وإني أخبرُك أيها الطالبُ عن نفسي، وعن الحوادثِ الجاريةِ بيني وبين أهل عصري؛ ليزداد يقينُك، وتكونَ على بصيرةٍ فيما أرشدتُك إليه.
اعلمْ أني كنتُ عند شروعي في الطلب على الصِّفةِ التي ذكرتُها لك سابقًا (^١)، ثم كنتُ بعد التمكُّنِ من البحث عن الدليل والنظر في مجاميعه أذكرُ في مجالس شيوخي ومواقفِ تدريسهم وعند الاجتماع بأهل العلم ما قد عرفتُه من ذلك، لا سيَّما عند الكلام في شيءٍ من الرأي مخالفٍ للدليل، أو عند ورودِ قولِ عالِمٍ من أهل العلم قد تمسَّك بدليلٍ ضعيف، وتَرَك الدليلَ القوي، أو أَخَذ بدليلٍ عام وبعملٍ خاص (^٢)، أو بمطلقٍ وطَرَح المقيِّد، أو بمُجمَلٍ ولم يعرف المبيِّن، أو بمنسوخٍ ولم يَنتبه للناسخ، أو بأولٍ ولم يعرف بآخِر (^٣)، أو بمَحضِ رأيٍ؛ ولم يبلغه أن في تلك المسألةِ دليلًا يتعينُ عليه العملُ به؛ فكنتُ إذا سمعتُ بشيءٍ من هذا لا سيَّما في مواقفِ المتعصِّبين ومجامعِ الجامدين تكلَّمتُ بما بلغَتْ إليه مقدرتي، وأقلُّ الأحوال أن أقول: «استدلَّ هذا بكذا، وفلانٌ المخالفُ له بكذا، ودليلُ فلانٍ أرجح لكذا»، فما زال أُسَراءُ (^٤) التقليد يستنكرون ذلك ويستعظمونه لعدم الفهم به، وقبولِ
_________________
(١) راجع ص (٣٣).
(٢) المقصود: أنه أخَذ بدليلٍ عام، وهناك ما يخصِّصه، أو خصَّص عملًا عامًّا بلا وجهِ تخصيص، كأهل البدع الذين يخصِّصون أوقاتًا وأماكنَ بعباداتٍ لم يأذن اللَّهُ تعالى بها، واللَّهُ سبحانه أعلم.
(٣) أي: عَرف جانبًا من شيءٍ، ولم يُحِطْ علمًا ببقيته، وهذا من أعظم سبل الخطأ والزلل.
(٤) أُسَراء: جمع «أسير».
[ ٤٩ ]
طبائعهم له، حتى وَلَّد ذلك في قلوبهم من العداوةِ والبغضاء ما اللَّهُ به عليم.
ثم كنتُ إذا فرغتُ مِنْ أخذ فنٍّ من الفنون، أو مصنَّفٍ من المصنَّفات على شيوخي، أقبَلَ جماعةٌ من الطلبة إليَّ، وعوَّلوا عليَّ في تدريسهم في ذلك، فكان يأخذُ أترابي (^١) شيءٌ من الحسد الذي لا يخلو عنه إلَّا القليل، ثم تكاثر الطلبةُ عليَّ في علوم الاجتهاد وغيرها، وأخذوا عني أخذًا خاليًا عن التعصُّب، سالمًا من الاعتساف (^٢)، فكنتُ أُقرِّرُ لهم دليلَ كلِّ مسألة، وأوضِّحُ لهم الراجحَ فيها، وأصرِّحُ لهم بوجوبِ المصير إلى ذلك، وكانوا قد تمرَّنوا وعرَفوا علومَ الاجتهاد، وذهب عنهم ما تكدَّرت به فِطَرُهم من المغيِّرات، فزَادَ ذلك المخالِفينَ عداوةً وشناعةً وحسدًا وبُغضًا، وأطلقوا ألسنتَهم بذلك، وكان مع ذلك تَرِدُ إليَّ أبحاثٌ مِنْ جماعةٍ مِنْ أهل العلم الساكنين بصنعاءَ وغيرِهم من أهل البلاد البعيدةِ والمدائن النائية (^٣)، فأُحرِّرُ الجواباتِ إليهم في رسائلَ مستقلةٍ، مما يُرغِّبُ تلامذتي لتحصيل ذلك، وتنتشرُ في الناس.
