ومما يستعين به طالب الحق ومريد الإنصاف على ما يريده من ربط المسائل بالدلائل والخروج من آراء الرجال المتلاعبة بأهلها من يمين إلى شمال، أن يتدبر الدلائل العامة ويتفكر فيما يندرج تحتها من المسائل بوجه من وجوه الدلالة المعتبرة، فإنه إذا تمرن في ذلك وتدرب صار مستحضرًا لدليل كل ما يُسأل عنه من الأحكام الشرعية، كائنًا ما كان، وعرف معنى قوله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ومن أمعن النظر فيما وقع منه ﵌ من استخراج الأحكام الشرعية من كتاب الله تعالى زاده ذلك بصيرة. كما ثبت عنه "أنه لما سُئل عن [زكاة] (^١) الحُمرْ الأهلية فقال: لم أجد فيها إلا هذه الآية الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (^٢) فإن في هذا وأمثاله أعظم عبرة للمعتبرين، وأجل بصيرة للمتبصرين، وأوضح قدوة للمقتدين من العلماء المجتهدين. وثبت أنه ﵌ قال لعمرو بن
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق (انظر نص الحديث في الهامش التالي).
(٢) أخرج الطبراني في الكبير؛ عن أبي ثعلبة: "سئل الرسول ﷺ أفي الحُمر زكاة؟ قال: لا، إلّا الآية الفاذة الشاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الطبراني ٢٢/ ١٨٩ وقال في مجمع الزوائد (٣/ ٩٩) وفيه سعد بن بشير، وفيه كلام وقد وثق.
[ ٢٣٣ ]
العاص: "صليت بأصحابك وأنت جُنُب يا عمرو. فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فأقرَّه النبي ﵌ وضحك ولم يقل شيئًا" (^١) وهذا باب واسع يطول تعداده.
وهكذا التفكر في الكليات الصادرة عمن أُعطي جوامع الكلم وأفصح من نطق بالضاد كقوله ﵌: "إنما الأعمال بالنيات" (^٢) فإن هذا اللفظ الموجز والعبارة المختصرة صالحة للاستدلال بها على كل جزئي من جزئيات الشرع، فتدخل ما حصلت فيه النية في عداد الأعمال المقبولة ويخرج ما لم تحصل فيه النية إلى حيِّز الأعمال المردودة، وتصير بها المباحات (^٣) قربات وعبادات، أقل أحوالها الاندراج تحت حقائق المندوبات، ويبطل كثير من الصور الحاكية لما هو من العبادات بفقد (^٤) النية وعدم وجودها، أو وجودها لا على الوجه المعتبر. وكقوله ﵌: "كل بدعة ضلالة" (^٥). و"من غشنا فليس منا" (^٦) و"الحلال بيّن والحرام بيّن" (^٧) و"كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٨). فإن كل فرد من أفراد هذه العبارات وأمثالها صالح لجعله قضية كبرى للشكل الأول فلا يبقى
_________________
(١) أخرجه البخاري ١/ ٤٥٤؛ والبيهقي ١/ ٢٢٦؛ وأبو داود ١/ ١٣٢.
(٢) سبق تخريجه ص ٨٦.
(٣) في (ب) المباحثات.
(٤) في (ب) بعقد.
(٥) أخرجه مسلم (كتاب الجمعة ب ١٣ رقم ٤٣)؛ ابن ماجه (٤٢، ٤٦) أحمد ٣/ ٣١٠؛ البيهقي ٣/ ٢٠٧، ٢١٣ - ٢١٤؛ مجمع الزوائد ١/ ١٧١.
(٦) أخرجه: مسلم (الإيمان - ١٦٤)؛ أحمد ٣/ ٤٩٨؛ الدارمي ٢/ ٢٤٨؛ البيهقي ٥/ ٢٢٥؛ الحاكم ٢/ ٩؛ الطبراني ١٠/ ١٣٨ (١٠٢٣٤)؛ ابن حبان (١١٠٧).
(٧) أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير: اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٥٣ - ١٥٤ (١٠٢٨)؛ الطبراني عن ابن عباس ١٠/ ٣٣٣ (١٠٨٢٤)، مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٤) وقال: فيه سابق الجزري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
(٨) أخرجه البخاري ومسلم: اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٩٥ (١١٢٠)؛ الدراقطني ٤/ ٢٧.
[ ٢٣٤ ]
فرد من الأفراد إلا وأمكن إدراجه تحت هذه الكلية باجتلاب قضية صغرى سهلة الحصول. تقول مثلًا هذا أمر ليس عليه أمر النبي ﵌، وكل أمر ليس عليه أمره رد، فهذا رد، فلا يبقى فعل ولا قول ولا اعتقاد لم يأت به الشرع إلا وأمكن الاستدلال على رده بهذا الحديث الصحيح.
وهكذا العمل في سائر الكليات والمتحلي بالمعارف العلمية يستغني بمجرد الإشارة والإيقاظ لأن المواد قد حصلت له بما حصّله من العلوم، ومارسه من المعارف، فربما يغفل عن إخراج ما في القوة إلى الفعل، فإذا نُبه على ذلك تنبه. وكان العمل عليه سهلًا والانتفاع بالعلوم يسيرًا.