ومِن جُملةِ الأسباب التي يتسبَّبُ عنها تركُ الإنصاف، ويَصدُرُ عنها البعدُ عن الحق، وكتمُ الحُجة، وعدمُ ما أوجبه اللَّهُ من البيان: حُبُّ الشرف والمال، اللذين هما أعدى على الإنسان من ذِئبينِ ضاريَينِ (^١) كما وَصف ذلك رسولُ اللَّه ﷺ (^٢)؛ فإن هذا هو السببُ الذي حرَّف به أهلُ الكتاب كُتبَ اللَّهِ المنزَّلةَ على رُسُله، وكتَموا ما جاءهم فيها من البيِّنات والهدى، كما وقع من أحبار اليهود، وقد أخبرنا اللَّهُ [بذلك] في كتابه العزيز (^٣)، وأخبرنا به رسولُ اللَّه ﷺ في الثابت عنه في «الصحيح» (^٤).
_________________
(١) ضارِيَينِ: شرسين فتَّاكين.
(٢) ثبت عن كعب بن مالك الأنصاري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ما ذِئبانِ جائعان أُرسلا في غَنم بأفسدَ لها مِنْ حِرصِ المَرْءِ على المالِ والشَّرفِ لدِينه». معناه: أننا لو تركنا ذئبَين شَرِسَين في زريبةِ غنمٍ، لأهلكا الغنمَ والزريبةَ أعظمَ الإهلاك؛ فكذلك حِرصُ الرجل على حُب المال والسُّمعةِ أعظمُ إفسادًا لدينه من هاذين الذئبين للغنمِ والزريبة. والحديث صحيح: رواه أحمد (٣/ ٤٥٦)، والترمذي (٢٣٧٦)، والنسائي في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» (٨/ ٣١٦)، وابن حِبَّان في «صحيحه» (٣٢٢٨)، وقال الإمام الترمذي: «حسن صحيح»، وصحَّحه الشيخ شعيب الأرنؤوط، والشيخ الألباني.
(٣) كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران].
(٤) لعل الإمامَ يُشيرُ إلى ما ثبت عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأةً قد زَنيَا، فقال لهم: «كيف تفعلون بمن زنى منكم؟». قالوا: نُحمِّمُهما (أي: نطلِي وجوههما بالفحم)، ونضربُهما، فقال: «لا تَجِدُون في التوراة الرجم؟». فقالوا: لا نجد فيها شيئًا. فقال لهم عبد اللَّه بن سلَام: كذبتم؛ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران]، فوضع مِدْراسُها الذي يُدرِّسُها منهم كَفَّه على آية الرجم، فطفق يقرأُ ما دون (أي: ما قبلَ) يدِه وما وراءها، ولا يقرأ آيةَ الرجم، فنزع [عبدُ اللَّه بن سلام] يدَه عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم. فأَمر رسول اللَّه ﷺ بهما فرُجِما قريبًا من حيث موضع الجنائز عند المسجد؛ فرأيت صاحبها يجنأُ (أي: ينحني) عليها يقيها الحجارة. والحديث صحيح: رواه أحمد (٢/ ٥)، والبخاري (١٣٢٩) و(٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والترمذي (١٥٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٧١٧٥، ٧١٧٨)، وابن ماجه (٢٥٥٦).
[ ٥٩ ]
وبِهذا السبب (^١) بَقِي مَنْ بقي على الكفر منَ العرب وغيرِهم بعد قيام الحجة عليهم، وظهورِ الحق لهم؛ وبه نافَق مَنْ نافق، ووقع في الإسلام مِنْ أهل العلم بذلك السبب عجائبُ مودَعةٌ بطونَ كتب التاريخ.
