فإن قلت: هؤلاء المتعصبةُ قد طبَّقوا جميعَ أقطارِ الأرض الإسلامية، وصارت المدارسُ والفتاوي (^٢) والقضاءُ وجميعُ الأعمال الدينية بأيديهم، فإنَّ كل مملكةٍ من الممالك الإسلامية يَعتزي (^٣) أهلُها إلى مذهبٍ من المذاهب، ونِحلةٍ من النِّحل، وكلُّ بلدٍ من البلادِ وقُطرٍ من الأقطار كثُرت أو قلَّت لابد أن يكون أهلُها مقلِّدين لميِّتٍ من الأموات، يأخذون عنه ما يجِدون في مؤلَّفاته ومؤلَّفاتِ أتباعه المقلِّدين له، حتى صارت مسائلُ مذهبهم نُصبَ
_________________
(١) تسكَّعوا: تمادوا في باطلهم. وفي بعض المطبوعات: تكسَّعوا بتقديم الكاف، أي: تسارَعوا. والكَسْعُ: سرعةُ المَرِّ. وكلاهما وجيهٌ، واللَّهُ تعالى أعلم.
(٢) الأفصح أن يقال: «فتاوِي» بالياء، لا «فتاوَى» بالألف، مع جواز الأخيرة أيضًا، وإنما فُتحت للتخفيف. انظر: «الفُتيا المعاصرة»، للشيخ خالد المُزيِّني (١٣ ط: دار ابن الجوزي الدمام).
(٣) يَعتزي: ينتسب.
[ ١٢٩ ]
أعينهم، لا يتحوَّلون عنها، ولا يخالفونها، ويعتقدُ مَنْ تفاقَم تعصُّبُه من المقلِّدة أن الخروجَ عن ذلك خروجٌ من الدين بأسْره وإن كانت بقيةُ المذاهب على خلافه في تلك المسألة؛ كما نجده في كل مذهبٍ من المذاهب الأربعة وغيرها.
فما عَسى يُغني إرشادُ فردٍ من أفرادِ العلم إلى الإنصاف، واتباع نص الدليل في قُطرٍ واسعٍ من أقطار الأرض، أو مدينةٍ كبيرةٍ من مدائنه؛ فإنه بأولِ كلمةٍ تخرجُ منه، وأيسرِ مخالفةٍ يتفوَّهُ بها، يقومُ عليه من المقلِّدة مَنْ يُنغِّصُ عليه مَشرَبَه، ويُكدِّرُ عليه حاله، وأقلُّ الأحوال أن يَسعى به هؤلاء المقلِّدةُ إلى أمثالهم ممن بأيديهم الأمرُ والنهي والدولةُ والصَّولة، فيمنعونه من المعاودة، ويتوعَّدونه بأبلغِ توعُّد، هذا إذا لم يَمنعوه من التدريس والإفتاء بمجرد ذلك، ويحُولون بينه وبين ما أردتَ منه بكلِّ حائل! وما يصنعُ المسكينُ بين مِئِينَ من المقلِّدة؛ كلُّ واحدٍ منهم أجلُّ قدرًا منه، وأنبلُ ذِكرًا، وأحسنُ ثيابًا، وأفرَهُ مركوبًا، وأكثرُ أتباعًا عند ألوفٍ مؤلَّفةٍ من العامة الذين هم بين جُندٍ وسُوقةٍ وحُرَّاثٍ وأهلِ حِرَف، لا يفهمون خطابًا، ولا يَعقِلون حقًّا! فما ظنك بالعامة إذا بَلَغهم الخلافُ بين فردٍ من أفرادِ العلم خامِلِ الذكر وبين جميع مَنْ يعدُّونه عالمًا مِنْ أهل بلدهم من المدرِّسين والقضاةِ والمفتين، وهم عددٌ جَمٌّ، ومقدارٌ ضخمٌ؟! أتُراهم يظنُّون الحقَّ بيد ذلك الفرد ويَتْبَعونه، ويقولون بقوله، ويَدَعون مَنْ يخالفه مِنْ أهل مدينتهم قاطبةً؟! هذا ما لا يكون؛ فإنَّا نجدُ العامةَ في قديم الزمن وحديثه مع الكثرة، ولا سيَّما مَنْ كان له مِنْ أهل العلم نصيبٌ من دولةٍ كالقضاة؛ فإن الواحدَ منهم يَعدِلُ عند العامة ألوفًا من أهل العلم الذين لا مناصبَ لهم ولا دولة؛ فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك
[ ١٣٠ ]
ما يُلقِيهِ إليهم المقلِّدةُ من الكلمات التي تُثيرُ غضبَهم، وتستطير حَمِيَّتَهم، كقولهم: «هذا الرجل يخالفُ إمامكم، ويدعو الناس إلى الخروج من مذهبه، ويُزري عليه، ويقول: إنه جاء بغير الحق، وخالَف الشرع»! فإنهم عند سماع هذا مع ما قد رَسَخ في عقائدهم، وثبت في عقولهم لا يُبالون أيَّ دمٍ سفكوا، وأيَّ عِرض انتهكوا، يَعلمُ هذا كلُّ مَنْ له خبرةٌ بهم وممارسةٌ لهم؟!.
قلت: هذا السؤالُ الذي أوردته أيها الطالبُ للحق، الراغبُ في الإنصاف قد أفادنا أنك لم تَفهم ما قدَّمتُه لك في هذا الكتاب حقَّ الفهم، ولم تتصوَّرْه كليةَ التصور؛ فقد كررتُ لك في مواضعَ منه ما تستفيدُ منه جوابَ ما أوردتَه هنا؛ فعاوِدِ النظر، وكرِّر التدبُّر، وأطِلِ الفِكر، بعد أن تبالغَ في تصفيةِ الفطرة، وتستكثرَ من الاستعدادِ للقبول.
وهَبْ أنه لم يَتقدَّم ما يَصلحُ أن يكون جوابًا لِما خَطَر ببالك الآن من هذا السؤال، فها أنا أُجيب عليك بجوابين؛ الأول جوابٌ مجمَل، والآخر جوابٌ مفصَّل.