الإمامُ العلَّامة الرباني، والسهيلُ الطالع من القُطر اليماني، إمامُ الأئمة، ومفتي الأمة، بحر العلوم، وشمس الفهوم، سندُ المجتهدين الحُفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريدُ العصر، نادرُ الدهر، شيخُ الإسلام، قدوةُ الأنام، علامة الزمان، ترجُمان الحديث والقرآن، علمُ الزهَّاد، أوحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين، آخِرُ المجتهدين (^١)، رأسُ الموحِّدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يُسبق إلى مثلها، قاضي الجماعة، شيخُ الرواية والسماعة، عالي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهادِ على الأكابر الأمجاد، المطَّلع على حقائق الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها.
قال القاضي العلَّامة عبد الرَّحْمن بن أحمد البهكلي في كتابه: «نفح العود في أيام الشريف حَمود»: كان مولد شيخنا الشوكاني يوم الإثنين الثامن والعشرين من ذي قعدة الحرام، سنة اثنتين وسبعين بعد مئةٍ وألف كما أخبرني بذلك في بلده «هجرة شوكان»، ونشأ على العفاف، والطهارة، وما زال يجمع النشأ، ويحرز المكرمات، له قراءة على والده، ولازم إمام الفروع في زمانه القاضي أحمد بن محمد الحرازي، وانتفع به في الفقه.
وأخذ النحو والصرف عن السيد العلامة: إسماعيل بن حسن، والعلامة: عبد اللَّه بن إسماعيل النهمي، والعلامة: القاسم بن محمد الخَوْلاني؛ وأخذ علم البيان والمنطق والأصلين عن العلَّامة حسن بن محمد المغربي، والعلامة: عليِّ بن هادي عرهب؛ ولازم في كثير من العلوم مجددَ زمانه، السيد:
_________________
(١) وصفٌ فيه غلوٌّ ظاهر؛ إذ إن الاجتهاد لا ينقطع في هذه الأمة، وهذا ما كان يقرره كثيرًا الإمام الشوكاني نفسه.
[ ١٣ ]
عبد القادر بن أحمد الحسني الكوكباني.
وأخذ في علم الحديث عن الحافظ: عليِّ بن إبراهيم بن عامر وغير ذلك من المشائخ في جميعِ العلوم العقلية والنقلية، حتى أحرز جَميعَ المعارف، واتفق على تحقيقه المُخالفُ والمُوالف، وصار مشارًا إليه في علوم الاجتهاد بالبَنان، والمجلِّي في معرفة غوامض الشريعة عند الرهان.
له المؤلفات في أغلب العلوم، ومنها: كتاب: «نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار» لجدِّ ابن تيمية ﵀ في أربع مجلدات كبار (^١)، لم تكتحل عينُ الزمان بمثله في التحقيق، أعطى فيه المسائلَ حقَّها في كل بحثٍ على طريق الإنصاف، وعدم التقيد بمذهب الأسلاف، وتناقله عنه مشائخُه فمن دونَهم، وطار في الآفاق في حياته، وقُرئ عليه مرارًا، وانتفع به العلماء، وكان يقول: إنه لم يرضَ عن شيءٍ من مؤلفاته سواه، لما هو عليه من التحرير البليغ، وكان تأليفه في أيام مشائخه، فنبَّهوه على مواضع منه حتى تحرَّر.
وله التفسيرُ الكبير المسمى: «فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدراية من التفسير»، وقد سبقه إلى التأليف في الجمع بين الرواية والدرايةِ العلامةُ: محمد بن يحيى بن بهران، فله تفسيرٌ في ذلك عظيم، لكنَّ تفسير شيخنا أبسطُ وأجمع وأحسن ترتيبًا وترصيفًا؛ وقد ذكر الحافظ السيوطي في «الإتقان» أنه جعله مقدمةً لتفسيرٍ جامعٍ للدراية والرواية سماه «مطلع البدرين ومجمع البحرين».