فإذا وَقف عليه المتعصِّبون، ورأَوه يخالفُ ما يعتقدون، استشاطَوا غضبًا، وعرَضوا ذلك على مَنْ يَرْجُون منه الموافقةَ والمساعدة؛ فمِن ثالبٍ بلسانه، ومعترِضٍ بقلمه! وأنا مصمِّمٌ على ما أنه فيه، لا أنثني عنه، ولا أميلُ عن الطريقة التي أنا فيها، وكثيرًا ما يرفعون ذلك إلى مَنْ لا علمَ عنده من رؤساءِ الدولة الذين لهم في الناس شهرةٌ وصَولة، فكان في كلِّ حينٍ يبلغُني مِنْ ذلك العجب، ويُناصحُني مَنْ يُظهِرُ لي المودة، ومَن لا تخفى عليه حقيقةُ ما أقوله
_________________
(١) الأتراب: المقاربين في السِّن. وجاء في المطبوعات بعدها: «شيئًا»!!.
(٢) الاعتساف: السير في غير الطريق الصحيح.
(٣) المدائن: المُدُن. النائية: البعيدة.
[ ٥٠ ]
وحَقَّيتُه؛ مع اعترافهم بأن ما أسلُكُه هو ما أخذه اللَّهُ على الذين حَمَلوا الحُجة، لكنهم يتعلَّلون بأن الواجب يَسقُطُ بدون ذلك، ويذكُرون أحوالَ أهل الزمان، وما هم عليه، وما يَخشَونه من العواقب، فلا أرفع لذلك رأسًا، ولا أُعوِّلُ عليه (^١)، وكنتُ أتصورُ (^٢) في نفسي أن هؤلاء الذين يتعصَّبون عليَّ ويُشغلون أنفسَهم بذِكري والحطِّ عليَّ: هم أحد رجلين:
إما جاهلٌ لا يدري أنه جاهل، ولا يَهتدي بالهداية، ولا يعرف الصواب. وهذا لا يعبأ اللَّه به.
أو رجلٌ متميزٌ، له حظٌّ من علم، وحِصَّةٌ (^٣) مِنْ فهم، لكنه قد أَعمى بصيرتَه الحسدُ، وذهب بإنصافه حبُّ الجاه؛ وهذا لا ينجعُ فيه الدواء، ولا تنفعُ عنده المُحاسَنة (^٤)، ولا يؤثِّرُ فيه شيءٌ.
فما زلتُ على ذلك، وأنا أجدُ المنفعةَ بما يصنعونه أكثرَ من المَضرَّة، والمصلحةَ العائدةَ على ما أنا فيه بما هم فيه أكثرَ من المفسدة.
ولقد اشتدَّ بَلاؤهُم، وتفاقَمت مِحنتُهم في بعض الواقعات، فقاموا قَومةً شيطانية، وصالُوا صولةً جاهلية؛ وذلك أنه وردَ إليَّ سؤالٌ في شأنِ ما يقعُ مِنْ كثير منَ المقصِّرين من الذم لجماعةٍ من الصحابة صانَهم اللَّهُ، وغَضِب على من يَنتهكُ أعراضَهم المصونة، فأجبتُ برسالةٍ ذكرت فيها ما كان عليه أئمةُ الزيدية (^٥) من أهل البيت وغيرهم، ونقلتُ إجماعَهم من طُرق، وذكرتُ
_________________
(١) أعوِّل: أعتمد. والمقصود: لم ألتفت إليه.
(٢) أتصوَّر: أعتقد وأعلم.
(٣) الحِصَّة: القِسْم.
(٤) المُحاسنة: المخاطبة بالحُسنى.
(٥) الزيدية: فرقةٌ من فِرق الشيعة، تُنسب إلى «زيدِ بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب» ﵃، كان الزيدية يَرون أن «زيدَ بن عليٍّ» أحقُّ بالإمامة من أخويه محمد وعمر، وقد قسَّمهم الشيخ أبو زهرة إلى قسمين:
(٦) المتقدِّمون منهم، المتَّبِعون لأقوال زيدٍ ﵀، وهؤلاء يعترفون بإمامةِ الشيخين أبي بكر وعمر ﵄. وبذلك فهم مِنْ أقرب الفرق لأهل السُّنة والجماعة.
(٧) المتأخِّرون منهم، وهؤلاء يُعَدُّون من الرافضة؛ إذ يرفضُون إمامةَ الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ويسبُّونَهما، ويكفِّرون مَنْ يرى خلافتهما. * انظر: «فرق معاصرة تنتسب للإسلام»، للشيخ غالب عواجي (٢/ ١٩٦) فما بعد.
