ومن الأسباب المقتضيةِ للتعصب: أن يكون بعضُ سلفِ المشتغِل بالعلم قد قال بقولٍ، ومال إلى رأيٍ؛ فيأتي هذا الذي جاء بعده، فيحملُه حبُّ القرابة على الذهاب إلى ذلك المَذهب، والقولِ بذلك القول وإن كان يعلم أنه خطأ، وأقلُّ الأحوال إذا لم يذهبْ إليه أن يقول فيه: «إنه صحيح»! ويتطلَّبُ له الحُجج، ويبحثُ عما يقوِّيه وإن كان بمكانٍ من الضَّعف، ومحلٍّ من السقوط!!.
وليس له في هذا حظٌّ ولا معه فائدةٌ، إلَّا مجردُ المباهاةِ لمن يعرفُه، والتزينُ لأصحابه بأنه في العلم مُعْرِق (^٣)، وأن بيته قديمٌ فيه! ولهذا ترى كثيرًا منهم يستكثرُ مِنْ: «قال جدُّنا»، و«قال والدنا»، و«اختار كذا، صَنع كذا، فعل كذا»! وهذا لا شكَّ أن الطباع البشريةَ تميلُ إليه ولا سيَّما طبائعُ العرب؛ فإن
_________________
(١) السَّورة: الشدَّة.
(٢) النزوة: الدفعة.
(٣) مُعرِق: له أعراق وأصول.
[ ٦٧ ]
الفخرَ بالأنساب، والتحدثَ بما كان للسلف من الأحساب يَجِدُون فيه من اللذةِ ما لا يجدونه في تعدُّدِ مناقبِ أنفسهم، ويزدادُ هذا بزيادةِ شرفِ النفس، وكرمِ العُنصر (^١)، ونَبالةِ الآباء؛ ولكن ليس منَ المحمودِ أن يَبلغَ بصاحبهِ إلى التعصُّبِ في الدين، وتأثيرِ (^٢) الباطل على الحق؛ فإن اللذةَ التي يطلبُها، والشرفَ الذي يريده قد حصل له بكونِه مِنْ سَلَف ذلك العالِم، ولا يَضيرُه أن يترك التعصبَ له، ولا يمحقُ عليه شرفَه؛ بل التعصبُ مع كونه مفسدًا للحظ الأخروي يُفسد عليه أيضًا الحظ الدنيوي؛ فإنه إذا تعصَّب لسلفه بالباطل، فلابد أن يَعرف كلُّ مَنْ له فهمٌ أنه متعصبٌ، وفي ذلك عليه مِنْ هدمِ الرفعة التي يريدها، والمَزِيَّةِ التي يطلبُها ما هو أعظمُ عليهِ وأشدُّ من الفائدة التي يطلبُها بكونِ له قريبٌ عالِم؛ فإنه لا ينفعه صلاحُ غيره مع فساد نفسه.
وإذا لم يَعتقد فيه السامعُ التعصبَ، اعتقد بلادةَ الفهم، ونقصانَ الإدراك، وضعفَ التحصيل؛ لأن الميلَ إلى الأقوال الباطلة ليس من شأن أهلِ التحقيق الذين لهم كمالُ إدراك، وقوةُ فهم، وفضلُ دراية، وصحةُ رواية؛ بل ذلك دأْبُ مَنْ ليست له بصيرةٌ نافذة، ولا معرفةٌ نافعة؛ فقد حَصل عليه بما تلذَّذ به وارتاح إليه من ذِكر شرف السلف ما حقَّق عند سامعه بأنه مِنْ خَلْف الخَلَف.
ولقد رأيتُ من أهل عصري في هذا عجبًا؛ فإن بعض من جَمَعني وإياه الطلبُ لعلوم الاجتهاد، يتعصبُ لبعض المصنِّفين من قرابته تعصبًا مُفرِطًا؛ حتى إنه إذا سمع من يعترضُ عليه، أو يستبعدُ شيئًا قاله، اضطرب، وتربَّد
_________________
(١) العُنصر: الأصل والمعدِن.
