فإن قلت: وما هذه الأهليةُ التي يكون صاحبُها مَحِلًّا لوضع العلم فيه وتعليمِه إياه؟.
قلت: هي شرفُ المَحتِد (^٢)، وكَرَمُ النِّجَار (^٣)، وظهورُ الحسَب، أو كونُ في سَلفِ الطالب مَنْ له تعلُّقٌ بالعلم والصلاح ومعالِم الدين، أو بمعالي الأمور، ورَفيعِ الرُّتب.
وقد أشار إلى هذا النبيُّ ﷺ في الحديث الثابت عنه في «الصحيح»؛ فقال: «الناسُ معادنُ كمعادِنِ الذهبِ والفضة، خِيارُهم في الجاهلية خِيارُهم في الإسلام إذا فَقِهوا» (^٤).
_________________
(١) يُضام: يُذل.
(٢) المَحتِد: الأصل.
(٣) النِّجَار: الحَسَب.
(٤) صحيح: رواه أحمد (٢/ ٢٥٧)، والبخاري (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٥٢٦)، وابن حبان (٩٢)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٠١ ]
فاعتَبر ﷺ الخيارَ في الجاهلية، وليس ذلك لأمرٍ يتعلق بالدين فإنه لا دينَ في الجاهلية؛ بل المرادُ بخِيار أهل الجاهلية مَنْ كان منهم مِنْ أهل الشرف وفي البيوت الرفيعة؛ فإن هذا أمرٌ يَجذِبُ بطبع صاحبه إلى معالي الأمور، ويحولُ بينه وبين الرذائل، ويُوجِبُ عليه إذا دخل في أمرٍ أن يكونَ منه في أعلى محلٍّ وأرفع رتبةٍ، فمُتعلِّمُ العلمِ منهم يكونُ في أهله على أتمِّ وصفٍ وأحسنِ حال، غيرَ شامخٍ بأنفه، ولا مُتباهٍ بما حصَّله، ولا مترفِّعٍ على الناس بما نال منه.
وأما مَنْ كان من سَقَط المتاع، وسفسافِ أهل المهن كأهل الحياكة والعِصارة والقضابة (^١)، ونحو ذلك من المهن الدنيَّةِ والحِرَف الوضيعة، فإن نفسه لا تفارقُ الدناءة، ولا تجانِبُ السقوط، ولا تأبى المهانة (^٢)، ولا تنفرُ عن الضيم (^٣).
فإذا اشتَغل مشتغلٌ منهم بطلب العلم، ونال منه بعض النَّيل، وقع في أمور:
١ - منها: العُجبُ والزَّهْوُ والخُيَلاء؛ لأنه يرى نفسه بعد أن كان في أوضعِ مكانٍ وأخسِّ رتبةٍ قاعدًا في أعلى محل، وأرفعِ موضع؛ فإن منزلةَ
_________________
(١) القضابة: مهنة بيع العلف للبهائم. من بعض المطبوعات.
(٢) المهانة: الحقارة.
(٣) جاء في بعض المطبوعات: رغم أن كلام الشوكانى هنا يفيد التعميم، إلا أنه سيستثني بعضَ الأفراد من هذا الحكم العام، فهو يقول بعد ذلك بقليل: «ومن أنكر هذا، فعليه، بالاستقراء والتتبع، فإنه سيجدُ ما وجدناه، ويقفُ على صحة ما حكيناه، ولا يخرج من هؤلاء إلا النادر القليل، ولا يكون ذلك إلا لعرقٍ ينزعُه إلى الشرف ويجذبُه إلى الخير في سلفه القديم، وإن جَهِله مَنْ لم يعرفه». ولا شكَّ أن الكثيرين يختلفون مع الشوكانى في هذا الرأي استنادًا على كثير من الشواهد التاريخية.
[ ٢٠٢ ]
العلمِ وأهلِه هي المنزلةُ التي لا تُساميها منزلةٌ وإن عَلَت، ولا تساويها رتبةٌ وإن ارتفعت.
فبينما ذلك الطالبُ قاعدٌ بين أهل حِرفته من أهل الحياكة، أو الحجامة، أو الجزارة، أو نحوهم، في أخسِّ بقعةٍ، وأعظمِ مهانةٍ؛ إذ صار بين العلماء المعلِّمين الذين هم في أعلى منازلِ الدنيا والدين؛ فبمجرَّد ذلك يحصُلُ له من العُجبِ والتطاول على الناس والترفُّعِ عليهم ما يَعظُم به الضررُ على أهل العلم فضلًا عن غيرهم ممن هو دونَهم، مع ما ينضمُّ إلى ذلك مِنْ السُّخف الذي نشأ عليه، وتلقَّاه من سَلَفِه، وسقوطِ النفس، وضعفِ العقل، ونَذالةِ الهمَّة، ومثل تأثُّر الصبيِّ بما ينشأ عليه من أخلاق آبائه؛ [وهذا] لا ينكره أحد.
