة من غير مشقّة ولا تعب لأنه موجود إما في كتاب الله وهو بين أظهرنا في المصاحف الشريفة مفسر بتفاسير العلماء الموثوق بهم وإما في سنة رسول الله ﵌ وهي أيضًا موجودة، قد ألَّف أهل العلم في أدلة المسائل من السنّة كتبًا متنوعة منها ما هو على أبواب الفقه، ومنها ما هو على حروف المعجم، فكان تناوله يسيرًا، ثم قد تكلم الأئمة على صحتها وحسنها وضعفها فجاؤوا بما لا يحتاج الناظر معه إلى غيره ووضعوا في ذلك مؤلفات مشتملة على ذلك اشتمالًا على أحسن وجه وأبدع أسلوب، ثم أوضحوا ما في السنّة من الغريب بل وجمعوا بين المتعارضات، ورجحوا ما هو راجح، ولم يدعوا شيئًا تدعو إليه الحاجة فإذا وقف على ذلك من قد تأهّل للاجتهاد وظفر بعلومه أخذه أخذ غير أخذ مَن لم يكن كذلك وعمل عليه، مطمئنه به نفسه، ساكنة إليه نافرة عن غيره هاربة منه.
_________________
(١) رواه الحاكم من حديث طويل عن ابن مسعود ٢/ ١٨٠، رواه الطبراني في الكبير بإسنادين ٨/ ٢٢٠ - ٢٢١ (١٠٥٣١)، ٨/ ١٧١ (١٠٣٥٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٩٠، ١٦٣؛ ٧/ ٢٦٠ - ٢٦١ رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف وثقه أحمد وغيره وفيه ضعف، وفي الأخرى عقيل ابن الجعد، قال البخاري: منكر الحديث، رواه كذلك ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠، ابن كثير في التفسير ٤/ ٣١٦ وقد استشهد به الشوكاني في: القول المفيد ص ٤٣، ونصّ الحديث: "يابن مسعود أتدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إن أعلم الناس أبصرهم بالحق .. إلخ".
[ ٩٠ ]