(٢) أي: تفضيل.
[ ٦٨ ]
وجهُه (^١)، وتغيرت أخلاقُه سواءٌ عليه اعترض بحقٍّ أو بباطل؛ فإنه لا يقبلُ سَمعُه في هذا كلامًا، ولا يسمع من نَصيح ملامًا! ومع هذا فهو بمحلٍّ من الإنصاف، ومكانٍ من العرفان، قد تحصَّلت له علومُ الاجتهاد تحصُّلًا قويًّا، ونظر في الأدلة نظرًا مشبعًا.
وكان صدورُ مثلِ هذا منه يحمِلُني في سنِّ الحداثةِ وشرْخِ الشباب على تحرير مباحثَ أنقُضُ بها رسائلَ ومسائلَ من كلام قريبه، قاصدًا بذلك إيقاظَه، وردَّه إلى الصواب، وكنتُ إذا أردتُ إغضابه، أو الانتصافَ منه، ذكرت بحثًا من تلك الأبحاث، أو مسألةً من تلك المسائل التي اعترضتُها.
وبِهذا السبب تجدُ مَنْ كان له سلفٌ على مذهبٍ من المذاهب، كان على مذهبه (^٢)، سواءٌ كان ذلك المذهبُ من مذاهب الحق أو الباطل.
ثم تجدُ غالبَ العَلَويةِ شيعةً، وغالبَ الأُموية عثمانيةً، وكان تعظيمُ عثمان في الدولة الأموية عظيمًا، وأهلُ تلك الدولة مشغولون بحفظ مناقبه ونشرها، وتعريفِ الناس إياها، وكانوا إذ ذاك يَثلِبون مَنْ كانت بينه وبينه عداوةٌ أو منافسة. ثم لمَّا جاءت الدولةُ العباسية عَقِبَها، كان العباسُ عند أهلها أعظمَ الصحابة قدْرًا وأجلَّهم وكذلك ابنُه عبد اللَّه، وتوصَّلت خلفاءُ بني العباس بكثيرٍ من شعراء تلك الدولةِ إلى تفضيل العباس على عليٍّ، ثم تفضيلِ أولاد العباس على أولاد عليٍّ، وكان الناسُ في أيامهم هم عندهم أهلَ البيت، ويُطبِّقون ما ورد من فضائل الآل عليهم، وأولادُ عليٍّ إذ ذاك إنما هم عندهم خوارج؛ لقيامهم عليهم، ومنازعتهم لهم في المُلك.
_________________
(١) تربَّد: تغيَّر.
(٢) أي: سار على مذهب سلفِه.
[ ٦٩ ]
ولقد كان بنو أمية قبلَهم هكذا، يَعتقد أهلُ دولتهم فيهم أنهم هم الآلُ والقرابةُ وعصبةُ رسول اللَّه ﷺ، وأن العلَويةَ والعباسية ليسوا من ذلك في وِرْدٍ ولا صَدَر (^١)، بل أطبقوا هم وأهل دولتهم على لعن عليٍّ، ولا يُعرف لديهم إلَّا ب «أبي تراب» (^٢)، والمنتسِبُ إليه والمعظِّمُ له «تُرابيٌّ»؛ لا يُقام له وزن، ولا يُعظَّمُ له جانب، ولا تُرعى له حُرمة.
ثم قامت الدولةُ العُبيدية (^٣)، فانتسبوا إلى عليٍّ، وسمَّوا دولتهم «الدولة العَلَوية الفاطمية»، ثم أفرطوا في التشيُّع، وغالَوا في حبِّ عليٍّ وبُغضِ كثيرٍ من الصحابة، واشتغل الناسُ بفضائلِ عليٍّ ونَشْرها، وبالغوا في ذلك، حتى وضع لهم علماءُ السوءِ أكاذيبَ مفتراةً، وقد جعل اللَّهُ ذلك الإمامَ (^٤) في غنًى عنها بما ورد في فضائله.
