ومن جُملةِ أسباب التعصب التي لا يشعرُ بها كثيرٌ من المشتغلين بالعلوم: ما يذكره كثيرٌ من المصنِّفين مِنْ أنه: «يَرُدُّ (^١) ما خالف القواعد المقرَّرة».
فإن مَنْ لا عنايةَ له بالبحث يَسمعُ هذه المقالة، ويَرى ما صَنَعه كثيرٌ من المصنِّفين مِنْ ردِّ الأدلة من الكتاب والسُّنة إذا خالف تلك القاعدة، فيظنُّ أنها في اللوح المحفوظ! فإذا كَشَفها وجدها في الغالب كلمةً تكلَّم بها بعضُ مَنْ يعتقدُه الناس مِنْ أهل العلم الذين قد صاروا تحتَ أطباق الثرى، لا مستندَ لها إلا محضُ الرأي، وبَحْتِ ما يُدَّعى من دلالة العقل.
وكثيرًا ما تجدُ في علم الكلام الذي يسمُّونه: «أصولَ الدين» (^٢)، قاعدةً قد تقرَّرت بينهم واشتُهرت، وتلقَّنها الآخِرُ من الأول، وخَطُّوها جِسرًا
_________________
(١) أي: الدليل من الكتابِ والسُّنة.
(٢) راجع ص (٨٦).
[ ١٣٧ ]
يدْفعون بها الآياتِ القرآنيةَ والأحاديثَ النبوية؛ فإذا كشفتَ عنها وجدتَها في الأصل كلمةً قالها بعض حكماء الكلام؛ زاعمًا أنه يقتضي ذلك العقلُ ويستحسنُه! وليس إلَّا مجردَ الدعوى على العقل وهو عنها بريءٌ؛ فإنه لم يَقضِ بذلك العقلُ الذي خلقه اللَّهُ في عباده، بل قضى به عقلٌ قد تدنَّس بالبدع، وتكدَّر بالتعصب، وابتُلي بالجهل بما جاء به الشرعُ، وجاء بعده مَنْ هو أشدُّ بلاءً منه، وأسخفُ عقلًا، وأقلُّ عِلمًا، وأبعدُ عن الشرع؛ فجعل ذلك قاعدةً عقليةً ضروريةً، فدَفع بها جميعَ ما جاء عن الشارع (^١)، عَرَف هذا مَنْ عرفه، وجَهِله من جهله، ومَن لم يعرف هذا فلْيتَّهم نفسه.
فيا للَّهِ العجب مِنْ مَزِيَّةٍ يفتريها على العقل بعضُ مَنْ حُرِم علمَ الشرع، ثم يأتي مَنْ بعده فيجعلُها أصولًا مقررةً وقواعدَ محرَّرة، ويُؤثِرُها على قولِ اللَّه ﷿ وقولِ الأنبياء.
وهكذا تجدُ في عِلم «أصول الفقه» قاعدةً قد أخذها الآخِرُ عن الأول، وتلقَّنها الخلَفُ عن السلف، وبَنَوا عليها القناطر (^٢)، وجعلوها إمامًا لأدلةِ الكتاب والسُّنة؛ يُجيزون ما أجازته، ويردُّون ما ردَّته! وليست من قواعد اللغة الكلية، ولا من القوانينِ الشرعية؛ بل لا يستندُ لها إلا الخيالُ المُختل، والظنُّ الفاسد، والرأيُ البحت! ومع هذا فهم يزعمون أن هذا العِلمَ (^٣) لا تُقبَلُ فيه إلَّا الأدلةُ القطعية! وهي دعوى ظاهرةُ البطلان، واضحةُ الفساد؛ فإن غالبَها (^٤) لا يوجد عليه دليلٌ من الآحاد صحيحٌ ولا حسن؛ بل لا يوجد آحاديٌّ
_________________
(١) راجع ص (٣٢).
(٢) القناطر: الجسور التي يُعبر عليها.
(٣) يعني أصول الفقه.
(٤) أي: غالب تلك القواعد الخيالية.
[ ١٣٨ ]
ضعيف! وغالب ما يوجد الموضوعاتُ التي لا يَمتري مَنْ له حظٌّ من العلم في كَذِبها، كاستدلالهم بمثل: «حُكمي على الواحد حُكمي على الجماعة» (^١)، وبمثل: «نحن نحكمُ بالظاهر» (^٢)، ونحو هذه الأكاذيب.
فالمغرورُ مَنْ اغتُرَّ بِهذه الدُّلَس (^٣)، والمخدوعُ مَنْ خُدع بها، وترقَّى بها مِنْ كونها موضوعةً إلى كونها صحيحةً، ثم من كونها صحيحةً إلى كونها قطعيةً!.
فياللَّهِ العجبُ مِنْ نَفَاق مثلِ هذه الأمور على كثيرٍ من أهل العلم، وانقراضِ القرنِ بعد القرنِ والعصرِ بعد العصر وهى عندهم مسائلُ قطعية، وقواعدُ مقرَّرة، والذنبُ لمن تكلَّم بها، وذكَرها في مؤلفاته، ولم يقف حيثُ أوقفه اللَّهُ مِنْ جهله بما جاء في الشريعة.
وهكذا ما وقع في كثيرٍ من أبوابِ الفقه؛ مِنْ ذكر قواعدَ يُطَرِّدونها (^٤) في
_________________
(١) لا أصل له: كما قال المصنف في كتابه «الفوائد المجموعة» (٢٠٠)، وذكره العجلوني في «كشف الخفا»، وقال: «لا أصل له»، ونقل هذا عن الإمام العراقي في تخريجه لأحاديث البيضاوي، وذكر أنه سئل عنه المِزِّي والذهبي، فاستنكراه. وقال في «الدرر المنتثرة» (٢٠٦): «لا يعرف». وكذا ذكره الفتَّني في «تذكرة الموضوعات» (١/ ١٨٦)، وذكر حكم العراقي، وأقرَّه.
(٢) لا أصل له: كما قال المصنف في كتابه «الفوائد المجموعة» (٢٠٠)، وذكره الإمام ابن حجر في «التلخيص الحبير» (رقم: ٢١٠٠)، وقال: «استنكره المُزني»، وقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٠٠): «لم أجد له أصلًا؛ وكذا قال المِزِّي لما سُئل عنه». وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه لا أصل له أيضًا، ونقل هذا عن الأئمة: العراقي، والعسقلاني، والسخاوي، والسيوطي. انظر: «دفاع عن الحديث النبوي»، للعلامة الألباني (٢٧، ٢٨).
(٣) الدَّلَس: الأكاذيب.
(٤) يُطرِّدونها: يعمِّمونها.
[ ١٣٩ ]
جميع المسائل، ويظنُّون أنها من قواعدِ الشرع الثابتة بقطعيَّاتِ الشريعة! ومَن كَشف عن ذلك وجد أكثرَها مبنيًّا على محض الرأي الذي ليس عليه أثارةٌ من علم، ولا يَرجع إلى شيءٍ من الشرع.
ومَن خَفِي عليه هذا، فلْيعلم أن قُصورَه وعدَم اشتغاله بالعلم هو الذي جنى عليه، وغَرَّه بما لا يَغترُّ به مَنْ عضَّ على العلم بناجذه، وكَشَف عن الأمور كما ينبغي. فعلى من أراد الوصولَ إلى الحق، والتمسُّكَ بشِعارِ (^١) الإنصاف، أن يكشف عن هذه الأمور؛ فإنه إن فعل ذلك هان عليه الخطبُ، ولم يَحُل بينه وبين الحق ما ليس منَ الحق.