فلما (^١) تكاثَرَ ما يصدُرُ من أولئك المشتغِلين بما لا يَعنيهم من ثَلبِ السلف؛ مع ما يَنضَمُّ إلى ذلك مِنْ إدخال الضغائن في قلوب العامة، وإيهامِهم أن الناسَ قد تركوا مذهبَ أهل البيت، وفعلوا وفعلوا؛ وكل ذلك كذبٌ؛ فإن الناسَ هم في هذه الديار زَيدية، وكثيرٌ منهم يجاوزُ ذلك فيصيرُ رافضيًّا جَلْدًا، ولم يكن في هذه الديار على خلافِ ذلك إلا الشاذُّ النادر، وهم أكابرُ العلماء ومن يُقتدى بهم، فإنهم يعملون بمقتضى الدليل، ولا ينتمُون إلى مَذهب، ولا يتعصَّبون لأحد؛ فهؤلاء هم الذين يَقصِدُهم أولئك الرافضةُ بكل فاقرة، ويرمونَهم بالحَجَر والمَدَر، ويَسِمُونهم بمِيسَمِ (^٢) النَّصْب.
فلما تفاقَمَ شرُّ أولئك المدرسِّين، وصار الجامعُ ملعبًا لا متعبَّدًا، واشتَغل بأصواتِهم المُصلُّون عن صلاتهم، والذاكرون عن ذِكرهم، رَجَّح إمامُ العصر (^٣) أعزَّ اللَّهُ به الدين مَنْعَ صاحبِ الكرسيِّ من الإملاء في الجامع، وأَمره بالعَود إلى المسجد الذي كان يُملِى فيه، فحضر أولئك المستمِعون على عادتهم وكان الإملاءُ قبل صلاة العشاء، فلما لم يحضُر شيخُهم، ذهب بعضُهم ليجئَ به من بيته، فأخبَرهم أن الإمامَ قد منعه، وأمره بالعَوْدِ إلى حيث كان، فلم يَعذِروه، ولا سَمِعوا منه، ورجعوا إلى الجامع، ثم ثارُوا ثورةً شيطانيةً، وقاموا قَومةً طاغوتية، فمَنعوا من الصلاة في الجامع،
_________________
(١) جواب «لما» سيأتي بعد الفقرة كلها عند قوله: فلما تفاقم شر أولئك … إلخ.
(٢) المِيسم: العلامة.
(٣) يقصد عليَّ المنصور باللَّهِ بن العباس.
[ ١٢٠ ]
وما زال ينضمُّ إليهم كلُّ رافضيٍّ ومَن له رغبةٌ في إثارةِ الفتنة، حتى صاروا جَمعًا كثيرًا، ثم خَرجوا، فقَصَدوا بيتَ المؤذِّن الذي أَظهر عليهم الرأيَ الإماميَّ فرجَمُوه، حتى كادوا يَهدمونه، وفيه نساءٌ وأطفالٌ قد صاروا في أمرٍ مَريع.
هذا؛ وليس لذلك المؤذِّنِ المسكينِ سعيٌ، ولا له قدرةٌ على شيءٍ، ولكنه أَرسَلَ بالرأي الإماميِّ والي الأوقافِ إليه (^١)، ووالي الوقفِ أيضًا ليس له سعيٌ في ذلك، ولكنه أرسله إليه بعضُ مَنْ يتصلُ بالمَقام الإمامي.
ثم لمَّا فرغوا مِنْ رَجْم بيتِ المؤذِّن، ذهبوا ولهم صُراخٌ عظيمٌ وأصواتٌ شديدةٌ إلى بيت والي الأوقاف، وهو رجلٌ من أهل العلم من آل رسول اللَّه ﷺ، فرجَموا بيتَه رجْمًا شديدًا، حتى غُشيَ على بعض مَنْ فيه مِنْ الشرائف، فقال لهم قائل: «إن هؤلاء الشرائفَ المرجوماتِ هنَّ بناتُ نبيِّكم ﷺ وبناتُ عليِّ بن أبى طالب، ولم يكنَّ بناتِ معاوية، ولا بناتِ عمرو بن العاص وغيرهما ممن تعادونَهم؛ فما لكم ولهنَّ؟»، فلم يلتفتوا إلى ذلك، واستمرُّوا في الرجم، ثم دخلوا إلى بعض البيت، ونَهبوا بعض متاعه.
وبَلَغهم أن واليَ الأوقافِ وولدَه بمسجدٍ قريبٍ من بيتِه، فحاصُوا (^٢) حَيصةَ حُمُرِ الوحْش، وصرخوا صرخةَ الحُمُر الأهلية، وذهبوا إلى المسجد عازِمين على قتله، فأَغلق عليه بعضُ الناس مقصورةَ المسجد، فسَلِم.
ثم ذهبوا بصُراخهم وجَلَبَتِهم إلى بيتِ بعض أهل العلمِ من أهل البيتِ النبويِّ، وكان يعظُ الناس بالجامع، ويتظهَّرُ ببعضٍ من السُّنة، فرجَموا بيتَه
_________________
(١) أي: والي الأوقاف هو الذي أرسل إليه أمر إمام العصر أن يمنع الرافضي من التدريس.
(٢) حاصوا: نفروا.
[ ١٢١ ]
رجْمًا شديدًا، وفيه شرائفُ وأطفال، ثم ساروا إلى بيت بعض وزراءِ الخليفة لا لذنبٍ إلَّا لكونه ينافسُه ذلك الوزيرُ الرافضي، وكونِه ينتسبُ إلى بعض بطونِ قريش، فرجَمُوه رجْمًا شديدًا، ثم كسَروا بعضَ أبوابه ودخلوا، وكادوا يصلون إلى من فيه، لولا أنه حَماهُ جماعةٌ بالرمي بالبنادق وآخرون بالسلاح.
ويتَّصلُ ببيتِ هذا الوزير المرجوم بيتُ وزيرٍ آخَرَ مِنْ أهل العلم، فرجَموه، ورجَمَهم مَنْ في بيت الوزير، حتى أصابوا جماعةً منهم، فتركوه.
وسببُ رجْمهم لبيتِ الوزير هذا أنه من جُملةِ مَنْ يتظهَّرُ بعِلم السُّنة.
ثم لما كاد ينقضي الليلُ، فارقوا ما هم فيه، وقد أثاروا فتنةً عظيمةً، ومحنةً شديدة.
ولمَّا كان النهارُ جَمع الخليفةُ أعوانه، وطَلبني واستشارني؛ فأشرتُ عليه بأن يَحبس أولئك المدرِّسين الذين أثاروا الفتنةَ في الجامع، بسبب ما يَصدُرُ منهم من نكايةِ القلوب وإثارةِ العوام، فحَبَسهم، ثم أشرتُ عليه بأن يأمرَ بتتبُّعِ أولئك الذين رجَموا البيوت، وفعلوا تلك الأفاعيل، ومَن وجدوه حَبَسوه، ويأمرُ بتتبُّعِ جماعةٍ من شياطين الفقهاء المُثيرين للفتنة، ففعل، وحُبسوا جميعًا.
ولكنْ لم يَنصحْ والي مدينة «صنعاء»؛ لموافقته للوزير الرافضيِّ في الرفض، ومهابتِه له، ووقوفِه عند ما يختارُه ويرتضيه.
وبعد أن اجتمع في الحبس جماعةٌ كثيرةٌ من هؤلاء، أرسل الإمامُ حفظه اللَّه لجماعةٍ من شياطِينهم المباشِرين للفتنة من الفقهاء، فجيء بهم من الحبس إليه، وضربهم بالعِصِيِّ تحت داره، وهو ينظر، ثم أرسل في اليوم
[ ١٢٢ ]
الآخَر لجماعةٍ من أهل السوقِ المباشِرين للفِتنة، فصَنع بهم ما صَنع بأولئك، ثم جعل جماعةً من شياطين الجميع في سلاسل، وأَرسل بهم إلى «جزائر البحر» على هيئةٍ منكرة؛ فسَكنت الفتنةُ سكونًا تامًّا (^١).
ولقد شهدتُ من التعصُّبات في هذه الفتنةِ ما بَهَرني من الخاصة والعامة.
أما الخاصة؛ فإني رأيتُ مِنْ أهل بيتِ الخلافة مِنْ أولاد الإمام، وغيرهم، ومن الوزراء، والأمراء، والقضاة، وأهل العلم مِنْ ذلك ما يُعجَبُ منه؛ فإني لما أشرتُ على الخليفة بما أشرتُ، خرجتُ من المكان الذي هو مستقِرٌّ فيه إلى حُجرته، وفيها أكابرُ أولاده وهم إذ ذاك أمراءُ الأجناد، وعندهم جميعُ الوزراء، وهم جميعًا في أمرٍ مَريجٍ، فيهم مَنْ يَعظُمُ عليه حبسُ أولئك المدرِّسين، ويراه حطًّا في مرتبةِ الرفض، ونقصًا من الرافضة، وقد فَتَل منهم ذلك الوزيرُ الرافضيُّ في الذِّروة والغارب (^٢)، وأوهَمَهم أنها ستثورُ فتنةٌ من العامة والأجناد، وما زال بعضُ أولاد الخليفة يردِّدُ عليَّ ذلك، ويرغِّبُني في الرجوع عن الشَّوْرِ (^٣) الذي أشرتُ به على الخليفة، ويذكرُ ما قد ألقاه إليه الوزيرُ الرافضيُّ مِنْ خشيةِ ثورةِ الأجناد والعامة، فما زلتُ أعرِّفُه بالصواب، وأذكرُ له أن هذه الفتنةَ لو لم تُحسَم يومَنا هذا بحَبسِ المُثيرين لها، لهَلَك غالبُ الناس في الليلةِ الواصلة، ونَهبوا الأموالَ جِهارًا، وأنه سيصلُ الأمرُ إلى الخليفة وأولاده فضلًا عن غيرهم، وعرَّفتُه أنه ما سيثورُ بسبب ذلك الأجنادُ ولا غيرهم، فإن هذا تسكينٌ للفتنة؛ لا إثارةٌ لها.
ولقد حَمِدوا هذه المشورةَ بعد حين، وعَرفوا أنها صواب، وأن بها كان
_________________
(١) هكذا يكون الإمام العادل المحب لسنة نبيِّه ﷺ.
(٢) راجع ص (١١٢).
(٣) الشَّور: المشورة.
[ ١٢٣ ]
سكونَ تلك الفتنةِ التي غَلَت مَراجِلُها (^١)، وكادت تعمُّ جميعَ أهلِ صنعاء، ثم تَسري بعد ذلك إلى سائرِ الديار اليمنية.
وأما العامة؛ فلا يتَّسعُ المَقامُ لسَرد ما شُوهد منهم من الصَّولةِ والجَولة، والاشتغالِ بِهذا الأمر، ولقد كنتُ أرى كثيرًا من المنسوبين إلى العلم يبكُون رحْمةً لإخوانهم المثيرِين للفتنة لِمَا حلَّ بهم من العقوبة.