ولهذا يقولُ ﷺ فيما صح عنه في «الصحيح»: «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، ولكنْ أبواهُ يُهوِّدانِه، ويُنصِّرانِه، ويُمجِّسانه» (^١)؛ فإذا كان الصغيرُ ينطبع بطابع الكفر بسبب أبويه، فما بالُك بسائر الأخلاق التي يجدهم عليها؟!.
ومما يقع فيه هذا الطالبُ الناشئُ بين أهل الوضاعة، المرتضِعُ من ثدي الرَّقاعة (^٢): أنه بحُكم الطبع وإلْفِ المنشأ لا يرى في الناس إلَّا أهل حرفته وبَنِي مِهْنته؛ فيعودُ من حيث بدأ، ويرجعُ من الباب الذي خرج منه، فيكون في ذلك منَ الإهانةِ للعلم، والإزراءِ على أهله، والوضعِ بجانبهم ما لا يُقادَرُ قَدرُه؛ لأن هذا يراهُ الناسُ تارةً في المدارس قاعدًا بين أيدي شيوخ العلم مشاركًا للمتعلِّمين، وتارةً يرَونه في دكاكين الحجَّامين وحوانيت العطارين، ومَن جرى هذا المجرى منَ المحترفين.
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم ص (٣٢).
(٢) الرَّقاعة: الحمق والسفاهة.
[ ٢٠٣ ]
٢ - ومما يقع فيه: أنه بحُكم الطبع الذي استفاده منَ المنشأ وتطبَّع به من أبويه ومن يماثلُهما وإن دخل في مداخل العلم، وتزيَّا بزيِّ أهله، فهم أبغضُ الناس إليه، وأحقرُهم لديه؛ لا يُقيم لهم وزنًا، ولا يعترف لهم بفضيلة؛ بل يكون دَيدنُه وهِجِّيَراهُ (^١)، ومعنى كلامه وفحواه: هو التهاونُ بهم، وتحقير ما عظَّمه اللَّهُ من أمرهم، والإغراءُ بين أماثِلهم، والتعرُّضُ للمفاضلةِ بين فضائلهم، وإدخالُ الشحناء بينهم بكل ممكن.
ومَن أنكر هذا، فعليه بالاستقراءِ والتتبُّع، فإنه سيجدُ ما وجدناه، ويقفُ على صحة ما حَكَيناه، ولا يَخرج من هؤلاء إلا النادرُ القليل، ولا يكونُ ذلك إلا لعِرْقٍ ينزعُه إلى الشرف، ويجذبُه إلى الخير في سَلفِه القديم، وإن جَهِلَه مَنْ لم يعرفه.
وبالجملة: فهذا ما تُفيدُه التجربة، وتشيرُ إليه بعضُ الأدلة الشرعية، وإذا صحَّ قوله ﷺ: «واضِعُ العِلمِ في غير أهلِه كمُقلِّدِ (^٢) الخنازيرِ الجوهرَ»، ففيه أعظمُ عبرةٍ للمعتبرين منَ الحاملين لعلوم الدين.
وقد عزاه بعضُ أهل العلم إلى ابن ماجه، ولا أستحضرُه حالَ الرَّقْم (^٣) فيما هو في حفظي من أحاديث «سنن ابن ماجه»، فلْيُنظَر.
ثم كشفتُ عنه؛ فوجدتُه في «سنن ابن ماجه»، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسول ﷺ: «طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم، وواضعُ العلم عند غيرِ أهلِه كمقلِّد الخنازيرِ الجوهرَ واللؤلؤَ والذهب»، وفي إسناده «حفصُ بن سليمان
_________________
(١) دَيدنه وهجِّيراه: دأبُه وعادته.
(٢) التقليد: تعليق الشيء كالسلسلة في العنق.
(٣) الرَّقْم: الكتابة.
[ ٢٠٤ ]
البزَّاز (^١)»، وفيه مقال (^٢).
وأما مَنْ كان أهلًا للعلم، وفي مكانٍ من الشرف، فإنه يزدادُ بالعلم شرفًا إلى شرفه، ويكتسبُ به من حُسنِ السمت، وجميلِ التواضع، ورائقِ الوقار، وبديعِ الأخلاق: ما يزيدُ عِلمَه عُلوًّا، وعرفانَه تعظيمًا؛ فيتخلق بأخلاق الأنبياء ومَن يمشي على طريقهم من عامِلِي العلماء وصالحي الأمة، ويَعرفُ للعلم حقَّه، ويُعظِّمُه بما ينبغي من تعظيمه، فلا يكدِّرُه بالمطامع، ولا يشوبُه بالخضوع لأهل الدنيا، ولا يُجهِّمُه (^٣) بالتوصل به إلى ما في يد الأغنياء، فيكونُ عندهم مخدومًا لا خادمًا، ومقصودًا لا قاصدًا.