فالناشئُ في دولةٍ ينشأ على ما يتظهَّرُ به أهلُها ويجدُ عليه سلَفَه، فيظنُّه الدينَ الحق، والمذهبَ العدل، ثم لا يجدُ مَنْ يُرشِدُه إلى خلافه إن كان قد تظهَّر أهلُه بشيءٍ من البدع، وعملوا على خلاف الحق؛ لأن الناس:
_________________
(١) يقصد: لا في قليل ولا كثير.
(٢) وهو الوصف الذي وصفه به رسولُ اللَّه ﷺ، كما في «صحيح البخاري» (٤٣٠)، وانظر: «مسند الإمام أحمد» (٤/ ٢٦٣)، و«صحيح مسلم» (٢٤٠٤)، و«سنن الترمذي» (٣٧٢٤). وما حال من يعيِّرُ عليًّا ﵁ بِهذا الوصف الشريف إلا كحال القائل يومَ قال: إذا مَحاسِني اللاتي أُدِلُّ بها عُدَّت ذنوبًا فقل لي: كيف أعتذرُ؟!
(٣) الدولة العُبيدية: دولةٌ باطنيةٌ شيعيةٌ رافضية، يُنسَبون إلى عُبيد اللَّه المهدي الخليفة الشيعيِّ الأول، وهي دولةٌ كافرة، قلبت أحوالَ الإسلام، وأعلنت الرفض، وأبطَنت مذهب الإسماعيلية. انظر بعض التفاصيل عنها في: «عصر الدولة الزنكية»، للشيخ المؤرِّخ عليِّ بن محمد الصلَّابي (٦٤٢ ط: دار ابن كثير دمشق).
(٤) يقصد عليًّا ﵁.
[ ٧٠ ]
[أ] إما عامةٌ، وهم يعتقدون في تلك البِدع التي نشؤُوا عليها، ووجدوها بين ظَهرانيهم: أنما هي (^١) الدينُ الحق، والسُّنةُ القويمة، والنِّحلةُ (^٢) الصحيحة.
[ب] وإما خاصةٌ، ومنهم:
١ - مَنْ يترك التكلُّمَ بالحق والإرشادَ إليه مخافةَ الضرر من تلك الدولة وأهلها بل وعامَّتِها (^٣)؛ فإنه لو تكلَّم بشيءٍ خلافَ ما قد عمِلوا عليه، ونشروه في الناس، لَخَشِيَ على نفسه وأهلِه وماله وعِرضه.
٢ - ومنهم مَنْ يتركُ التكلمَ بالحق محافظةً على حظٍّ قد ظفِر به من تلك الدولة من مالٍ وجاه.
٣ - وقد يترك التكلُّمَ بالحق الذي هو خلافُ ما عليه الناس استجلابًا لخواطر العوام، ومخافةً من نفورهم عنه.
٤ - وقد يترك التكلمَ بالحق لطمعٍ يظنُّه ويرجو حصولَه من تلك الدولة أو من سائر الناس في مستقبل الزمان، كمن يطمعُ في نَيل رئاسةٍ من الرئاسات ومنصبٍ من المناصب كائنًا ما كان، ويرجو حصولَ رَزقٍ من السلطان أو أيِّ فائدة؛ فإنه يخاف أن تفوتَ عليه هذه الفائدةُ المظنونة، والرئاسةُ المطموع فيها، فيتظهَّرُ بما يوافق الناسَ، ويَنفُقُ عندهم، ويميلون إليه؛ ليكون له ذلك ذخيرةً ويدًا عندهم ينالُ بها عَرَضَ الدنيا الذي يرجوه.
فكيف يجدُ ذلك الناشئُ بين مَنْ كان كذلك مَنْ يُرشدُه إلى الحق، ويبيِّنُ له الصواب، ويحولُ بينه وبين الباطل، ويُجنِّبُه الغِواية؟! وهيهات ذاك؛
_________________
(١) أي: تلك البدع.
(٢) النِّحلة: المذهب.
(٣) أي: عوام أهلها.
[ ٧١ ]
فالدنيا مؤثَرة، والدينُ تبعٌ لها (^١).