وكم من عالمٍ قد مال إلى هَوى مَلِكٍ من الملوك، فوافقه على ما يريد، وحسَّن له ما يخالف الشرع، وتظهَّر له بما يَنفُقُ لديه من المذاهب؛ بل قد وضع بعضُ المحدِّثين للملوك أحاديثَ عن رسول اللَّه ﷺ، كما وقع من وَهْب بن وَهْب [أبي] البَختريِّ (^٢) مع الرشيد (^٣).
_________________
(١) أي: حب الشرف والمال.
(٢) وهو كذَّاب؛ كذَّبه الإمام أحمد ﵀؛ وكثيرٌ من علماء السلف، ومنهم مَنْ سكت عنه. وله ترجمةٌ ضافيةٌ في «تاريخ بغداد» (١٥/ ٦٢٥)، ومصادر أخرى كثيرة.
(٣) ذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٥/ ٦٢٨) عن زكريا الساجي قال: «بلغني أن أبا البَختريِّ دخل على الرشيد وهو قاضٍ، وهارون إذ ذاك يُطيِّرُ الحمام، فقال: هل تحفظ في هذا شيئًا؟ فقال: حدثني هشامُ بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يُطيِّرُ الحمام. فقال: اخرج عني! لولا أنه رجلٌ من قريش لعزلته». وقد علَّق الشيخ بشار عوَّاد على هذه القصة في تحقيقه لتاريخ بغداد قائلًا: «موضوع: تجرد صاحب الترجمة يعني أبا البختري من الحياء من رسول اللَّه ﷺ ليتزلَّف إلى السلطان؛ فقبحه اللَّهُ». وجاء في «تاريخ بغداد» أيضًا (١٥/ ٦٣١): أنه مِنْ واضعي الزيادة المكذوبة في حديث «لا سَبَق إلا في خُفٍّ أو حافرٍ أو نصْل»، فزاد: «أو جَناح»، وانظر التعليق على هذا قريبًا.
[ ٦٠ ]
ووقع مِنْ آخَرَ في حديث (^١): «لا سَبَقَ (^٢) إلَّا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نَصْل (^٣)»، فزاد في الحديث: «أو جَناح»! موافقةً للمَلِك الذي رآه يلعبُ بالحَمام ويسابقُ بينها (^٤).
_________________
(١) صحيح: رواه أحمد (٢/ ٣٥٨)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥)، وابن ماجه (٢٨٧٨) بدون ذكر «النصل»، وقال الإمام الترمذي: «حديث حسن»، وصحَّحه الشيخ شعيب الأرنؤوط، والشيخ الألباني.
(٢) السَّبَق بفتح السين والباء: ما يؤخذُ منَ المال في المسابقة. وهذا له ضوابطُ هامة تراها في كتاب «الفروسية»، للإمام ابن القيم، ومباحث «السَّبْق والرمي» من كتب الفقه.
(٣) المقصود على الترتيب: أنه لا يجوز أخذ العوض المال إلا في سباق الجِمال، والخيول، ورَمْي السِّهام. ولننتبه إلى أنه يجوزُ أخذُ السَّبَق إذا كانت هذه الرياضةُ «لمصلحة الجهاد في سبيل اللَّهِ ﷿ وإقامةِ دينه العظيم»، لا في تضييع الأوقات وإهدارِ الأعمار، وجعل تلك الرياضات كألعاب الكرة ونحوها وسيلةً للتكسب؛ فإن اكتساب المالِ مِنْ تلك الألعاب التي لا نفعَ للدين من ورائها محرَّمٌ إجماعًا. وبناءً عليه فإنَّ كلَّ عمل ينفع الجهاد الإسلاميَّ الشرعيَّ؛ كالتدريب على آلاتِ القتال الحديثة كالمدافع والدبابات والطائرات ونحوها؛ فإنه يجوزُ فيها أخذُ العوض. واستمع متفضِّلًا لمحاضرات الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم «أحكام السَّبْق والرمي»، وكذا كتاب: «حقيقة كرة القدم»، للشيخ ذياب الغامدي.
