ومن جُملةِ الأسباب التي يتسبَّبُ عنها تركُ الإنصاف، وكتمُ الحق، وغمطُ الصواب: ما يقعُ بين أهل العلم من الجدال والمِراء؛ فإن الرجلَ قد يكونُ له بصيرةٌ، وحسنُ إدراك، ومعرفةٌ بالحق، ورغوبٌ إليه (^٢)، فيخطئ في المناظرة، ويحمله الهوى ومحبَّةُ الغَلَب وطلبُ الظهور على التصميم على مقالِه، وتصحيحِ خطئه، وتقويمِ مُعْوَجِّهِ بالجدال والمراء.
وهذه الذريعةُ (^٣) الإبليسية، والدسيسةُ الشيطانية قد وقع بها مَنْ وقع في مهاوٍ من التعصُّبات، ومزالقَ من التعسُّفات (٤) عظيمةِ الخطر، مَخُوفةِ العاقبة.
_________________
(١) انظر بحثًا طيبًا عن «الجدال والمراء» في كتاب: «حرية الرأي، والإساءة لمقدسات الإسلام»، للشيخ حَمدي بن عبد العظيم وفقه اللَّهُ (٢٣٣ ط: مكتبة أولاد الشيخ).
(٢) الرغوب: الرغبة.
(٣) الذريعة: الوسيلة. (٤) التعسُّف: الحياد عن الطريق الصحيح.
[ ٦٦ ]
وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يُقضى منه العجب؛ فإن بعضَ مَنْ يسلكُ هذا المسلك قد يجاوزُ ذلك إلى الحَلِفِ بالأيمانِ على حقيقة ما قالَهُ وصوابِ ما ذهب إليه! وكثيرٌ منهم يعترف بعد أن تَذهَبَ عنه سَورةُ (^١) الغضب، وتزول عنه نَزوةُ (^٢) الشيطان، بأنه فعل ذلك تعمُّدًا؛ مع علمه بأن الذي قاله غيرُ صواب! وقد وقع مع جماعةٍ من السلف من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر، وصار ذلك مذاهبَ تُروى، وأقوالًا تُحكى كما يعرف ذلك مَنْ يعرف.