ومن الآفات ما يقعُ تارةً من الشيوخ، وأخرى من تلامذتِهم؛ فإن الشيخ قد يريدُ التظهُّرَ لمن يأخذُ عنه بأنه بمَحَلٍّ من التحقيق، وبمكانٍ من الإتقان؛ فيَحمِلُه ذلك على دفعِ الحق إذا سبق فهمُه إلى الباطل؛ لئلَّا يَظُنَّ مَنْ يأخذُ عنه أنه يُخطئُ ويَغلَط. وهو لو عَرف ما عند ذلك الذي يأخذُ عنه العلمَ أن
[ ١٠٧ ]
رجوعَه عن الخطإ إلى الصواب أعظمُ في عينه، وأجلُّ عنده، وزاده ذلك رغبةً فيه ومحبةً له، وإذا استمرَّ على الغلط وصمَّم على الخطأ، كان عنده دون منزلةِ الرجوع إلى الحق بمنازل.
وهكذا التلميذُ؛ قد يخطُرُ بباله التزيُّنُ لشيخه، والتجمُّلُ عنده بأنه قويُّ الفهم، سريعُ الإدراك، صادقُ التصوُّر؛ فيَحمِلُه ذلك على الوقوف على ما قد سبق إلى ذهنه من الخطأ، والتشبُّثِ بما وقع له من الغلط.
وبالجملة، فالأسبابُ المانعةُ منَ الإنصاف لا تَخفَى على الفطِن، وفي بعضها دِقَّةٌ تحتاجُ إلى تيقُّظٍ وتدبُّر، وتتفقُ في كثيرٍ من الحالات لأهل العلم والفَهم والإنصاف.