ولقد أهدَت لنا هذه الأيامُ ما لم يكن لنا في حساب؛ من زعانفَ (^٢) هم سَقَطُ المَتاع (^٣)، وفُقْعةُ القاع (^٤)، وأبناء الرَّعاع (^٥)، لابَسوا طلبةَ العلم بعض الملابسة، وشاركوهم بجامع الخِلطة والعِشرة في مثل النظر في مختصراتِ النحو؛ حتى صاروا ممن يتمكَّنُ من إعراب أواخِرِ الكلم، ثم طاحت بهم الطوايح (^٦)، ورمت بهم الروامي إلى مطالعة «تجريد الطوسي» (^٧) وبعض شروحه، وفهموا بعضَ مباحثه، فظنوا أنهم قد ظفِروا بما لم يظفر به أرسطاطاليس ولا جالينوس؛ دع مثل الكِندي والفارابي وابن سينا (^٨)؛ فإنهم عندهم في عِداد المقصرين! وأما الرازي وطبقتُه، فليسوا من أهل العلم
_________________
(١) أي: العلوم العقلية.
(٢) الزعانف: الذيول القصيرة.
(٣) سَقَط المتاع: ما يَسقط منَ المتاع ولا يُبالَى به لحقارته.
(٤) فُقعة القاع: قال المبرد ﵀: «يقال لمن لا أصل له: هو فُقعةٌ بقاع، وذلك لأن الفُقعة لا عروقَ لها ولا أغصان، والفقعة: الكمأة البيضاء». «الكامل في اللغة والأدب» (١/ ٢٣٢).
(٥) الرَّعاع: السفلة.
(٦) الطوايح: الانحرافات الجامحة.
(٧) هو كتاب: «تجريد العقائد»، ويعرف ب «تجريد الكلام»، لنصير الدين الطُّوسي الرافضي الخبيث الذي كان من المقرَّبين إلى هولاكو.
(٨) انظر عن الأخيرين كتاب: «وا محمداه»، للشيخ سيد العفَّاني.
[ ١٩٦ ]
في وِرْدٍ ولا صَدَر، وأما سائرُ العلماء المتبحِّرين في علم الشرع وغيره من أهل العصر وغيرهم، فهم عند هؤلاءِ النُّوَكاء الرُّقعاء (^١) لا يفهمون شيئًا ولا يعقلون.
فقبَّح اللَّهُ تلك الوجوه؛ فإنها صارت عارًا وشنارًا (^٢) على أهل العلم، وصار دخولُ مِثلِ هؤلاء الذين دنَّسوا عِرضَ العلم، وجهَّموا (^٣) وجهه، وأهانوا شرفه من أعظم المصائب التي أصابت أهلَه، وأكبرِ المِحن التي امتُحن بها حَمَلتُه؛ فإنه يَسمعُهم السامعُ يَثلِبون أعراض الأحياء والأمواتِ من المشهورين بالعلم، الذين قد اشتُهرت مصنفاتُهم، وانتشرت معارفُهم، فيَزهدُ في العلم، ويخافُ من أن يعرِّضَ نفسَه للوقيعة مِنْ مثل هؤلاء الجهلة.
وعلى أنهم لا يعرفون شيئًا إلا ما ذكرتُ لك، ولا يفهمون علمًا من العلوم لا بالكُنْهِ (^٤) ولا بالوجه؛ فما أحقَّ هؤلاء بالمَنع لهم عن مجالس العلم، والأخذِ على أيديهم منَ الدخول في مداخِلِ أهله، والتشبُّهِ بهم في شيءٍ من الأمور، وإلزامهم بملازمةِ حِرَفِ آبائهم وصناعاتِ أهلهم، والوقوفِ في الأسواق لمباشرة الأعمال التي يباشرُها سَلفُهم! فليس في مفارقتهم لها إلا ما جَلبوه من الشرِّ على العلم وأهله.
ولكنهم قد تَحذلقوا، وجعلوا لأنفسهم حِصنًا حصينًا، وسورًا منيعًا، فتظهَّروا بشيءٍ من الرَّفْض، وتلبَّسوا بثيابه، فإذا أراد مَنْ له غَيرةٌ على العلم المعاقبةَ لهم، وإعزازَ دين الإسلام بإهانتهم، قالوا للعامة: إنهم أُصيبوا بسبب
_________________
(١) النُّوَكاء: الحمقى: الرُّقعاء: السفهاء.
(٢) الشنار: العيب.
(٣) جهَّموا: أظلموا.
(٤) الكُنه: الحقيقة.
[ ١٩٧ ]
التشيُّع، وأُهينوا بما اختاروه لأنفسهم من محبةِ أهل البيت ﵃.
وقد علم اللَّهُ وكلُّ مَنْ له فَهمٌ أنهم ليسوا من ذلك في قَبيل ولا دَبير (^١)؛ بل ليس عندهم إلا التهاونُ بالشريعة الإسلامية، والتلاعبُ بالدين، والطعنُ على الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وسلامه؛ فضلًا عن غيرهم من المتمسكين بالشرع.
وكلُّ عارفٍ إذا سَمِع كلامَهم، وتدبَّر أبحاثَهم، يتضوَّعُ له (^٢) منها روائحُ الزندقة؛ بل قد يقفُ على ما هو صريحُ الكفر الذي لا يَبقى معه رَيب.
ولقد كان القضاةُ من أهلِ المذاهب في البلاد الشامية والمصرية والرومية (^٣) والمغربية وغيرها، يَحكُمون بإراقةِ دم من ظهر منه دون ما يظهرُ من هؤلاء حسْبما تحكيه كتبُ التاريخ، وقد أصابوا أصاب اللَّه بهم، فإعزازُ دين اللَّه هو في الانتقام مِنْ أعدائه المتنقِّصين به.