وله: مختصر في الفقه على مقتضى الدليل، سماه: «الدرر البهية في المسائل الفقهية»، وشرحه شرحًا نافعًا سماه: «الدراري المضيَّة» أورد فيه
_________________
(١) وهو مطبوعٌ في دار ابن الجوزي العامرة في ستة عشر مجلدًا، بتحقيق الشيخ الفاضل محمد بن صبحي حلَّاق.
[ ١٤ ]
الأدلة التي بنى عليها ذلك المؤلف.
وله: «وبل الغمام حاشية على شفاء الأوام»، للأمير حسين بن محمد الإمام.
وله: «در السحابة في مناقب القرابة والصحابة».
وله: «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة».
وله: «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول»؛ يعزُّ نظيره وترصيفه، وحسن ترتيبه وتصنيفه.
وله: «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار»، كان تأليفه في آخر مدَّته، ولم يؤلف بعده شيئًا فيما أعلم، وقد تكلم فيه على عيون من المسائل، وصحح من المشروع ما هو مقيدٌ بالدلائل، وزيَّف ما لم يكن عليه دليل، وحسَّن العبارة في الرد والتعليل.
والسبب في ذلك: أنه نشأ في زمنه جماعةٌ من المقلِّدةِ الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، ولم تزل المصاولةُ والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحثِ من غير حُجة، فجعل كلامه في ذلك الشرح في الحقيقة موجهًا إليهم، في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد؛ وقد ألف في ذلك رسالةً سماها: «القول المفيد في حكم التقليد»، وقد تحاماه لما حواه جماعةٌ من علماء الوقت، وأرسل إليه أهلُ جهته بسببه سهامَ اللوم والمقت، وثارت من أجل ذلك فتنةٌ في صنعاء بين من هو مقلد، وبين من هو مقتدٍ بالدليل، توهُّمًا من المقلِّدين أنه ما أراد إلا هدمَ مذهب أهل البيت، لأن «الأزهار» هو عمدتُهم في هذه الأعصار، وعليه في عبادتِهم والمعاملة على المدار، وحاشاه من التعصُّب على من أوجب اللَّهُ تعالى محبتهم، وجعل أجر نبيِّنا ﷺ في
[ ١٥ ]
تبليغ الرسالة مودتَهم؛ لأن له الولاءَ التام لهم، وقد نشر محاسنهم في مؤلفه «در السحابة» بما لم تخالج بعده ريبة لمرتاب؛ على أن كلامه مع الجميع من أهل المذاهب سواءٌ بسواء، لأن المأخذ واحد، والردَّ واحد، والخطبَ يسير، والخلاف في المسائل العلمية الظنية سهل، لأنها مطارحُ أنظار، والاجتهاد يدخلها، والمصيب من المجتهدين في ذلك له أجران، والمخطئ له أجر، وهذا شأن أهل العلم في كل زمانٍ ومكان، ما بين رادٍّ ومردودٍ عليه، وكلٌّ مأخوذٌ من قوله ومتروك، إلا صاحب العصمة ﷺ.
ومَن طالع الكتبَ الإسلامية في الفروع والأصولِ على اختلاف أنواعها، عرف ذلك، وهان عليه سلوك هذه المسالك، ومَن وزن الأمور بالإنصاف، لا تخفى عليه الحقيقة، ومن جَمَد على التقليد، وضاق عطَنُه عن مدارك الاستدلال، فما له والاعتراضِ على المجتهدين؟!! ولا ينبغي أن يضايقَ المجتهد في اجتهاده لأجل توقُّفه في موقفه الذي هو التقليد، وقد تفضل اللَّهُ عليه بالاجتهاد، والتقليدُ لا يجوز إلا لغير المجتهد، والاجتهادُ غير متعذر، ومَن اعترض على المجتهد فيما أدى إليه اجتهادُه فقد تحجَّر الواسع، وجرى على خلاف نَهج السلفِ من أهل العلم.
