ومِن جُملةِ الأسباب المانعة من الإنصاف: التقليدُ في عِلم «الجرح والتعديل» لمن فيه عصبيةٌ من المصنِّفين فيه كما يجدُه اللبيبُ كثيرًا؛ فإنه إذا تصدَّى لذلك بعضُ المصابين بالتقليد، كان العدلُ عنده مَنْ يوافقُه في مذهبه الذي يعتقدُه، والمجروحُ من خالفه كائنًا من كان! ومَن خَفِي عليه [هذا]، فلْينظر ما في مصنَّفات الحُفَّاظ بعد انتشار المذاهب وتقيُّدِ الناس بها، وكذلك ما في كتب المؤرخين؛ فإنَّ الموافقة في المذهب حاملةٌ على تَركِ التعرُّضِ لموجِباتِ الجرح، وكتمِ الأسباب المقتضيةِ لذلك (^١)؛ فإن وقع التعرُّضُ لشيءٍ منها نادرًا أكثَرَ المصنِّفُ من التأويلاتِ والمرواغات والتعسُّفات الموجبةِ لدفعِ كونِ ذلك الخارج خارجًا! وإنْ كان الكلامُ على أحوال المخالفين، كان الأمرُ بالعكس من ذلك، فالفضائلُ مغموطة، والرذائلُ منشورة؛ من غير تأويلٍ ولا إحسانِ ظنٍّ.
وبالجملة: فالاهتمامُ في المُوافِق بذِكر المناقب دونَ المثالب (^٢)، وفي
_________________
(١) أي: ما دام المترجَم له يوافق المترجِمَ في مذهبِهِ، فعادةً ما يحاول المترجِمُ سَترَ ما يوجب جرح المترجَم له وسقوطَ منزلتِه عند أهل العلم.
(٢) المثالب: المطاعن والمعايب.
[ ١٤٢ ]
المُخالِفُ بالعكس من ذلك، ولا أقول: إنهم يتعمَّدون الكذبَ ويكتمون الحق فهم أعلى قدرًا، وأشدُّ تورعًا من ذلك؛ ولكن رَسَخ في قلوبهم حبُّ مذاهبهم، فأحسَنوا الظنَّ بأهلها، ونفرت أنفسهم من مذاهب غيرهم، فأساؤوا الظن بأهلها، فتسبَّب عن ذلك ما ذكرْنا، ولم يَشعُروا بأن هذا الصَّنيعَ من أشد التعصُّبِ وأقبح الظلم؛ بل ظنُّوا أن ذلك من نُصرة الدين، ورفْعِ مَنار المُحقِّين، ووضْعِ أمْرِ المُبطِلين؛ غفلةً منهم وتقليدًا (^١).
_________________
(١) ومثل هذا أيضًا ما رأيناه مِنْ بعض مشاهير زماننا في نَقدِه اللاذع القاسي لكل مَنْ خالف اجتهاده ومذهبَه من شيوخ أهل السنة والجماعة المشهود لهم بالعلم والرسوخ والأمانة؛ والمثيرُ للعَجَب أن هذا الشيخ الفاضل وأمثاله كانوا يَدْعون بألسنتهم إلى نبذ التعصب والاعتصامِ بحَبْل الدليل، واتساعِ الصدرِ لتقبُّل الخلاف! بينما تجدُ في كتبه ذلك النقدَ المرفوضَ، والطعون السيئة لمن خالفه في بعض المسائل العلمية التي وَسِعَ السلفَ فيها الخلافُ؛ وقد ترتَّب على أفعاله هو وأمثاله عفا اللَّهُ عنهم ثمراتٌ مريرة؛ أبرزها ثلاثة: الأولى: هَجرُ كثيرٍ من طلبة العلم الذين يفوقُ جهلُهم علمَهم لأولئك العلماءِ الثقات الذين طَعن فيهم وجرَّحهم بلسانِه وقلمه أكثرَ من مرة؛ مع إساءة الظنِّ بهم، وغمزِهم ولمزهم عند العالِم والجاهل، ونزع ثقةِ الناس تُجاهَهم في شتَّى بقاع الأرض؛ وما هذا إلا لأنهم اعتَقدوا في شيخهم الطاعن العصمةَ في كل ما يقول ويفعل!!. الثانية: سقوطُ منزلة وجاهِ هذا العالِم الطاعن بالرَّغم مما عنده من علمٍ نافع لدى الكثير من العلماء وطلبةِ العلم؛ مع ما يتبعُه ذلك من تجريحِه والطعن فيه وتحذيرِ الخلق منه ومن أخذ العلم عنه. الثالثة: فَقْدُ كثيرٍ من طلبة العلم خاصةً المبتدئين الثقةَ في علماء أهل السنة بالكلية؛ قائلين: كيف يَطعنون في بعضهم البعض، وهم أولى الناسِ بالأدب واتساعِ الصدر وحسن الخُلق؟ فيَنتجُ عن هذا أن يُلقوا بقلوبِهم وعقولِهم بين يدي أهل البدع والضلال لما يتَّسِمُون به من حُسنِ خُلُقٍ ظاهر، أو على أحسن الأحوال يَهجُرُ أولئك الطلابُ العلمَ وأهله، ويَسيرون في حياتِهم بعقولِهم وأهوائهم ضالِّين مضلِّين، فضلًا عن طَعنهم في علماء الأمة قاطبةً وتنفير الناس عنهم؛ فيُفسدون في الأرض ولا يُصلحون. وكلُّ هذه الثمرات وغيرُها كثير لا ينكرهُ إلا مكابرٌ لا يَدري ماذا يدور حوله في الدنيا، والمعصومُ من عصمه اللَّه ﵎.
[ ١٤٣ ]
وقد يقعُ ذلك بين أهل المذهبِ الواحد مع اتفاقهم في التقليدِ لإمامٍ واحدٍ، واعتقادِهم بمعتقَدٍ واحد، فإذا تصدَّى أحدُهم لتراجم أهل مذهبه، أطال ذَيلَ الكلام عند ذكر شيوخِه وتلامذته بكل ما يقدرُ عليه، وكذلك يوسِّعُ نطاقَ المَقام عند ترجَمته لمن له عليه أيُّ يدٍ كانت، فإذا تَرجم غيرَ شيوخِه وتلامذتِه وأهلِ مودَّته، طَفَّف لهم تطفيفًا، وأوسعهم ظلمًا وحَيفًا.
وإذا كان هذا مع الاتفاقِ في المذهب والمعتقَد، فما ظنُّك بما يكونُ مع الاختلاف في المذهب، والاتفاقِ في التسمي باسمٍ واحد إما باعتبارِ الاعتقاد، أو باعتبار أمرٍ آخر، كأهل المذاهب الأربعة؟! فإنهم اختلفوا في المذاهب، مع اتفاقهم على أنهم أهلُ السُّنة، واشتراكِ غالبهم في اعتقاد قول الأشعريِّ (^١)؛ فإن دائرةَ الأَهْوِيةِ (٢) حينئذٍ تتَّسع، ومحبةَ العصبيةِ تكثُر، كما تراه كثيرًا في تراجِم بعضِهم لبعض، خصوصًا فيما بين الحنابلة ومَن عَداهم من أهل المذاهب الأربعة، وكذلك فيما بين الحنفية ومَن عداهم، ومَن نظر في ذلك
_________________
(١) واعتقادُ الأشعريِّ ليس هو الاعتقادَ السلفي الصحيح؛ فضلًا عن اعتقادِ أتباعه لا سيما المتأخرين منهم؛ فإنهم زادوا ضلالاتٍ عقليةً وتقعيداتٍ ما أنزل اللَّهُ بها من سلطان، وحاكَموا بها نصوصَ الوحيين الشريفين، وصرَّحوا تصريحًا بأنه إذا تعارضت أدلةُ الشرع مع قواعدهم العقلية قدَّموا العقل عليها؛ محتجِّين بأن دلالاتِ العقول قطعيةٌ، ودلالاتِ النصوص ظنية!! وقد ترتب على هذا المسلكِ الذميم والفكرِ العقيم ظلمٌ كبيرٌ لنصوص الشرع المعظَّم، وتلاعبٌ وتحريفٌ وبدعٌ شنعاءُ يبرأُ منها الإسلامُ براءةً تامةً؛ وراجع غير مأمور الكتاب العظيم: «موقف ابن تيمية من الأشاعرة»، للعلامة الشيخ عبد الرَّحْمن المحمود وقد طُبع مؤخرًا في دار ابن الجوزي بالدمام؛ لتعلمَ صدقَ ما أقول، واللَّهُ الهادي إلى سواء السبيل. (٢) الأهوية: جمع «هوى».