(٤) ذكر طائفةٌ من المؤرِّخين، منهم الخطيبُ البغدادي ﵀ في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٧٧ ط: دار الغرب الإسلامي) بسنده عن أحمد بن زُهير قال: سمعت أبي يقول: قُدِم على المَهديِّ بعشَرةِ مُحدِّثين فيهم الفرجُ بن فَضَالة، وغِياثُ بن إبراهيم وغيرهم، وكان المهديُّ يحب الحَمَام ويشتهيها، فأُدخل عليه غياثُ بن إبراهيم، فقيل له: حدِّث أمير المؤمنين. فحدَّثه بحديث أبي هريرة ﵁: «لا سَبَق إلَّا في حافرٍ أو نَصْل»، وزاد فيه: «أو جَناح»، فأَمر له المهديُّ بعشرة آلاف، فلما قام، قال: أشهدُ أن قفاك قفا كذَّابٍ على رسول اللَّه ﷺ، وإنما استجلبتُ ذاك أنا. فأَمر بالحَمام فذُبِحت، فما ذكر غياثًا بعد ذلك. وانظر أيضًا: «تاريخ دمشق» (٥٣/ ٤٢٥)، و«ميزان الاعتدال» (رقم: ٦٦٧٣)، و«لسان الميزان» (رقم: ١٢٩٦).
[ ٦١ ]
ووضع جماعةٌ مناقبَ لقوم، وآخرون مثالبَ لآخرين (^١)، لا حاملَ لهم على ذلك إلَّا حبُّ الدنيا، والطمعُ في الحُطام، والتقربُ إلى أهل الرئاسة بما يَنفُقُ لديهم، ويَروجُ عليهم. نسألُ اللَّهَ الهداية، والحمايةَ من الغواية.
وكم قد سمِعنا ورأينا في عصرنا من أهله! فكثيرًا ما نرى الرجلَ يَعتقدُ في نفسه اعتقادًا يوافقُ الحقَّ ويُطابقُ الصواب، فإذا تكلَّم عند من يخالفه في ذلك، ويميلُ إلى شيءٍ من البدعة فضلًا عن أن يكونَ من أهل الرئاسة، وممن بيده شيءٌ من الدنيا، فضلًا عن أن يكون منَ الملوك: وافقه، وساعده، وسانده، وعاضده، وأقلُّ الأحوال أن يَكتم ما يعتقده من الحق، ويَغمِطَ (^٢) ما قد تبيَّن له من الصواب عند مَنْ لا يُجوِّزُ منه ضررًا، ولا يقدِّرُ منه نفعًا؛ فكيف ممن عداه؟!.
وهذا في الحقيقة مِنْ تأثير (^٣) الدنيا على الدِّين، والعاجلةِ على الآجلة، وهو لو أمعن نظرَه، وتدبَّر ما وقع فيه، لعلم أن ميلَه إلى هوى رجلٍ أو رجلينِ أو ثلاثةٍ أو أكثرَ ممن يُجاملُهم في ذلك المجلس، ويكتمُ الحقَّ مطابقةً لهم، واستجلابًا لمودتهم، واستبقاءً لِمَا لديهم، وفرارًا من نفورهم: هو (^٤)
_________________
(١) مثالب: عيوب ومطاعن.
(٢) يَغمِط: يحتقر.
(٣) التأثير: التفضيل.
(٤) هذا خبر قوله: «لَعَلِمَ …» قبل سطرين.
[ ٦٢ ]
من التقصير بجانب الحق، والتعظيمِ لجانب الباطل؛ فلولا أن هؤلاء النفرَ لديه أعظمُ من الرب سبحانه، لَمَا مال إلى هواهم، وترك ما يعلم أنه مرادُ اللَّهِ سبحانه ومَطلَبُه من عباده! وكفاك بِهذه الفاقرةِ العظيمة، والداهية الجسيمة؛ فإن رجلًا يكون عنده فردٌ من أفراد عبادِ اللَّهِ أعظمَ قدرًا من اللَّهِ سبحانه، ليس بعد تجرُّئِهِ على اللَّه شيءٌ. أرشدنا اللَّهُ إلى الحق بحَوله وطَوْله.
