وكما دفعه حبه للعلم إلى الجد في تحصيله، فقد دفعه كذلك إلى أن يتفرغ له تفرغًا كليًا، مكرسًا كل طاقته ووقته للعلم دارسًا، ومدرسًا وباحثًا ومجتهدًا … ولم ينشغل بأي شيء سواه "وكان منجمعًا عن بني الدنيا، لم يقف بباب أمير ولا قاض ولا صحب أحدًا من أهل الدنيا، ولا خضع لمطلب من مطالبها، بل كان منشغلًا في جميع أوقاته بالعلم درسًا وتدريسًا وإفتاءًا
_________________
(١) البدر الطالع ٢/ ٢١٨، أدب الطلب ص ٩٨، ٩٩، ١٧٣ - ١٧٤.
(٢) البدر الطالع ٢/ ٢١٩.
(٣) الشجني التقصار ص ٢٠٢.
[ ٣٠ ]
وتصنيفًا عائشًا في كنف والده راغبًا في مجالسة أهل العلم والأدب وملاقاتهم والإفادة منهم" (^١).
وساعده على ذلك تشجيع والده علي بن محمد الشوكاني (ت ١٢١١ هـ) ورعايته له - كما ذكر الشوكاني سابقًا - فقد هيأ له كل الوسائل اللازمة للتفرغ لطلب العلم وأعانه عليه، ووفر له ما يحتاج إليه، فجنَّبه بذلك همّ التفكير والبحث عن أسباب معشيته أو الاشتغال بها، ومما قاله المؤلف عن والده: "لقد بلغ معي إلى حدٍّ من البر والشفقة والإعانة على طلب العلم والقيام بما أحتاج إليه مبلغًا عظيمًا بحيث لم يكن لي شغلة بغير الطلب فجزاه الله خيرًا وكافأه بالحسنى. . ." (^٢).
وبعد أن انتهى الشوكاني من دراسته على يد شيوخه، واستوفى بذلك جميع ما عندهم، تفرغ للتدريس والبحث والتأليف، فكان الطلبة يأخذون عنه في كل يوم، زيادة على عشرة دروس (^٣) من فنون متعددة، وقد أتاحت له ثقافته الموسوعية أن يدرس طلبته بالإضافة إلى العلوم المألوفة علومًا أخرى لم تكن تدرّس في ذلك الوقت: "بل أخذوا عنه في فنون دقيقة لم يقرأ في شيء منها [على شيوخه] كعلم الحكمة التي منها العلم الرياضي والطبيعي والإلهي وكعلم الهيئة وعلم المناظر وعلم الوضع" (^٤). ولذا كانت المرحلة الأولى من حياته حتى بلوغه السادسة والثلاثين من عمره وهي المرحلة السابقة على توليه منصب القضاء الأكبر في اليمن، هي أخصب المراحل في حياته وأكثرها عطاءًا فقد استطاع خلالها إستيعاب ثقافة وعلوم عصره، بل
_________________
(١) البدر الطالع ٢/ ٢٢٤.
(٢) البدر الطالع ١/ ٤٨٤.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢١٩.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٢١٩.
[ ٣١ ]
وتمكن كذلك من تجاوزها والإضافة إليها إذ أنه "ترك التقليد واجتهد رأيه اجتهادًا مطلقًا غير مقيد وهو قبل الثلاثين" (^١) وألف في هذه المرحلة معظم كتبه أو ابتدأ في الاعداد لها كما يتضح من الفقرة اللاحقة، ولهذا فقد جاء توليه القضاء الأكبر في اليمن عام ١٢٠٩ هـ وهو في السادسة والثلاثين من عمره، بمثابة كارثة بالنسبة له، لأن أعباء منصبه قد أخذت عليه معظم وقته وشغلت فكره، وأبعدته عن المجال والمحيط الذي يحبه ويألفه كما يحكي ذلك عن نفسه: "بل إنثال عَلَيّ الناس من كل محل فاستغرقت في ذلك جميع الأوقات إلا لحظات يسيرة، قد أفرغتها للنظر في شيء من كتب العلم أو لشيء من التحصيل وتتميم ما قد كنت شرعت فيه واشتغل الذهن شغلة كبيرة وتكدر الخاطر تكدرًا زائدًا (^٢). ."