ومَن شك في هذا، فلْيخبرنا: مَنْ ذاك الذي يستطيع أن يصرخ بين ظَهرانَيْ دولةٍ من تلك الدول بما يخالفُ اعتقادَ أهلها وتألفُه عامَّتُها وخاصتُها؟! ووقوعُ مثلِ ذلك نادر، إنما يقوم به أفرادٌ من مُخلِصِي العلماء ومنصفيهم وقليلٌ ما هم؛ فإنهم لا يوجَدون إلَّا على قِلَّةٍ وإعواز (^٢)، وهم حَمَلَةُ الحُجة على الحقيقة، والقائمون ببيانِ ما أنزل اللَّه، والمترجِمون (^٣) للشريعة، وهم العلماءُ حقًّا.
وأما غيرُهم ممن يَعلم كما يعلمون، ولا يتكلم كما يتكلمون؛ بل يكتمُ ما أَخذ اللَّهُ عليه بيانَه، ويعملُ بالجهل مع كونه عالِمًا بأنه جهل، ويقول بالبدعةِ مع اعتقاده أنها بدعة: فهذا ليس بأهلٍ لدخوله في مسمَّى العلم، ولا يستأهلُ أن يوصَف بوصفٍ من أوصافه، أو يدخلَ في عِداد أهله؛ بل هو متظهِّرٌ، وأقوالُه وأفعالُه وحركاتُه وسكناتُه بالجهل والبدعة مطابقةٌ لأهل الجهل والابتداع، وتنفيقًا لنفسه عليهم (٤)، واستجلابًا لقلوبهم، ومُداراةً لهم، حتى يبقى عليه جاهُه، ويستمرَّ له رَزقُه الجاري عليه من بيت مال المسلمين أو وَقْفِهم أو نحو ذلك.
فهذا هو من البائعين عرَض الدين بالدنيا، المؤثِرين العاجلةَ على الآجلة، فضلًا عن أن يَستحقَّ الدخولَ في أهل العلم، والوصولَ إلى هذا العلم.
ومَن شكَّ فيما ذكرتُه، أو تردَّد في بعض ما سُقتُه، فلْيُمْعِنِ النظرَ في أهل
_________________
(١) أي: عند هؤلاء وأمثالهم.
(٢) الإعواز: الفقر والحاجة.
(٣) المترجِمون: المبيِّنون. (٤) أي: لكي يُقبلَ ويُرفعَ عندهم.
[ ٧٢ ]
عصره: هل يستطيعُ أحدٌ من أهل العلم أن يخالفَ ما يهواه السلطانُ من المذاهب فضلًا عن أن يصرِّح للناس بخلافه؟ هذا على فرض أن ذلك الذي يهواه الملِكُ بدعةٌ من البدع الشنيعةِ التي لا خلاف في شناعتها ومخالفتِها للشريعة كما تعتقده الخوارجُ والروافض؛ فإن السُّنةَ الصريحةَ المتواترةَ التي لا خلافَ فيها قد جاءت بقُبح ذلك وذمِّ فاعله وضلاله.
فانظر هداك اللَّهُ وإياي (^١) مَنْ يتكلمُ من أهل العلم الساكنين في أرض الخوارج كبلاد عُمان ونحوها بما يخالفُ مذهب الخوارج، أو يُنكر ذلك عليهم، أو يُرشدُ الناس إلى الحق؟!.
وكذلك مَنْ كان ساكنًا من أهل العلم ببلاد الروافض كبلادِ الأعاجم ونحوها، هل تجدُ رجلًا منهم يخالفُ ما هم عليه من الرفض فضلًا عن أن ينكرَه عليهم؟!.
بل قد تجدُ غالبَ مَنْ في بلاد أهل البدع من العلماء الذين لا تخفى عليهم مناهجُ الحق وطرائقُ الرشد يتظهَّرون للملوك والعامة بما يُناسِبُ ما هم عليه، ويُوهمونهم بأنهم يوافقونهم، وأن تلك البدعةَ التي هم عليها ليست ببدعة، بل هي سُنةٌ وحقٌّ وشريعة، ويعملون كعملهم، ويدخلون في ضلالهم، فيكونون ممن أضلَّه اللَّهُ على علمٍ (^٢).
