فمنها وهو أكثرُها وقوعًا وأشدُّها بلاءً: أن ينشأ طالبُ العلم في بلدٍ من البِلدان التي قد تمذهبَ أهلُها بمذهبٍ معين، واقتدَوا بعالِمٍ مخصوص، وهذا الداءُ قد طَبَّق في بلاد الإسلام وعمَّ أهلها، ولم يخرُج عنه إلا أفراد، قد يُوجد الواحدُ منهم في المدينة الكبيرة، وقد لا يوجد، لأن هؤلاء الذين ألِفوا هذه المذاهبَ قد صاروا يعتقِدون أنها هي الشريعة، وأن ما خرج عنها خارجٌ عن الدين، مُباينٌ لسبيل المؤمنين، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون].
فأهلُ هذا المذهب يعتقِدون أن الحقَّ بأيديهم، وأن غيرَهم على الخطإ والضلالِ والبدعة، وأهلُ المذهب الآخَرِ يُقابلونَهم بمِثل ذلك، والسببُ أنهم نشؤوا فوجدوا آباءهم وسائرَ قراباتِهم على ذلك، وَرِثَه الخَلَفُ عن السلف، والآخِرُ عن الأول، وانضم إلى ذلك قُصورُهم عن إدراك الحقائق بسبب التغيير الذي وَرَد عليهم ممن وجدوه قَبلَهم، وإذا وُجد فيهم من يعرف المُحِقِّين، فهو لا يستطيعُ أن ينطقَ بذلك مع أخصِّ خواصِّهِ وأقربِ قرابته
[ ٤١ ]
فضلًا عن غيره لِمَا يخافُه على نفسه، أو على ماله، أو على جاهِه، بحسبِ اختلاف المقاصد وتبايُنِ العزائم الدينية، فيَحصُلُ من قُصورهم مع تغيُّرِ فِطَرِهم بمن أرشدَهم إلى البقاء على ما هم عليه، وأنه الحقُّ وخلافه الباطل، وسكوتِ مَنْ له فطنةٌ ولديه عرفانٌ وعنده إنصافٌ عن تعليمهم معالِمَ الإنصاف وهدايتِهم إلى طُرق الحق: ما يُوجِبُ جُمودَهم على ما هم عليه، واعتقادَهم أن الحقَّ مقصورٌ عليه، منحصرٌ فيه، وأن غيرَه ليس من الدين، ولا هو من الحق! فإذا سمع عالمًا من العلماء يفتي بخلافه، أو يعملُ على ما لا يوافقه، اعتقد أنه من أهل الضلال، ومن الدعاةِ إلى البدعة! وهذا إذا عَجَز (^١) عن إنزال الضرر به (^٢) بيدِه أو لسانه؛ فإن تمكَّنَ من ذلك، فَعَله معتقِدًا أنه من أعظم ما يتقربُ به إلى اللَّه، ويدَّخرُه في صحائف حسناته، ويُتاجِرُ اللَّهَ به!.
وهذا معلومٌ لكل أحد، وقد شاهَدْنا منه ما لا يأتي عليه حصرٌ ولا تُحيط به عبارة؛ بل قد بلغ هذا المُتعصبُ في معاداةِ مَنْ يخالفُه إلى حدٍّ تجاوَز به عداوتَه لليهود والنصارى! ولو عَلم المخدوعُ المغرور بأن سَعيَه ضلال، وعَملَه وبال، وأنه من الأخسرين أعمالًا، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف]، لَأَقصَرَ عن غِوايته، وارعوَى (^٣) عن بعض جهله، لكنه جَهِل قَدْرَ نفسِه وخُسرانَ سَعيِه، وتحامى (^٤) غيرُه مِنْ أهل المعرفة والفهم إرشادَه إلى الحق وتنبيهَه على فسادِ ما هو فيه، مخافةً على نفسه منه وممن يشابِهُه في ذلك، فتعاظَمَ الشرُّ، وعمَّ البلاء، وتفاقَم الأمر،
_________________
(١) أي: المقلِّد.
