ولا غَرْوَ (^٣)؛ فأصلُ هذا المَظهَرِ الرافضيِّ مَظهرُ إلحادٍ وزندقة (^٤)، جَعله
_________________
(١) تخصيص عليٍّ ﵁ بهذا الوصف لم يُعلم عن الصحابة الكرام الذين هم ميزان الأعمال، بل صار من شعار الرافضة قاتلهم اللَّه، ولذا؛ لا يجوز هذا الإطلاق على عليٍّ ﵁ دون غيره من الصحابة ﵃، وانظر ما قاله العلَّامة بكر أبو زيد ﵀ في «معجم المناهي اللفظية» (٣٥٠ - ٤٥٤).
(٢) الحَرْد: الغيظ والحنق.
(٣) ولا غَرْو: ولا عَجَب.
(٤) الزندقة: الإلحاد والكفر. والزِّنديق: الذي لا يؤمن بالآخرة، ولا بوحدانية الخالق ﷻ. وقيل: هو الذي لا يؤمنُ بشريعة. وكلمة «زنديق» ليست من كلام العرب أصلًا، بل يقولون عنه: «مُلحِد». انظر: «إتحاف السادة المتقين»، للعلامة الزَّبيدي (٢/ ٤٩). ومن معاني الزنديق أيضًا: الذي يُبطنُ الكفر، ويُظهر الإيمان؛ وعلى ذلك فهو مرادفٌ لل «منافق». وأصلها الفارسي: «زن دين» أو «زنده كرد». انظر: «موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسُّنة» (١/ ٨٠)، للشيخ سليمان بن صالح الغصن، و«منهج ابن تيمية في مسألة التكفير»، للشيخ عبد المجيد المشعبي (١/ ٢٨)، و«الماتريدية»، للشمس الأفغاني (٢/ ٤٢١)، ومن اللطائف ما ورد عن سهل التُّسْتري ﵀ قال: «إنما سمِّي الزنديق زنديقًا؛ لأنه وَزَنَ دِقَّ الكلامِ بمخبول عقله وقياس هوى طبعه، وترك الأثر والاقتداء بالسنة، وتأول القرآن بالهوى؛ فسبحان مَنْ لا تكيِّفُه الأوهام». «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٣٣٢).
[ ١١٤ ]
مَنْ أراد كيدًا للإسلام سِترًا له، فأظهرَ التشيعَ والمحبةَ لآلِ رسول اللَّه ﷺ؛ استجذابًا لقلوب الناس (^١)؛ لأن هذا أمرٌ يَرغبُ فيه كلُّ مسلم، وقصدًا للتغريرِ عليهم، ثم أَظهر للناس أنه لا يَتمُّ القيامُ بحق القرابة إلَّا بترك حقِّ الصحابة، ثم جاوَزَ ذلك إلى إخراجِهم صانهم اللَّه عن سبيل المؤمنين.
ومُعظَمُ ما يَقصِدُه بِهذا هو الطعنُ على الشريعة وإبطالُها؛ لأن الصحابةَ رضي اللَّه تعالى عنهم هم الذين رَوَوْا للمسلمين عِلمَ الشريعة من الكتاب والسنة، فإذا تمَّ لهذا الزِّنديق باطنًا الرافضيِّ ظاهرًا القدحُ في الصحابة، وتكفيرُهم، والحكمُ عليهم بالرِّدة: بَطَلت الشريعةُ بأسرها، لأن هؤلاء هم حَمَلتُها الراوونَ لها عن رسول اللَّه ﷺ.
فهذا هو العِلَّةُ الغائية (^٢) لهم، وجميعُ ما يتظهَّرون به من التشيُّعِ كذبٌ وزُور، ومَن لم يفهمْ هذا فهو حَقيقٌ بأن يتَّهمَ نفسه ويلومَ تقصيره. ولهذا
_________________
(١) ومن أروع الكلمات في هذا المعنى ما ورد عن مقاتل بن حيان ﵀ قال: «أهلُ هذه الأهواء آفةُ أمةِ محمد ﷺ؛ إنهم يذكرون النبي ﷺ وأهل بيته، فيتصيدون بِهذا الذِّكرِ الحسنِ الجُهَّالَ من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبَهَهم بمن يسقي الصبر باسم العسل، ومَن يسقي السُّم القاتلَ باسم الترياق …» «الاعتصام»، للإمام الشاطبي (١/ ١٤٢ بتحقيق الشيخ مشهور حسن)، أو (١/ ١٤٣ ط: دار ابن الجوزي).