_________________
(١) السُّنة إذا دعا الإنسان لنفسه ولغيره: أن يبدأ بنفسه أولًا: انظر: «سنن الترمذي» (٦/ ١٥ ط: الرسالة)، و«تصحيح الدعاء»، للعلامة بكر أبو زيد (٤٧)، و«معجم المناهي اللفظية» له أيضًا (١٠٨).
(٢) كما قال ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ …﴾ [الزخرف: ٢٣]، وهذه الآية لها معنيان: الأول: أنه سبحانه أضلَّه لعلمه أنه يستحقُّ ذلك. والثاني: أنه أضلَّه بعد وصول العلم إليه، وقيام الحُجةِ عليه. قال الحافظ ابن كثير ﵀: «والثاني يستلزمُ الأول، ولا ينعكس». قلتُ: والمعنى الثاني هو المقصود من كلام العلَّامة الشوكاني ﵀.
[ ٧٣ ]
فمَن كان مِنْ أهل العلم هكذا، فهو لم ينتفع بعلمه فضلًا عن أن يَنتفع به غيرُه، فعِلمُه محنةٌ له، وبلاءٌ عليه، والجاهلُ خيرٌ منه بكثير؛ فإنه (^١) فَعَل البدعة، ووقع في غير الحق، معتقدًا أن ما فعله هو الذي تعبَّده اللَّهُ به وأراده منه.
فيا من أَخذ اللَّهُ عليه البيان، وعلَّمه السُّنة والقرآن، إذا تجرَّأتَ على ربك بترك ما أخذه عليك وطرْحِ ما أمرك به، فقِفْ عند هذه المعصية وكفى بها، وقِسْ ما عَلِمتَه كالعدم لا عليك ولا لك، ودعِ المجاورةَ لهذه المعصية إلى ما هو أشدُّ منها وأقبحُ مِنْ ترويج بدعِ المبتدِعين، والتحسينِ لها، وإيهامهم أنهم على الحق؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك، كان علمُك لا عَلِمْتَ بلاءً على أهل تلك البدع بعد كونه بلاءً عليك؛ لأنهم يفعلون تلك البدعَ على بصيرةٍ، ويتشدَّدون فيها، ولا تنجعُ فيهم بعد ذلك موعظةُ واعظ، ولا نصيحةُ ناصح، ولا إرشادُ مرشد؛ لاعتقادهم فيك لا كثَّر اللَّهُ في أهل العلم من أمثالك؛ فإنك عالِمٌ محقِّقٌ متقن، قد عرفت علومَ الكتاب والسُّنة، فلم يكن في علماء السوء شرٌّ منك، ولا أشدُّ ضررًا على عباد اللَّه.
وقد جرت قاعدةُ أهل البدع في سابق الدهر ولاحِقِه بأنهم يفرحون بصدور الكلمةِ الواحدة عن عالمٍ من العلماء، ويُبالغون في إشهارها وإذاعتها فيما بينهم، ويجعلونها حجَّةً لبدعتهم، ويضربون بها وجهَ من أنكر عليهم، كما تجدُه في كتب الروافض من الروايات لكلماتٍ وقعت من علماء الإسلام
_________________
(١) يقصد عالِم السوء.
[ ٧٤ ]
فيما يتعلقُ بما شَجر بين الصحابة، وفي المناقب والمثالب، فإنهم يطيرون عند ذلك فرحًا، ويجعلونه من أعظم الذخائر والغنائم!!.
فإن قلتَ: لا شك فيما أرشدتَ إليه من وجوب الصدْع بالحق، والهدايةِ إلى الإنصاف، وتأثيرِ (^١) ما قام عليه الدليلُ الصحيحُ على محض الرأي، وبيانِ ما أنزله اللَّهُ للناس، وعدمِ كَتْمه؛ لكنْ إذا فَعل العالِمُ ذلك، وصرخ بالحق في بلاد البدع، وأرشد إلى العمل بالدليل في مدائن التقليد، قد لا يتأثر عن ذلك إلا مجردُ التنكيل به، والهتكِ لحرمته، وإنزال الضرر به!.