ومن غريب ما أحكيه لك من تأثير هوى الملوك، والميلِ إلى ما يوافق ما يَنفُقُ عندهم: واقعةٌ معي مشاهَدةٌ لي وإن كانت الوقائع في هذا الباب لا يأتي عليها الحصر، وهى مودَعةٌ بطونَ الدفاتر، معروفةٌ عند من له خبرةٌ بأحوالِ مَنْ تقدَّم؛ وذلك أنه عَقد خليفةُ العصر حفظه اللَّهُ مجلسًا جَمَعَ فيه وُزراءَه، وأكابرَ أولاده، وكثيرًا من خواصِّه، وحضر هذا المجلسَ من أهل العلم ثلاثةٌ أنا أحدهم، وكان عقدُ هذا المجلس لطلب المشورة في فتنةٍ حدثت بسبب بعض الملوك، ووصولِ جيوشه إلى بعض الأقطار الإمامية (^١)، وتخاذُلِ كثيرٍ من الرعايا، واضطرابِهم، وارتجافِ (^٢) اليمَن بأسره بذلك السبب.
فأشرتُ على الخليفة بأنَّ أعظم ما يُتوصَّلُ به إلى دفع هذه النازلةِ هو العدلُ في الرعية (^٣)، والاقتصارُ في المأخوذ منهم على ما ورد به الشرعُ،
_________________
(١) أي: التابعة لإمام العصر.
(٢) ارتِجاف: اضطراب.
(٣) قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أمورُ الناس تستقيمُ في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراكُ في أنواع الإثم أكثرُ مما تستقيمُ مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن اللَّهَ يُقيمُ الدولةَ العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيمُ الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدومُ مع العدل والكفر، ولا تدومُ مع الظلم والإسلام. وقد قال النبيُّ ﷺ: «ليس ذنبٌ أسرعُ عقوبةً منَ البغي وقطيعةِ الرحِم» [صحيح]، فالباغي يُصرع في الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة؛ وذلك أن العدلَ نظامُ كل شيء؛ فإذا أُقيم أمرُ الدنيا بعدلٍ قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة مِنْ خَلاق، ومتى لم تقُم بعدلٍ لم تقُم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة» انتهى. «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٤٦).
[ ٦٣ ]
وعدمُ مجاوزته في شيءٍ، وإخلاصُ النية في ذلك، وإشعارُ الرعية [به] (^١) في جميع الأقطار، والعزمُ عليه على الاستمرار (^٢)؛ فإن ذلك من الأسباب التي تَدفع كلَّ الدفع، وتَنجَعُ (^٣) أبلغَ النَّجْع، فإن اضطرابَ الرعايا، ورفعَ رؤوسهم إلى الواصِلين، ليس إلَّا لِمَا يبلغُهم من اقتصارهم على الحقوق الواجبة، وليس ذلك لرغبةٍ في شيءٍ آخر.
فلما فرغتُ من أداء النصيحة، انبرى أحدُ الرجلَينِ الآخَرَين وهو ممن حَظِي من العلم بنصيبٍ وافر، ومنَ الشرفِ بمرتبةٍ عليَّة، ومن السنِّ بنحو ثمانين سنةً، وقال: إن الدولةَ لا تقوم بذلك، ولا تتمُّ إلا بما جرت به العادةُ من الجِبايات (^٤) ونحوها!! ثم أطال في هذا بما يتحيَّرُ عنده السامع، ويشتركُ في العلم بمخالفته للشريعة العالِمُ والجاهل، والمقصِّرُ والكامل!! وذكر أنه قد أَخذ الجبايةَ ونحوها من الرعية فلانٌ وفلان وعدَّد جماعةً من أئمة العلم ممن لهم شُهرةٌ وللناس فيهم اعتقاد، وهذا مع كونه عنادًا للشريعة،
_________________
(١) الإشعار: الإبلاغ.
