لقد بدأ المصنفُ ﵀ كتابَه القيِّم ببيانِ الأصول الحتميةِ لكل طالب علمٍ يريدُ اللَّهَ تعالى والدارَ الآخرة؛ فكَشف عن المنطلَقاتِ التي ينبغي أن يضعَها الطالبُ في اعتبارِه قبلَ الإقدام على طريق الطلب؛ مبيِّنًا أن هذه الأصولَ لو ضاعت لضاع معها الطالب حتى لو حصَّل ظاهريًّا بعض العلوم.
وقد تقرَّر عند أهل العلم «أنَّ مَنْ حُرم الأصول حُرم الوصول»، وكلُّ
[ ٥ ]
ما بُني على غير أساس فهو عرضةٌ للانهيار في أيِّ لحظة، ومن ثَمَّ كان أول ما أوصى به ﵀ إخوانَه أن يصحِّحوا النية لرب العالمين ﷿، ويكون مُبتغاهم وغايةُ مناهم نيلَ رضوانه ونشرَ الخير بين عباده.
ثم عرَّج ﵀ بعد ذلك على أمرٍ لا يقلُّ أهميةً، وهو بيانُ أن الغاية من العلم هو العملُ به؛ فليس العلمُ هدفًا في حدِّ ذاتِه، وإنما هو وسيلةٌ لمَا هو أسمى وأعلى وأجلُّ، وهو رضوانُ اللَّهِ تعالى والفوزُ بالدرجات العُلا، وهذا يقتضي من طالبِ العلم بذلَ الجهد في العمل بِهذا العلم الشريف، مع القيام بتبليغهِ لعباده، وبِهذا يتمُّ الإخلاص وتُنال سعادةُ الدارين.
وإذا تمَّ الإخلاصُ للَّهِ تعالى حقًّا فسوف يدرك طالبُ العلم قاعدةً أصيلةً في رحلته مع العلم، وهو أنه لا يدعُو لنفسه، ولا لأشياخِه وأشياعِه؛ وإنما هو قيامٌ بالعبودية للَّهِ رب العالمين ﷻ؛ وهذا معناه أن العلمَ الشرعيَّ لا مدخلَ للعصبيةِ الهوجاء فيه، ولا يتعلقُ بأهواء النفوس بحالٍ من الأحوال؛ بل لابد في طريق الطلب من الإنصاف والتجرد واتباع الحق أينما كان، أمَّا عند انقلاب الموازين واختلاطِ المفاهيم، فسوف يَنسى طالبُ العلم لماذا يتعلم، وما الذي ينبغي عليه أن يفعلَه في هذا الطريق الشريف (^١).
وهذا أدَّى بالمصنِّفِ ﵀ إلى أن يَشْرعَ في بيان أسباب ضياع الإنصاف والتعلُّقِ بأذيال التعصُّبِ للآراء والأشخاص؛ فسَرَد ما يقاربُ اثني عشَرَ سببًا حولَ هذه الفتنةِ المؤلمةِ التي أوقعت المشاحناتِ والمصادمات بين الناس،
_________________
(١) ولا أنسى أن أوصي إخواني أن يداوموا على مطالعة كتاب «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، للحافظ الخطيب البغدادي ﵀، وقد قمت بخدمته بفضل ربي ﷿ فحذفت أسانيده ومكرراتِه وبيَّنت معانيَه، وخرجت أحاديثه، وعلَّقت عليه بما تيسر، وقد صدر عن دار ابن الجوزي العامرة، وللَّهِ تعالى الحمد والمنَّة.
[ ٦ ]
وجلبت عليهم عقوباتٍ وسوءاتٍ كثيرة؛ لمَّا انحرفت طائفةٌ منهم عن هدى اللَّهِ ورسوله ﷺ، وهذا مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا (^١) حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة].
_________________
(١) النسيان هنا معناه: تعمُّد تَركِ العمل بأوامر اللَّهِ ﵎، وهذا هو الغالبُ في استعمالِ لفظ «النسيان» في القرآن العظيم، وليس المرادُ النسيانَ المعذورَ صاحبُه والذي معناه: غيابُ الإدراك عن العبد رغمًا عنه، وهذا ما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٤٩: ٣٥٣)، و(١٧/ ١٨٧)، وبِهذا يزول الكثيرُ من الإشكال حول معنى النسيان في عددٍ من الآيات؛ ولا سيَّما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه]، لأن من حَمَل «النسيان» على معناه المعهود وهو غيابُ الإدراك رغمًا عن الإنسان، استشكل الآية، وقال: كيف يعاقبُ اللَّهُ تعالى وهو أعدلُ العادلين آدم ﵇ ويخرجُه من الجنة على الأكل من الشجرةِ ناسيًا والنسيانُ أمرٌ لا إرادي؟! لكن لمَّا يُفهم معنى «النسيان» في الشرع واللغة يزولُ الإشكال بحمد اللَّهِ تعالى ومنَّته، ومثل هذا أيضًا الآية المذكورة أعلاه عن النصارى، وكذا قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة]، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ [الفرقان]، وغير هذا من الآيات الكريمات، مع التنبيه على أن نسيان اللَّهِ تعالى للمجرمين معناه: تركهم في العذاب ومعاملتهم معاملة الناسي الذي لا يهتم بمن ينساه، واللَّهُ تعالى أعلى وأعلم.
