وإنَّ لحُسنِ النية، وإخلاصِ العمل تأثيرًا عظيمًا في هذا المعنى، فمن تعكَّست عليه بعضُ أموره من طلبةِ العلم، أو أكدَتْ عليه مطالبُه، وتضايقت مقاصدُه، فلْيَعلم أنه بذنبِه أُصيب، وبعدم إخلاصه عُوقب، أو أنه أُصيب بشيءٍ من ذلك محنةً له وابتلاءً واختبارًا؛ ليَنظُرَ [ربُّه] كيف صبرُه واحتماله، ثم يُفيض عليه بعد ذلك مِنْ خزائن الخير ومخازن العطايا ما لم يكن بحسبان، ولا يَبلغُ إليه تصوُّره؛ فلْيَعضَّ على العلم بناجِذه، ويشُدَّ عليه يدَه، ويشرحْ به صدرَه؛ فإنه لا محالةَ واصلٌ إلى المنزل الذي ذكرنا، نائلٌ للمرتبة التي بيَّنَّا.
• وما أحسَنَ ما حكاه بعضُ أهل العلم عن الحكيم «أفلاطون»! فإنه قال: «الفضائل مُرَّةُ الأوائل، حُلوةُ العواقب، والرذائلُ حلوةُ الأوائل، مُرَّةُ العواقب».
وقد صَدق؛ فإنَّ مَنْ شَغل أوائلَ عمره وعنفوانَ شبابه بطلب الفضائل، لابد له أن يَفطِمَ نفسه عن بعض شهواتِها، ويَحبِسَها عن الأمور التي يَشتغل بها أترابُه (^١) ومعارفُه من الملاهي، ومجالس الراحة، وشهوات الشباب،
_________________
(١) أترابه: أشكاله المقارنون له في السن.
[ ١٦٦ ]
فإذا انتهى إليه ما هم فيه من تلك اللذاتِ والخلاعات، وَجَد في نفسه بحُكم الشباب، وحداثةِ السن، ومَيلِ الطبع إلى ما هناك مرارةً، واحتاج إلى مجاهدةٍ يَرُدُّ بها جامِحَ طبعِه، ومتفلِّتَ هواه، ومتوثِّبَ نشاطِه، ولا يتمُّ له ذلك إلَّا بإلجام شهوتِه بلِجام الصبر، ورباطِها بمَربطِ العِفة.