ولم تقف مسؤلياته عند القضاء فحسب، بل أضاف إليه مسئولية الإشراف على إدارة الشئون الخارجية لليمن، فقد كان يطلع على المراسلات الخارجية الموجهة إلى الإمام من الزعماء ورؤساء الدول ويتولى بنفسه الرد عليها إما باسمه أو باسم الأئمة الذين عاصرهم (^٣)، وكذلك اشركه الأئمة في الإشراف على السياسة الداخلية وخاصة منذ أيام المتوكل أحمد بن علي (تولى الحكم من ١٢٢٤ - ١٢٣١ هـ) الذي لم يكن يصدر أي أمر من أمور مملكته حتى يرسل وزيره الفقيه علي بن إسماعيل فارع يشاور فيه "شيخ
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٢٤.
(٢) البدر الطالع ١/ ٤٦٥.
(٣) لم يكتف الشوكاني بالاطلاع على تلك الرسائل والرد عليها فقط، بل عمل على تدوين نصوص تلك الرسائل في مذكراته الخاصة، وقد نشر الدكتور صلاح رمضان محمود، بعض هذه الرسائل بعنوان: "ذكريات الشوكاني: رسائل المؤرخ اليمني محمد علي الشوكاني، عدن: وزارة الثقافة (١٩٨٣)، انظر كذلك: التقصار ص ٣٥ وما بعدها.
[ ٣٢ ]
الإسلام ويعمل بما يراه. . ." (^١). ولكن برغم انشغاله بهذه المهام والأعباء الكبيرة، فإنه لم يترك التدريس أو القراءة والتأليف "ولم يدع الاشتغال بالعلم وإن كان اشتغاله الآن [أي بعد توليه القضاء] بالنسبة إلى ما كان عليه ليس شيئًا" (^٢).
فقد قسم وقته بحيث يلائم بين واجبات عمله وبين التدريس والبحث، كما يقول تلميذه الشجني إذ خصص أول النهار (منذ انبلاج الضوء إلى ارتفاع الشمس) لتدريس طلابه، ويجعل بقية يومه لعمله، ويخصص الشطر الأول من الليل للقراءة والتأليف. . ." (^٣)، ومع أن هذا الوقت المخصص للقراءة والبحث محدودًا، وقد ينشغل في أكثر الليالي بهموم عمله إلا أنه بفضل ما حَباهُ الله به من الموهبة والذكاء، كان ينجز في هذه الساعات القليلة من الكراريس ما يعجز الناسخ الذي يتولى تبييض مسودات تلك الأبحاث التي يحررها الشوكاني في المساء، عن إتمام تبييضها بالرغم من تفرغ الناسخ لهذا العمل (^٤) ومما يؤكد ما ذكره الشجني، عن قدرات ومواهب شيخه، أن الشوكاني قد جمع مادة كتابه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" في أربعة أشهر وليال (^٥)، وهو كتاب ضخم يقع في مجلدين ترجم فيه لـ (٦١٠) شخصية من مشاهير العلماء والسياسيين منذ بداية القرن الثامن الهجري وحتى عصره.
_________________
(١) الشجني/ التقصار ص ٤٢٦.
(٢) البدر الطالع ٢/ ٢٢٤.
(٣) الشجني/ التقصار ص ٧٤.
(٤) الشجني/ التقصار ص ٤٢٦.
(٥) قال الشوكاني في خاتمة البدر الطالع "وكان مدة جمعه نحو أربعة أشهر وليال يسيرة وأكثر الأيام يعرض الشغل فلا يمكن تحرير شيء" البدر الطالع ٢/ ٣٧٥.
[ ٣٣ ]