[ ٧ ]
فاللَّهُ سبحانه يخبرنا أن مِنْ أعظم أسباب وقوع الفتَن والمشاحنات بين النصارى أنهم لم يقفوا عند حدودِ ربِّهم ﷾، وتَركوا العمل ببعض ما أُمروا به؛ فعاقبهم ﷻ بنزع الوئام والمحبةِ والترابط بينهم، وفي هذا تحذيرٌ للأمة المسلمةِ أن تسلك مسلكَ أولئك الضالين.
ثم بعدَ بيانِ أسباب تركِ الإنصاف والتعصُّب للمذاهب والأشخاص والتي ينبغي لمن عرفَها أن يطردَها من حياتِه شرَّ طردة عرَّج المصنف ﵀ إلى ما ينبغي على حَمَلةِ العلم أن يهتمُّوا به من أنواع العلوم، ولعلمِه أن الناسَ يتفاوتون في درجاتِهم وأهدافهم، فقد قسَّمهم إلى طبقات أربعة:
الأولى: الراغبون في الوصول لمرتبةِ الإمامة في الدين، ليكونوا مرجعًا للناس في الإفتاء والقضاء وغير ذلك.
الثانية: الراغبون في طلب العلم لينتفعُوا به فقط، دون أن ينفعوا الخلق.
الثالثة: الراغبون في طلب العلم لتقويمِ لسانِهم وأفهامِهم فحسب.
الرابعة: الراغبون في العلوم لأغراض دنيوية.
وقد أوصى ﵀ كلَّ طبقةٍ من هذه الطبقات بطائفةٍ من الكتب العلمية والمراجع القيِّمة التي يحسُن بهم أن يدرُسُوها ويعضُّوا عليها بالنواجذ.
وبالنسبةِ لمَا ذكره المصنف ﵀ من الكتب التي استحبَّها لتلك الطبقات، فلا شك أنها تختلفُ من عصرٍ إلى عصر، ومن مكانٍ إلى مكان، فليست كتبًا ملزمةً لجميع الطلبة على مدار العصور؛ ولكنه ضرب أمثلةً لمَا عرفه واستحبه للطالبين، ولا ريب أنه كلَّما كانت العلومُ المقدَّمةُ للطلبة من كتبٍ سهلةِ المأخذ قريبةِ التناول مسايرةٍ للغة العصر؛ فإن هذا مما ينتفع به الطلبة وينفعون به غيرهم.
[ ٨ ]
وبعد الانتهاء من هذا الفصل أشار ﵀ إلى أهم الأسباب الماحقة لبركة العلم والانتفاع به، وقد رأى ﵀ أن أهمَّها سببان:
الأول: انتشارُ المذاهب والأقوال التي لا تعتمدُ على دليلٍ شرعي، بل قد تخالفُ الأدلةَ الشرعية تمامًا؛ أو تتعلق منها بطرفٍ ضعيف.
الثاني: تقديس الأموات واعتقاد العصمة بهم.
هذه هي الخطوطُ العامةُ لهذا الكتاب النفيس، وقد تضمَّنَتْ في ثناياها من المباحث والتنبيهات والفوائد النفيسة ما هو جديرٌ بالمدارسة والتأمُّل.
ولكن هناك أمرٌ عام يلحظُه المتعايشُ مع الكتاب في جَميع أبحاثه، وهو تلك المرارةُ والألم الذي يعتصرُ المصنِّفَ ﵀ من جرَّاء فسادِ الأحوال وانقلاب الموازين التي لاحظَها في بلاده وغيرها، وهكذا ينبغي أن يكون العالِمُ المخلص لدينه وأمَّته؛ لابد أن يُحزنَه الواقعُ المُر، ويؤلِمَه التفلُّتُ من أوامر الشريعة المطهرة، وفشوُّ الفتن بين أتباع خير أمةٍ أخرجت للناس، وهذا مِنْ دلائل الصدق والإخلاص كما هو الظنُّ بالإمام ﵀؛ نحسبه كذلك ولا نزكِّيه على العليم بالخبايا ﷻ.
ولذلك أحسَبُ واللَّهُ أعلى وأعلم أن هذا الكتابَ لقي من القبول والمحبةِ لدى أهل العلم ما لم يَلقَه كثيرٌ من الكتب الأخرى، ويكفيك أنك تشعُرُ فيه بالحياة والنبض وكأنك تسمعُه من كاتبه الجليل جزاهُ اللَّهُ عن أمته خيرَ الجزاء وأوفاه.