(٢) أي: بمن يريدُ العملَ بالدليل.
(٣) ارعوى: انزجر وارتدع.
(٤) تَحامى: تجنَّب.
[ ٤٢ ]
وعمَّ الضرر.
ولو نَظر ذلك المتعصبُ بعين الإنصاف، ورَجَع إلى عقلهِ وما تقتضيه فطرتُه الأصيلة، لكفَّ عن فِعله، وأقصَر عن غَيِّه (^١) وجَهلِه، ولكنه قد حِيل بينه وبين ذاك، وفَرغ الشيطانُ منه؛ إلَّا من عصم اللَّهُ وقليلٌ ما هم.
وهكذا صاحِبُ المعرفة، وحامِلُ الحُجة، وثاقبُ الفهم، لو وَطَّن نفسه على الإرشادِ، وتكلَّم بكلمة الحق، ونَصر اللَّهَ سبحانه ونَصر دينَه، وقام في تبيينِ ما أمَره اللَّهُ بتبيينه: لَحَمِدَ مَسْرَاه (^٢)، وشكر عاقبتَه، وأراه اللَّهُ سبحانه مِنْ بدائع صُنعه وعجائب وقايتِه وصِدقِ ما وعد به من قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد ﷺ، ما (^٣) يَزيدُه ثباتًا، ويشدُّ من عَضُده، ويقوِّي قلبَه في نُصرة الحق ومُعاضَدةِ أهلِه.
ومَن تأمَّل الأمرَ كما ينبغي، عرَف أن كلَّ قائمٍ بحجةِ اللَّه؛ إذا بيَّنها للناس كما أَمره اللَّهُ، وصَدَع بالحق، وضَرب بالبدعة في وجه صاحبها، وألقَم المتعصبَ حَجَرًا، وأوضَح له ما شَرَعه اللَّهُ لعباده، وأنه في تمسُّكه بمَحضِ الرأي مع وجود البرهانِ الثابت عن صاحب الشرع كخابطِ عشْواء وراكِب العمياء (^٤):
فإن قَبِل (٥) منه ظَفِر بما وعده رسولُ اللَّه ﷺ من الأجر في حديث: «لَأَنْ
_________________
(١) الغي: الضلال البعيد.
(٢) مسراه: مسعاه.
(٣) هذا مفعولُ قوله: «لأراه اللَّهُ …» قبل أسطُر.
(٤) خابط العَشْواء، وراكب العمياء: كلاهما بمعنى الذي يركبُ الناقةَ العمياء التي لا ترى، فلربما سقطت به في مهلكة. (٥) أي: المتعصِّب.
[ ٤٣ ]
يَهدِيَ اللَّهُ بك على يديك رجلًا …» الحديث (^١).
وإن لم يَقبل منه، كان قد فعل ما أوجَبَ اللَّهُ عليه، وخَلَّص نفسه من كَتْم العلم الذي أمره اللَّهُ بإفشائه، وخَرج من ورْطةِ أن يكونَ من الذين يكتمُون ما أنزل اللَّهُ من البيِّنات والهدى، ودَفَع اللَّهُ عنه ما سوَّلته (^٢) له نفسُه الأمارةُ من الظنون الكاذبة والأوهامِ الباطلة، وانتهى حالُه إلى أن يكونَ كَعبُه الأعلى، وقولُه الأرفع، ولم يَزِدْه ذلك إلَّا رفعةً في الدنيا والآخرة، وحظًّا عند عبادِ اللَّه، وظَفَرًا بما وَعَد اللَّهُ به عبادَه المتقين، وهم (^٣) وإن أرادوا أن يَضَعُوه بكثرة الأقاويل، وتزويرِ المطاعن، وتلفيقِ العيوب، وتواعدوه بإيقاعِ المكروه به، وإنزالِ الضرر عليه؛ فذلك كلُّه ينتهي إلى خلافِ ما قدَّروه، وعكسِ ما ظنُّوه، وكانت العاقبةُ للمتقين، كما وَعد به عبادَه المؤمنين، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة].