كانت المهمة الكبرى أمام دعاة الإصلاح من رواد عصر النهضة، ومنهم الشوكاني، هو العمل على تجديد وإحياء الفكر العربي الإسلامي، بتبنيهم للدعوة للاجتهاد وإعمال العقل وتحريره من قيود التقليد والتعصب، ليسترد العقل العربي عافيته ومقدرته على التفكير والإبداع، بغية إخراج الفكر العربي والإسلامي من محنته، وتجاوز أزمته المستعصية التي ألمَّت به وتسببت في ركوده وجموده، منذ شيوع الدعوة للتقليد وإغلاق باب الاجتهاد، وأدت إلى انتشار التواكل والاسترخاء والكسل العقلي، واكتفاء الخلف باجترار ما قرره السلف في العلوم الشرعية، وانتهت بتعطيل وظيفة العقل وشل فاعليته على التفكير الصحيح ومن ثم عجزه عن الإضافة والتجديد، فعم التخلف والجمود كل مناحي الحياة.
فقد استأثرت هذه المسألة باهتمام الشوكاني، وشغلت تفكيره وكانت بمثابة "الفكرة المحورية" التي تدور حولها معظم كتاباته وآرائه (^١)، وكرس لها معظم فكره وجهده (من خلال التأليف والتدريس) فلا يكاد يخلو كتابًا من كتبه من التشنيع على التقليد والمقلدين والدعوة إلى الاجتهاد وأعمال العقل (^٢). محاولا إزالة كل الأوهام والعقبات التي تحول دون الاجتهاد،
_________________
(١) انظر: د. سعيد إسماعيل علي، أدب البحث العلمي عند الإمام الشوكاني، مجلة "الأمة" قطر: رئاسة المحاكم الشرعية العدد (٧٢) ٨/ ١٩٨٦ م ص ٣٣؛ عبد الغني قاسم الإمام الشوكاني حياته وفكره ص ٢٨٠ وما بعدها.
(٢) انظر على سبيل المثال تفسيره (فتح القدير) ١/ ١٦٧ - ١٦٨، ٥٢٦ - ٥٢٧؛ ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، ٢٣، ٣٥٣ - ٣٥٤؛ ٣/ ٤١٢، ٤/ ٥٥٢ - ٥٥٣؛ انظر نماذج من شعره في ذم التقليد والمقلدين في قطر الولي ص ٣٣٠ - ٣٣٥.
[ ٣٥ ]
ومناقشة كل المبررات والحجج التي يرفعها أنصار التقليد ليدلل على ضعفها وتفاهتها. فبالإضافة إلى الكتب والرسائل المستقلة التي أفردها لهذا الغرض (سيأتي ذكرها) فقد ألف كتابه التاريخي "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" الذي أورد فيه تراجم المشاهير من العلماء الذين بلغوا مرتبة الاجتهاد في العالم الإسلامي عامة واليمن خاصة، ليدحض بذلك حجة أنصار التقليد القائلة بانحصار الاجتهاد في السلف دون الخلف وتعذر الاجتهاد أو المجتهدين بعد القرن السادس الهجري.
قال الشوكاني بعد عرض مقولة أنصار التقليد .. "حداني ذلك إلى وضع كتاب يشتمل على تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن ومن بعدهم .. إلى عصرنا هذا ليعلم صاحب تلك المقالة أن الله وله المنة قد تفضل على الخلف كما تفضل على السلف، بل ربما كان في أهل العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها من يقل نظيره من أهل العصور المتقدمة" (^١).
أما مؤلفاته ورسائله التي خصصها للحث على الاجتهاد ونبذ التقليد فكثيرة نذكر منها:
- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول.
- القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد.
- بغية المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل التقليد.