قلتُ: إنما سألتَ هذا السؤال، وجئتَ بِهذا المقال، ذهولًا عمَّا قدمتُه لك وأوضحتُه وكرَّرتُ من حفظ اللَّهِ للمتكلِّمين بالحق، ولُطفِه بالمرشدين لعباده إلى الإنصاف، وحمايتِه لهم عمَّا يظنُّه مَنْ ضَعُف إيمانُه، وخارت قوتُه، ووهَت عزيمتُه؛ فارْجِعِ النظرَ فيما أسلفتُه، وتدبَّر ما قدَّمتُه، تعلمْ به صِدقَ ما وعد اللَّهُ به عباده المؤمنين من أن العاقبة للمتقين.
ثم هَبْ صِدْقَ ما حَدَسْتَه (^٢)، ووقوعَ ما قدَّرتَه، وحصولَ المحنة عليك، ونزولَ الضرر بك، فهل أنت كلُّ العالَمِ وجميعُ الناس؟ أم تظنُّ أنك مخلَّدٌ في هذه الدار؟ أم ماذا عسى يكونُ إذا عملتَ بالعلم، ومشيتَ على الطريقة التي أمرك اللَّهُ بها؟ فنهايةُ ما ينزل عليك ويحُلُّ بك أن تكون قتيلًا للحق وشهيدًا للعلم، فتظفرَ بالسعادة الأبدية، وتكونَ قدوةً لأهل العلم إلى آخِر الدهر، وخِزيًا لأهل البدع، وقاصمةً لظهورهم، وبلاءً مصبوبًا عليهم، وعارًا لهم ما داموا متمسِّكين بضلالهم، سادِرين (٣) في عَمَايتهم، واقِعين في
_________________
(١) تأثير: تقديم وتفضيل.
(٢) حدستَه: ظننته. (٣) سادرين: متحيِّرين تائهين.
[ ٧٥ ]
مزالقهم، وكم قد سبقك مِنْ عباد اللَّهِ إلى هذه الطريقة، وظفِر بِهذه المنزلة العَلِية! وفيهم لك القدوة، وبهم الأُسوة.
فانظر يا مسكين من قطَّعتْه السيوف، ومزَّقته الرِّماحُ من عباد اللَّه في الجهاد، فإنهم طلبوا الموت، ورغِبوا في الشهادة، والبِيضُ تُغمَدُ في الطُّلا (^١)، والرِّماح تُغرَزُ في الكُلا (^٢)، والموتُ بمرأًى منهم ومَسمَع، يأتيهم مِنْ أمامهم وخلفِهم، ومِن عن يمينهم وشِمالهم.
فأين أنت من هؤلاء! ولستَ إلَّا قائمًا بين ظَهرانَيِ المسلمين تدعوهم إلى ما شرعه اللَّه، وتُرشدُهم إلى تأثير كتاب اللَّهِ وسنَّةِ رسوله على محض الرأي والبدع؛ فإن الذي يُظنُّ بمثلك ممن يقوم بمقامك إن لم تنجذبْ له القلوبُ بادئَ بَدءٍ، ويتبعْه الناسُ بأول نداء: أن يستنكرَ الناسُ ذلك عليه، ويستعظموه منه، وينالوه بألسنتهم، ويُسيئوا القالةَ فيه (^٣)، فيُكثِروا الغِيبة له، فضلًا عن أن يَبلُغَ ما يصدُرُ منهم إلى الإضرار ببدنه أو ماله، فضلًا عن أن يَنزِل به منهم ما نزل بأولئك! وهَبْ أنه ناله أعظمُ ما جوَّزه، وأقبحُ ما قدَّره، فليس هو بأعظمَ مما أُصيب به مَنْ قُتل في سبيل اللَّه.