ومِن أسباب الوقوع في غير الإنصاف والتمسُّكِ بذَيلٍ من الاعتساف: أن يأخذ طالبُ الحقِّ أدلةَ المسائل من مجاميع الفقهِ التي يعتزي (^٢) مؤلفُها إلى مذهب من المذاهب؛ فإن مَنْ كان كذلك يُبالغ في إيراد أدلةِ مذهبه، ويُطيلُ ذَيلَ الكلام عليها، ويصرِّحُ تارةً بأنها «أدلةٌ»، وتارةً بأنها «حُجج»، وتارةً بأنها «صحيحة»، ثم يطفِّفُ (^٣) لخَصمه المخالِفِ؛ فيُورِدُ أدلتَه بصيغةِ التمريض، ويُعنْوِنُها بلفظِ: «الشُّبَه» (^٤)، وما يؤدي هذا المعنى.
فإذا اقتصر طالبُ الحقِّ على النظر في مِثل هذه المؤلَّفات، وَقع في الباطل وهو يظنُّه الحق، وخالَف الحق وهو يظنه الباطل! والذي
_________________
(١) الشِّعار: الثوب. وله عدة معانٍ؛ لعل هذا أقربُها هنا، واللَّهُ أعلم.
(٢) يعتزي: ينتسب.
(٣) يُطفِّف: ينتقص.
(٤) الشُّبهة: ما يظنُّه الإنسانُ دليلًا وليس كذلك.
[ ١٤٠ ]
أوقعه في ذلك: اقتصارُه في البحث والنظر على ذلك الكتاب الذي ألَّفه ذلك المتعصِّبُ، وإحسانُ الظن به، وغُفولُه عن أنَّ مواطنَ الأدلة هي مجاميعُ الحديث كالأمَّهات وما يلتحق بها، وأن هؤلاء هم أهل العلم وأربابُه الذين يَعرفون صحيحَه من فاسده كما قدمنا الإشارة إلى هذا.
ولا بأس بأن ينظر طالبُ الحق في كتب العلماء المشهورين بالإنصاف، الذين لم يتعصَّبوا لمذهبٍ من المذاهب، ولا انتسَبوا إلى عالِم من العلماء؛ فإنه يستفيدُ بمطالعة مؤلفاتِ المنصِفين كيفيةَ العمل عند التعارض (^١)، ويهتدي إلى مواقع الترجيح ومواطنِ ما يَحِقُّ من الاجتهاد على الوجه المطابق.
وهكذا كتبُ الكلام وأصول الفقه؛ فإن كلَّ طائفةٍ تَصنعُ هذا الصنعَ في الغالب، فتَصِفُ ما يوافقُ مذهبَها بالحُجج القواطع والأدلةِ الراجحة، وتطفِّفُ للمخالف، فتُورِدُ له ما لا يَعجِزون عن جوابه ودفْعِه، ويتركون ما لا يتمكَّنون من دفعه، وقد يذكرونه على وجهٍ فيه مدخلٌ للدفع، ويُلصقون به ما يَفتح فيه أبوابَ المقال.
فلْيَحذَرِ المُنصِفُ من الركون على ما يورده المُتمذهِبون لأنفسهم ولخصومهم من الحُجج؛ فإنه قد عَلِق بكل طائفةٍ من العداوة للأخرى ما يوجب عدمَ القبولِ مِنْ بعضهم في بعض.
وبالجملة: فليس المتعصِّبُ بأهلٍ لأَن يؤخذَ الحقُّ من مؤلفاته؛ فإنه إذا لم
_________________
(١) أي: عند تعارض الأدلة الظاهري الذي يظنُّه العبد؛ ذلك أن الأدلة الشرعية في نفسها لا تعارُضَ بينها؛ وإنما يقعُ توهُّمُ التعارض عند النظر المبدئي في الأدلة؛ أمَّا عند التأمل وتطبيقِ قواعد «أصول الفقه» يزول التعارض المتوهَّم بحمد اللَّه. وراجع أبحاث «التعارض والترجيح» من كتب «الأصول».
[ ١٤١ ]
يَنتفع بالعلم، ويهتدي بما عَرف منه، فكيف يهتدي به غيرُه، أو يتوصَّلُ بما جَمَعه إلى ما هو الحقُّ؟! فالمُصابُ بالعمى لا يقودُ العُمْيَ، فإنْ فَعل كانت ظلماتٍ بعضُها فوق بعض، والمريضُ لا يُداوي مَنْ هو مصابٌ بمثل مرضه، ولو كان صادقًا فيما يزعمُه من اقتدارِه على المداواة، كانت نفسُه التي بين جَنبيه أحقَّ بذاك منه.