فأولُ ما يجبُ على طالب العلم: أن يُحسِّنَ نيَّته، ويُصلِحَ طَوِيَّته (^١)، ويَتصورَ أن هذا العملَ الذي قَصد له والأمرَ الذي أراده هو الشريعةُ التي شرعها اللَّهُ سبحانه لعباده، وبَعَث بها رُسُلَه، وأنزل بها كُتبَه، ويجرِّدُ نفسه عن أن يَشوبَ ذلك بمقصدٍ من مقاصد الدنيا، أو يَخلِطَه بما يكدِّرُه من الإرادات (^٢) التي ليست منه، كمن يريدُ به الظفرَ بشيءٍ من المال، أو يصلَ به إلى نوعٍ من الشرف، أو البلوغَ إلى رئاسةٍ من رئاساتِ الدنيا، أو جاهٍ يحصِّلُه به؛ فإن العلمَ طيبٌ لا يقبل غيره، ولا يحتمل الشِّرْكة، والروائحُ الخبيثةُ إذا لم تَغلب على الروائح الطيبة، فأقلُّ الأحوال أن تُساويَها، وبمجردِ هذه المساواة لا تبقى للطيب رائحةٌ، والماءُ الصافي العذبُ الذي يستلذُّهُ شاربه كما يكدِّره الشيءُ اليسير من الماء المالح؛ فضلًا عن غير الماء من القاذورات: يُنقِصُ لذتَه
_________________
(١) الطويَّة: خبايا النفس.
(٢) الإرادات: النيات.
[ ٢٣ ]
مجردُ وجود القَذاةِ فيه ووقوعِ الذباب عليه، هذا على فرضِ أن مجردَ تشريكِ العلم مع غيره له حكمُ هذه المحسوسات، وهيهات ذاك؛ فإنَّ مَنْ أراد أن يَجمعَ في طلبه العلمَ بين قصد الدنيا والآخرة، فقد أراد الشَّطط (^١)، وغَلِط أقبحَ الغلط؛ فإنَّ طلبَ العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلِّها وأعلاها، وقد قال اللَّه سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر].
فقيَّد الأمرَ بالعبادة بالإخلاص الذي هو رُوحُها.
وصحَّ عن رسول اللَّه ﷺ حديث: «إنما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (^٢)، وهو ثابتٌ في دواوين الإسلام كلِّها، وقد تلقَّته الأمةُ بالقبول وإن كان أَحَاديًّا، أجمع جميعُ أهل الإسلام على ثبوته وصحته.
وقد تقرَّر في علم «البيان» و«الأصول» بأن «إنما» مِنْ صِيَغِ الحصْر، وثبت القولُ بذلك عن الصحابة.
رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه احتجَّ على اختصاص الرِّبا بالنسيئة بحديث: «إنَّما الرِّبا في النَّسيئة» (^٣)، ولم يخالِفْه الصحابةُ في فَهمه، وإنما خالَفوه في الحُكم؛ مستدلِّين بأدلةٍ أخرى مصرِّحةٍ بثبوتِ ربا الفضل (^٤).
_________________
(١) الشطط: البعد عن الحق.
(٢) صحيح: رواه أحمد (١/ ٢٥)، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢١٠)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي (٧٥)، وابن ماجه (٤٢٢٧).
(٣) صحيح: رواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦)، والنسائي (٤٥٨١)، وابن ماجه (٢٢٥٧) عن ابن عباس أن أسامة بن زيد ﵃ جميعًا أخبره أن النبي ﷺ قاله.
(٤) وقد ثبت في هذا أحاديث؛ من أشهرها: حديث عمر بن الخطاب ﵁: «الذهب بالذهب [وفي لفظ: الذهبُ بالورِق] ربًا إلا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعير ربًا إلا هاءَ وهاء، والتمرُ بالتمر ربًا إلا هاءَ وهاءَ». صحيح: رواه أحمد (١/ ٢٤)، والبخاري (٢١٣٤) و(٢١٧٤)، ومسلم (١٥٨٦)، وأبو داود (٣٣٤٨)، والترمذي (١٢٧٨)، وابن ماجه (٢٢٥٣). * وانظر: «المغني» (٦/ ٧٩)، و«نيل الأوطار» (١٠/ ١٥٤)، و«المدخل إلى السنن الكبير» للبيهقي (رقم ١).
[ ٢٤ ]
وكما أن هذا التركيبَ يُفيد ما ذكرناه من الحَصْر، كذلك لفظ: «الأعمالُ بالنيَّة أو بالنيَّات» كما ورد في بعض ألفاظ الحديث الثابتة في الصحيح (^١)، فإن «الألف واللام» تُفيد الاستغراق، وهو يستلزمُ الحصْر، وهكذا ورد في بعض ألفاظ الحديث: «لا عملَ إلا بنيةٍ» (^٢)، وهي أيضًا من صِيَغ الحصر؛ بل هي أقواها.
والمراد ب «الأعمال» هنا: أفعالُ الجوارح حتى اللسان؛ فتدخُل [فيها] الأقوالُ، ومَن نازع في ذلك فقد أخطأ.
ثم لابد لقوله: «بالنيَّات» من تقديرِ متعلِّقٍ عام، لعدم ورودِ دليلٍ يدل على التعلُّق الخاص؛ فيُقدَّر: «الوجود، أو الكون، أو الاستقرار، أو الثبوت …»، أو ما يُفيد مفادَ ذلك، فيكونُ التقدير: «إنما وجودُ الأعمال وكونُها واستقرارُها أو ثبوتُها بالنيات؛ فلا وجودَ، أو لا كَوْن، أو لا استقرارَ، أو لا ثبوتَ لما لم يكن كذلك وهو ما ليس فيه» (^٣).
نعم؛ لا يقال: إن تقديرَ «الثبوتِ والوجودِ والكون» ونحوها يستلزمُ عدمَ وجود الذات، أو عدمَ النيَّة، وقد وُجدت في الخارج!.
_________________
(١) راجع تخريج الحديث قريبًا.
(٢) صحيح بشاهده: رواه الديلمي في «مسند الفردوس» (٤/ ٢٠٦) بسندٍ ضعيف، كما في «الصحيحة» (٢٤١٥)، وصحَّحه الشيخ الألباني بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وتمامه: «لا أجْرَ إلَّا عن حِسبةٍ، ولا عمل …» إلخ.
(٣) انظر: «جامع العلوم والحكم» (١/ ٦٣ ط: الرسالة شرح الحديث الأول).
[ ٢٥ ]
لأنَّا نقول: المراد: الذَّاتُ الشرعية (^١)، وهي غيرُ موجودة، ولا اعتبارَ بوجود ذاتٍ غير شرعية، ونفيُ الذات هو المعنى الحقيقي، فلا يُعدَلُ عنه إلى غيره إلا لصارف؛ ولا صارفَ هنا.
على أنه لو فُرض وجودُ صارفٍ إلى المعنى المجازي، لم يكن المقدَّرُ هاهنا إلَّا «الصحةُ» أو ما يفيدُ مَفادها، وهي مستلزمةٌ لنفي الذات.
فتقرَّر بمجموع ما ذكرنا: أن حصولَ الأعمال وثبوتَها لا يكونُ إلَّا بالنية، فلا حصولَ أو لا ثبوت لما ليس كذلك.
فكلُّ طاعةٍ من الطاعات وعبادةٍ من العبادات إذا لم تصدُر عن إخلاصِ نيةٍ وحُسْنِ طَوِيَّة، لا اعتدادَ بها ولا التفاتَ إليها؛ بل هي إن لم تكن معصيةً، فأقلُّ الأحوال أن تكون من أعمالِ العَبَث واللعب، التي هي بما يصدُر عن المجانين أشبهُ منها بما يصدرُ عن العقلاء.