وجرِّبْ هذا إن كنتَ ممن يفهم؛ فقد جرَّبناه، وجرَّبه مَنْ قَبلَنا، فلم يجدُوا رجلًا رافضيًّا يتنزَّهُ عن شيءٍ من محرمات الدين كائنًا ما كان! ولا تغترَّ بالظواهر؛ فإن الرجلَ قد يتركُ المعصيةَ في الملإ، ويكونُ أعفَّ الناسِ
_________________
(١) منصور (الحاكم بأمر اللَّه) ابن نزار: (٣٧٥ - ٤١١ هـ، ٩٨٥ - ١٠٢٥ م)، من خلفاء الدولة الفاطمية بمصر، متألِّه، غريب الأطوار. وأُعلنت الدعوة إلى تأليهه سنة (٤٠٧ هـ) فتحول لقبه إلى «الحاكم بأمره»، وفُتح سجل تكتب فيه أسماء المؤمنين به، فاكتُتب من أهل القاهرة سبعة عشر ألفًا كلهم يخشون بطشه. مستفاد من بعض المطبوعات.
(٢) الإمامية: الشيعة الروافض.
[ ١١٧ ]
عنها في الظاهر، وهو إذا أمكنته فرصةٌ انتهزها انتهازَ مَنْ لا يخافُ نارًا ولا يرجو جَنةً!.
وقد رأيتُ مَنْ كان منهم مؤذِّنًا، ملازمًا للجماعات، فانكشف سارقًا! وآخرُ كان يؤمُّ الناسَ في بعض مساجدِ «صنعاء»، وله سمتٌ حسن، وهديٌ عجيب، وملازمةٌ للطاعة، وكنتُ أُكثِرُ التعجبَ منه: كيف يكون مثلُه رافضيًّا؟ ثم سمعتُ بعد ذلك عنه بأمورٍ تقشعرُّ لها الجلود، وترتجفُ منها القلوب.
وكان لي صديقٌ يُكثِرُ المجالسةَ لي والوصولَ إليَّ، وفيه رفضٌ يسير، وهو متنزِّهٌ عن كلِّ محظور، ثم ما زال ذلك يَزيدُ به لأسباب؛ حتى صار يصنِّفُ في مثالبِ جماعةٍ من الصحابة، ثم صار يمزِّقُ أعراضَ جماعةٍ من أحياءِ أهل العلم والأموات، وينسبُهم إلى النَّصْبِ (^١)؛ لمجردِ كونِهم لا يوافقونه على رفضه! ثم صار يتَّصلُ به جماعةٌ، ويأخذون عنه من الرفض ما لا يتظاهرُ بمثله أهلُ هذه الديار!.
وكنتُ أعرف منه في مبادئِ أمره صلابةً وعِفَّةً، فقلتُ: إذا كان ولابد من رافضيٍّ عفيف، فهذا! ثم سمعتُ عنه بفواقرَ، نسأل اللَّهَ السِّترَ والسلامة.
وأمَّا وُثوبُ هذه الطائفةِ على أموالِ اليتامى والمستضعَفينَ ومن يَقدِرون على ظُلمه كائنًا من كان، فلا يَحتاج إلى برهان؛ بل يكفي مُدَّعيَه إحالةُ مُنكِرِهِ على الاستقراء والتتبُّع؛ فإنه سيَظفر عند ذلك بصحةِ ما ذكرناه.
ولقد جرَّبتُ أهلَ عصري في هذه المادةِ تجريبًا عظيمًا لتعلُّقي بما تتعلَّقُ به الأطماع، واختباري الناسَ على اختلاف طبقاتِهم.
ولا شك أن الدنيا مؤثَرة، وأن الوثوبَ على مصالحها وتقديمَها وانتهازَ
_________________
(١) النصب: بغضُ عليٍّ ﵁، كما بيَّن المصنف ﵀ في ص (١٠١).
[ ١١٨ ]
الفُرَص فيما يتعلقُ بها غيرُ مختصٍّ بِهؤلاء، بل هو عامٌّ لكل الفِرَق، والزاهدُ فيها المؤثِرُ للدين عليها هو الشاذُّ النادر، لكنَّ هؤلاء لهم مزيدُ تكالُب، وعظيمُ تهافُت، وشدةُ تهالُك، مع عَدم وقوفٍ عند حدودِ الشرع، واقتصارٍ على ما فيها مِنْ تحليل وتحريم.
ومِن أقرب حوادث الرفض في ديارنا هذه: أنه كان جماعةٌ من المتظهِّرين بالعلم، يُملُون على الناس في «جامع صنعاء» في شهر رمضانَ سنةَ ستَّ عشرةَ ومِئةٍ بعد الألف [١١١٦ هـ] في كُتب فضائل عليِّ بن أبى طالب ﵁، وكانوا نحوَ ثلاثةٍ أو أربعة؛ كلُّ واحدٍ منهم قد اجتمع عليه جماعةٌ كثيرةٌ من العامة؛ وكان أحدهم يُملِي على كرسيٍّ مرتفع، ويُسرَجُ حولَه الشمعُ الكثير، فيَجتمعُ من الناس عددٌ كثيرٌ جدًّا لقصد الفرجة كما يُتفق في مثل هذا، وكانوا يُشرِبُون (^١) المناقبَ بذكر مثالبِ بعض الصحابة، ويَحُطُّون من بعضهم، ويُصرِّحون بسبِّ البعض، ويتوجَّعون من البعض.
وكان ما يصدرُ من هؤلاء مِنْ هذه الأمور إنما هو مطابقةٌ للوزير الرافضيِّ الذي قدَّمتُ لك ذِكرَه، ولا سيَّما صاحبُ الكرسيِّ، وهذا الوزيرُ لم يكن رفضُه لوازعٍ دينيٍّ كما يَتفقُ لكثيرٍ من أهل الجهل المتعلقين بالرفض؛ فهو أنذلُ من ذاك وأقلُّ، ولكنه يَفعل ذلك مساعدةً لجماعةٍ من شياطين المتفقِّهةِ المتعصِّبةِ؛ يدخُلون إليه فيقولون: «إنه لم يَبقَ مَنْ يُحامي عن هذا الأمر سواك، وإنك ركنُ التشيع، وملجأُ أهله …»، ونحو هذه العبارات، فيبالغُ في التظهُّرِ بِهذه الخصلة، ويُحِبُّ نسبةَ ذلك إليه، فكان الرفضُ مُكمِّلًا لمثالبِه، مُتمِّمًا لمعايبه؛ لأنه في كل بابٍ من أبواب القبائح قريعُ دهره، ونَسِيجُ
_________________
(١) يُشربون: يخلطون.
[ ١١٩ ]
وَحْدِه!!.