(٢) راجع ص (١٩).
[ ١١٥ ]
تجدُهم إذا تمكَّنوا وصارت لهم دولةٌ، يتظاهَرون بِهذا، ويدْعُون الناس إليه؛ كما وقع من القرامطة والباطنية والإسماعلية (^١) ومَن نَحَا نَحْوَهم؛ فإنهم لمَّا تمكَّنوا أظهروا صريحَ الكفر والزندقة، وفَعلوا تلك الأفاعيلَ؛ مِنْ الاستهتار بمحارم اللَّه وما عظَّمه، كنقلِهم للحجر الأسود من الحَرَم إلى «هَجَر» (^٢)، وكقولِ رئيس القرامطة اللعين لمَّا سَفك دماءَ الحُجَّاجِ بالبيت الحرام، وفَعل به من المنكرات ما هو معروف:
لصبَّ علينا النارَ مِنْ فوقنا صبَّا … ولو كان هذا البيتُ للَّهِ ربِّنا
محلَّلةً لم تُبْقِ شرقًا ولا غربَا … لأنا حَجَجْنا حِجَّةً جاهليةً
ثم قال لِمَنْ بقي في الحَرَم سالمًا من القتل: «يا حَمير، أنتم تقولون: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]»!! ..
وقد كان أولُ هذه النِّحلةِ القُرْمُطيةِ: التظهُّرَ بمحبَّةِ أهل البيت، والتوجُّعَ لهم، والعداوةَ لأعدائهم، ثم انتهى أمرُهم إلى مثل هذا!.
وهكذا الباطنية؛ فإن مَذهبَهم الذي يتظهَّرون به، ويُبدُونه للناس، هو التشيُّع، ولا يزالُ شياطينُهم يَنقُلون مَنْ دخل معهم فيه مِنْ مرتبةٍ إلى مرتبة حتى يُوقِفُوه على بابِ الكفر وصُراح الزندقة.
وإذا تمكَّن بعضُ طواغيتهم فَعَل كما فَعَل عليُّ بن الفضل (^٣) الخارج
_________________
(١) وجميعُها فرقٌ كافرة.
(٢) هَجَر: بلدة في البحرين. وانظر حول ما سبق: «البداية والنهاية»، للحافظ ابن كثير (١٤/ ٦٣٥ حوادث سنة ٢٧٨)، و«وا قدساه»، للشيخ سيد العفَّاني (٣/ ٨٣).
(٣) عليُّ بن الفضل بن أحمد القرمطى: أحد المتغلبين على اليمن، أظهر الدعوة للمهدي المنتظر (٢٩٠ هـ)، فتبعه كثيرٌ من القبائل، ومَلَك ملكًا ضخمًا، وادعى النبوة، وأباح المحرَّمات. ومات مسمومًا عام (٣٠٣ هـ ٩١٥ م). وكانت مدة حكمه (١٣) سنة. مستفاد من بعض المطبوعات.
[ ١١٦ ]
باليمن من دعاء الناس إلى صَريح الكفر، ودعوى النبوة، ثم الترقِّي إلى دعوى الألوهية، وكما فعله الحاكمُ العُبيدي (^١) بمصرَ من أمرِ الناس بالسجودِ له، والقيامِ عند ذِكرِه على صفةٍ معروفة، فكان إذا ذَكره الخطيبُ يومَ الجمعة على المنبر، قام جميعُ مَنْ بالمسجد، ثم يَخِرُّون ساجدين، ثم يقومُ بقيامهم مَنْ يتَّصلُ بالجامع مِنْ أهل الأسواق، ثم يَسري ذلك إلى قيامِ أهل مصر! وما كان يُبديه من الأفعالِ المتناقضة والحماقاتِ الباردة مقصودُه من ذلك تجريبُ أحوال الناس، واختبار طاعتِهم له في الأمور الباطلة، وفي مخالفةِ الشريعة؛ حتى ينقُلَهم إلى ما يريده، وكم نعدِّدُ لك من هذا.
وبالجملة: فإذا رأيتَ رجلًا قد انتهى به الرفضُ إلى ذمِّ السلفِ الصالح، والوقيعةِ فيهم وإن كان ينتمي إلى غير مذهب الإمامية (^٢)، فلا تشكَّ في أنه مِثلُهم فيما قدمناه لك.