وها أنا أُرشدك على ما تستعينُ به على القيام بحُجةِ اللَّه، والبيانِ لِمَا أنزله، وإرشادِ الناس إليه، على وجهٍ لا تتعاظمُه، وتقدِّرُ فيه ما كنت تقدِّرُه من
_________________
(١) البِيض: السيوف. الطُّلا بضم الطاء: الأعناق، مفردها: «طلية»، وقيل: «طلاة».
(٢) الكُلَا: جمع «كُلْية»، والمقصود: الجُنُوب. وتكتب أيضًا بالألف اللينة «الكُلَى»، وهذا ما رجَّحتُه، واللَّهُ أعلم.
(٣) القالة: القول والكلام.
[ ٧٦ ]
تلك الأمور التي جبُنتَ عند تصوُّرها، وفَرِقتَ (^١) بمجردِ تخيُّلها، وهو: أنك لا تأتي الناس بغتةً، وتصكُّ وجوههم مكافحةً (^٢) ومجاهرةً، وتنعَى عليهم ما هم فيه نعيًا صُراحًا، وتطلبُ منهم مفارقةَ ما ألِفوه طلبًا مضيَّقًا، وتقتضيه اقتضاءً حثيثًا (^٣)؛ بل اسلُك معهم مسالكَ المتبصِّرين في جذب القلوب إلى ما يطلبُه اللَّهُ من عباده، ورغِّبْهم في ثواب المنقادين إلى الشرع، المؤثِرين للدليل على الرأي، وللحق على الباطل.
فإن كانوا عامةً، فهم أسرعُ الناس انقيادًا لك، وأقربُهم امتثالًا لِمَا تطلبُه منهم، ولستَ تحتاجُ معهم إلى كثيرِ مؤنة؛ بل اكتفِ معهم بترغيبهم في التعلُّم لأحكام اللَّه، ثم علِّمْهم ما علَّمَك اللَّهُ منها على الوجه الذي جاءت به الرواية، وصحَّ فيه الدليل، فهم يَقبلون ذلك منك قبولًا فطريًّا، ويأخذونه أخذًا خَلْقيًّا؛ لأن فطرتهم لم تتغيَّرْ بالتقليد، ولا تكدَّرت بالممارسة لعلم الرأي؛ ما لم يتسلَّط عليهم شيطانٌ من شياطين الإنس، قد مارَس علمَ الرأي، واعتقدَ أنه الحق، وأن غيره الباطل (^٤)، وأنه لا سبيل للعامة إلى الشريعة إلا بتقليدِ مَنْ هو مقلِّدٌ له، واتباعِ من يتَّبِعُه؛ فإنه إذا تسلَّط على العامة مثلُ هذا، وسوس لهم كما يوسوس الشيطان، وبالغ في ذلك؛ لأنه يعتقدُ ذلك من الدين،
_________________
(١) فَرِقتَ: خِفتَ.
(٢) مكافحةً: وجهًا لوجه.
(٣) أي: تطلبُ منهم أن يفعلوه سريعًا.
(٤) والآن انظرْ إلى أحوال عوامِّ المسلمين! حين تلطَّخت قلوبُهم وعقولُهم بلَوْثاتِ المذاهب الضالةِ والأفكار الهدامة التي دعاهم إليها شياطينُ الإنس؛ خاصةً بعد أن غزت قلوبَهم الوسائلُ الإعلامية الفاسدة المفسدة مرئيةً ومسموعةً ومقروءةً، فصار إقناعُهم بأنَّ ما هم فيه شرٌّ وضلال، وردُّهم إلى رُشدهم من أصعب وأشقِّ الأمور على الدعاة، وقليلًا ما يقبلون، والمعصومُ من عصمه اللَّه.
[ ٧٧ ]
ويقطعُ بأنه في فِعله داعٍ من دعاة الحق، وهادٍ من هُداة الشرع، وأن غيره على ضلالة.
وهذا وأمثاله هم أشدُّ الناس على من يريدُ إرشادَهم إلى الحق ودفعَهم عن البدع؛ لأن طبائعَهم قد تكدَّرت، وفِطَرَهم قد تغيَّرت، وبلغت في الكثافة والغِلظة والعَجْرَفة (^١) إلى حدٍّ عظيم لا تؤثِّرُ فيه الرُّقَى، ولا تبلغ إليه المواعظ، فلم تَبقَ عندهم سلامةُ طبائعِ العامةِ حتى ينقادوا إلى الحق بسرعة، ولا قد بلغوا إلى ما بلغ إليه الخاصةُ من رياضة أفهامهم، وتلطيفِ طبائعهم بممارسةِ العلوم التي تُتعقَّلُ بها الحُججُ الشرعية، ويُعرف بها الصواب، ويَتميز بها الحق، حتى صاروا إذا أرادوا النظر في مسألةٍ من المسائل أمكنهم الوقوفُ على الحق، والعثورُ على الصواب.
وبالجملة، فالخاصةُ إذا بقي فيهم شيءٌ من العصبية، كان إرجاعُهم إلى الإنصاف متيسِّرًا غيرُ متعسِّر؛ بإيراد الدليلِ الذي تقوم به الحجةُ لديهم؛ فإنهم إذا سمعوا الدليل عَرفوا الحق، وإذا حاولوا وكابروا، فليس ذلك عن صميم اعتقاد، ولا عن خلوصِ نية. فرياضةُ الخاصة بإيراد الأدلة عليهم، وإقامةِ حجج اللَّه، وإيضاحِ براهينه، وذلك يكفي؛ فإنهم لِمَا قد عرفوه من علوم الاجتهاد، ومارسوه من الدقائق لا يخفى عليهم الصواب، ولا يلتبسُ عليهم الراجحُ بالمَرجوح، والصحيحُ بالسقيم، والقويُّ بالضعيف، والخالصُ بالمغشوش.
ورياضةُ العامة بإرشادهم إلى التعلُّم، ثم بذلِ النفس لتعليمهم ما هو الحقُّ في اعتقاد ذلك المعلِّم، بعد أن صار داعيًا من دعاة الحق، ومرشدًا من
_________________
(١) العَجْرفة: فساد العقل وقلة المبالاة.
[ ٧٨ ]
مُرشدي المسلمين، ثم ترغيبُهم بما وعد اللَّهُ به، وإخبارُهم بما يستحقُّه مَنْ فعل كفعلهم مِنْ الجزاء والأجر، ثم يجعلُ لهم من القدوةِ بأفعاله مثلَما يجعله لهم من القدوة بأقواله أو زيادة؛ فإن النفوس إلى الاقتداء بالفَعَّال أسرعُ منها إلى الاقتداء بالقوَّال (^١).