(٢) أي: على الدوام.
(٣) تنجع: تؤثر.
(٤) الجبايات: ما يُجمع من الناس قهرًا؛ كالضرائب الظالمة التي دمَّرت حياةَ الناس، وعكَّرت عليهم عَيشَهم بالرغم من قلةِ الأجور وغلاءِ المعيشة؛ ولو أن القائمين على المسلمين جَمعوا الزكَواتِ من أهلها، وأنفقوها في مصارفها، واتقوا اللَّهَ تعالى في معاملةِ عباده لَمَا كانت الأحوالُ في تدهورٍ دائم كما نراه في ليلنا ونهارنا، ونسأله تعالى أن يلطُف بأحوالنا، وأن يولِّيَ علينا خيارَنا.
[ ٦٤ ]
وخلافًا لِمَا جاءت به، وجُرأةً على اللَّه، ونصبًا للخلاف بينه وبين من عصاه وخالَف ما شرعه هو (^١) أيضًا مجازفةٌ (^٢) بحتةٌ في الرواية عن الذين سمَّاهم بل هو محضُ الكذب، وإنما يُروى عن بعض المتأخرين ممن لم يُسمِّه ذلك القائل. وهذا البعضُ الذي يُروى عنه ذلك إنما فعله أيامًا يسيرةً، ثم طَوى بِساطَه، وعلم أنه خلافُ ما شرعه اللَّهُ فتركه، وإنما حَمَلَه على ذلك رأيٌ رآه، وتدبيرٌ دبره، ثم تبيَّن له فساده.
فانظر أرشدك اللَّه ما مِقدارُ ما قاله هذا القائلُ في ذلك الجَمْع الحافل الذي شَمِلَ الإمامَ وجميعَ المباشِرين للأعمال الدَّوْلية (^٣)، والناظرين في أمر الرعية! ولم ينتفع هذا القائلُ بمقالته لا من زيادةِ جاهٍ ولا مال، بل غايةُ ما استفاده، ونهايةُ ما وصل إليه: اجتماعُ الألسُنِ على ذمِّه، واستعظامُ الناس لِمَا صدر منه!.
وهكذا جرت عادةُ اللَّهِ في عباده؛ فإنه لا يَنالُ مَنْ أراد الدنيا بالدين إلا وبالًا وخسرانًا عاجلًا أو آجلًا، خصوصًا من كان من الحاملين لحُجةِ اللَّه، المأمورين بإبلاغها إلى العِباد؛ فإنَّ خيرَه (^٤) في الدنيا والآخرة مربوطٌ بوقوفه على حدودِ الشريعة، فإنْ زاغ عنها زاغ عنه (^٥)، وقد صرَّح اللَّهُ سبحانه بما يُفيدُ هذا في غير موضعٍ من كتابه العزيز (^٦).
_________________
(١) هذا خبر قوله: «وهذا مع كونه …» قبل سطرين.
(٢) المجازفة: الاندفاع بلا حسابٍ ولا رَويَّة.
(٣) الدَّوْلية: المتعلقة بالدولة.
(٤) أي: الخير الذي يصل للعبد من اللَّهِ تعالى.
(٥) أي: الخير.
(٦) ومن هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود]، ومنه قوله الحق: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف]، ومنه أيضًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة]، ومنه أيضًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة]، وغير هذا كثير.
[ ٦٥ ]
فأنت أيها الحاملُ للعلم لا تزالُ بخيرٍ ما دمتَ قائمًا بالحُجة، مرشدًا إليها، ناشرًا لها، غيرَ مستبدِلٍ بها عرَضًا من أعراض الدنيا أو مرضاةً من أهلها.