وللمترجَم له تاريخٌ حافلٌ سماه «البدر الطالع، بمحاسن من بعد القرن السابع»، جرى فيه من ذلك الوقت إلى زمانه؛ وابتدأ فيه بذكر عابد اليمن «إبراهيم الولي» المشهور، وله جُملةُ رسائل من مطوَّلاتٍ ومختصرات، وقد جُمعت فتاواه ورسائله، فجاءت في مجلدين، وسماها ابنه العلامة عليُّ بن محمد ب «الفتح الرباني» (^١)، وله في الأدب اليد الطولى، وله أشعارٌ كثيرة
_________________
(١) وقد طبع أيضًا بتحقيق الشيخ محمد بن صبحي حلَّاق في اثني عشر مجلدًا.
[ ١٦ ]
مدونة، قد رتبها ابنه المذكور على حروف المعجم، فجاءت في ديوان، وقد أخذتُ عنه في كثير من الفنون العلمية، وأخذتُ عنه غالب مؤلفاته، وبموته أُطفئ على أهل اليمن مصباحهم المنير (^١)، ولا أظنُّ يرَون مثله في تحقيقه للعلوم والتحرير، وقد جرت بيني وبينه مكاتبةٌ أدبية، ومراسلةٌ لمسائل علمية، هي عندي مثبتةٌ بخطه.
وعلى الجملة: فما رأى مثل نفسه، ولا رأى مَنْ رأى مثله، علمًا، وورعًا، وقيامًا بالحقِّ، بقوةِ جَنان، وسلاطةِ لسان.
وكانت وفاته في شهر جُمادى الآخرةِ في سنةِ خمسينَ بعد المِئَتين والألف، وقد كان تُوُفِّي قبله بمدةٍ يسيرة ابنُه العلامة عليُّ بن محمد، وهو أحدُ محققي العلماء، وممن لازم والده في جميع المعارفِ حتى بلغ ذُروةَ العلوم تحقيقًا وتدقيقًا، وقد شاركتُه في الأخذ على والده في كثير من مقروآته، وقد كنت قلت في والده مراثي، لولا الإطالة لذكرتُها. انتهى كلامه رحِمه اللَّه تعالى بلفظه ومعناه، مع التلخيص.
هذا؛ وقد قُلِّد ولاية القضاء من جهة الإمام المنصور باللَّهِ عليِّ بن العباس، في أوائل شهر شعبان سنة (١٢٢٩)، وتوفَّاه اللَّهُ تعالى يوم الأربعاءِ في السادس والعشرين من جُمادى الآخرةِ من شهور سنة (١٢٥٠)، وكان بين وفاته ووفاة ولده «عليِّ بن محمد» نحو شهر وكان قد توفَّاه اللَّه قبله، ولم يُظهر والدُه جزعًا ولا حزنًا، وكان ولدًا صالحًا عالمًا، مبرَّزًا في جَميعِ العلوم، وكان نادرةَ وقته على صغر سنه؛ قيل: إنه تُوُفِّي وهو في حدود العشرين؛ رحم اللَّهُ الجميع برحْمتِه. انتهى (^٢).
_________________
(١) في العبارة غلوٌّ مرفوض.
(٢) «أبجد العلوم» (٣/ ٢٠٢: ٢٠٥)، للعلامة صديق حسن خان، وانظر أيضًا مقدمة تحقيق «نيل الأوطار» ط: دار ابن الجوزي بالدمام.
[ ١٧ ]
قال أبو شُعيب عفا اللَّهُ عنه: وكثيرون هم الذين ترجَمُوا لهذا الإمام العلم ﵀، فمن أراد التوسُّعَ والاستفاضةَ فليرجعْ إلى مظانِّ ترجَمته؛ أسألُه تعالى أن يتغمَّده بواسع رحمتِه، وأن يرفعَه درجاتٍ في المهديين، وأن يجعلَ عملَه كلَّه صالحًا نافعًا للطلبةِ إلى يوم الحشر المبين، آمين.
* * *
[ ١٨ ]