[ ١٤٤ ]
بعين الإنصاف علم بالصواب؛ دَع عنك ما يقعُ مع الاختلاف في المذاهب والمعتقَدات؛ فإنه يبلغُ الأمرُ إلى عداوةٍ فوق عداوةِ أهلِ المِلل المختلِفة.
فطالبُ الإنصافِ لا يلتفتُ إلى شيءٍ ممَّا يقعُ من الجرح والتعديل بالمذاهب والنِّحل؛ فيُقبَلون جميعًا؛ إلَّا أن يكون ما جاء به المتمذهبُ مقوِّيًا لبدعته، أو كان على مذهبٍ لا يَرى بالكذبِ فيه بأسًا كما هو عند غُلاة الرافضة (^١).
وأما ما عدا الجرحَ والتعديل بالمذاهب والمعتقَدات، فإن كان المتكلمُ في ذلك بريئًا عن التمذهب والتعصُّب كما يُروى عن السلف قبل انتشار المذاهب، فاحرص عليه، واعمَل به على اعتبار صحةِ الرواية وصدورِه في الواقع، وأما باعتبار كونِهِ جارحًا أو غيرَ جارح، فذلك مفوَّضٌ إلى نظر المجتهد.
والذي ينبغي التعويلُ عليه: أن القدحَ إن كان يرجعُ إلى أمر يتعلقُ بالرواية كالكذبِ فيها، وضعفِ الحفظ، والمجازفة، فهذا هو القدحُ المعتبَر. وإن كان يرجعُ إلى شيءٍ آخر، فلا اعتدادَ به؛ وإن كان المتكلمُ متلبِّسًا بشيءٍ من هذه المذاهب، فهو مقبولٌ في جَرْح من يجرِّحُه من الموافقين له، وتزكيةِ مَنْ يُزكِّيه من المخالفين له (^٢).
_________________
(١) راجع ما سلف ص (١٠٤) عن كذب الرافضة. فائدة: هؤلاء الرافضة الذين سبق الكلام عليهم غير مرة؛ وإنما سُموا بِهذا الاسم لرفضِهم خلافةَ الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وقيل: لرفضهم زيد بن عليٍّ الذي أنكر عليهم طعنَهم في الشيخين ﵄؛ فقال لهم: «رفضمتوني؟ فقالوا: نعم»؛ فسُمُّوا رافضةً. مستفاد من طبعة الشيخ محمد بن صبحي حلَّاق (٥٣).
(٢) هذا الكلام يحتاج إلى تحرير من كتب «المصطلح»؛ فليرجع إليها.
[ ١٤٥ ]
وأما من جاء بما يَقتضي تعديلَ الموافق وجَرْح المخالف؛ فهذا مما ينبغي التوقُّفُ فيه حتى يُعرفَ من طريقٍ غيره، أو يُشتَهرَ اشتهارًا يقبله سامعه.