[ ٥١ ]
كلماتٍ قالها جماعةٌ من أكابر الأئمة، وظننتُ أنَّ نَقلَ إجماعِ أهل العلم يرفعُ عنهم العَمَاية، ويردُّهم عن طُرق الغِواية، فقاموا بأجْمعهم، وحرَّروا جواباتٍ زيادةً على عشرين رسالةً مشتملةً على الشتم والمُعارضةِ بما لا يَنفُقُ إلَّا على بَهيمة، واشتغلوا بتحرير ذلك، وأشاعُوه بين العامة، ولم يجدوا عند الخاصةِ إلَّا الموافقةَ تقيةً لشرِّهم، وفِرارًا من مَعرَّتِهم.
وزاد الشرُّ وتفاقَم، حتى أبلغوا ذلك إلى أربابِ الدولة، والمخالِطين للملوك من الوزراء وغيرِهم، وأبلغوه إلى مقامِ خليفةِ العصر حفظه اللَّهُ، وعظَّم القضيةَ عليه جماعةٌ ممن يتصلُ به؛ فمنهم مَنْ يشيرُ عليه بحَبسي، ومنهم من ينتصحُ له (^١) بإخراجي من موطني، وهو ساكتٌ لا يلتفتُ إلى شيءٍ من ذلك! وقايةً من اللَّه وحِمايةً لأهل العلم، ومدافعةً عن القائمين بالحُجة في عباده.
ولم تكن لي إذ ذاك مُداخلةٌ لأحدٍ من أرباب الدولة، ولا اتصالٌ بهم، واشتدَّ لَهَجُ الناس بِهذه القضية، وجعلوها حديثَهم في مَجامعهم، وكان مَنْ بيني وبينهم مودةٌ يشيرون عليَّ بالفرار أو الاستتار، وأَجْمعَ رأيُهم على أني إذا لم أساعدهم على أحدِ الأمرين، فلا أعودُ إلى مجالسِ التدريس التي كنتُ
_________________
(١) ينتصح له: يُظهر له النصح.
[ ٥٢ ]
أدرِّسُ بها في «جامع صنعاء»، فنظرتُ ما عند تلامذتي، فوجدتُ أنفسَهم قويةً، ورغبتَهم في التدريس شديدةً إلا القليل منهم فقد كادوا يستترون من الخوف، ويفرُّون من الفزع؛ فلم أجد لي رخصةً في البُعد عن مجالس التدريس، وعُدتُ.
وكان أولُ درسٍ عاودتُه عند وصولي إلى الجامع في «أصول الفقه» بين العشاءين، فانقلب مَنْ بالجامع، وتركوا ما هم فيه من الدرس والتدريس، ووقفوا ينظُرون إليَّ متعجِّبين منَ الإقدام على ذلك؛ لِمَا قد تقرَّر عندهم مِنْ عِظَم الأمر، وكثرةِ التهويل والوعيدِ والترهيب، حتى ظنُّوا أنه لا يمكنني البقاءُ في صنعاء فضلًا عن المعاودة للتدريس!! ثم وصل وأنا في حالِ ذلك الدرس جماعةٌ لم تَجْرِ لهم عادةٌ بالوصول إلى الجامع، وهم متلفِّعون بثيابهم لا يُعرفون، وكانوا ينظرون إليَّ، ويقفون قليلًا، ثم يذهبون، ويأتي آخرون؛ حتى لم يَبقَ شكٌّ من أحدٍ أنها إن لم تحصُل منهم فتنةٌ في الحال، وقعت مع خروجي من الجامع، فخرجتُ من الجامع وهم واقفون على مواضعَ من طريقي، فما سمعتُ من أحدِهم كلمةً فضلًا عن غير ذلك، وعاودت الدروسَ كلَّها، وتكاثر الطلبةُ المتميِّزون زيادةً على ما كانوا عليه في كلِّ فن، وقد كانوا ظنوا أنه لا يستطيع أحدٌ أن يقفَ بين يديَّ مخافةً على أنفسهم من الدولة والعامة، فكان الأمرُ على خلاف ما ظنُّوه، وكنت أتعجبُ من ذلك، وأقولُ في نفسي: هذا مِنْ صُنع اللَّهِ الحَسَن، ولُطفِه الخفي؛ لأن مَنْ كان الحاملُ له على ما وقع الحسدَ والمنافسة، لم ينجح كيدُه؛ بل كان الأمرُ على خلاف ما يريد.
ومِن عجيبِ ما أشرحُه لك، أنه كان في درسٍ بالجامع بعد صلاة العشاء
[ ٥٣ ]
الآخرة في «صحيح البخاري» يحضُره من أهل العلم الذين مقصدُهم الروايةُ وإثبات السماع جماعة، ويحضرُه من عامةِ الناس جَمعٌ جمٌّ لقصد الاستفادة بالحضور، فسَمِع ذلك وزيرٌ رافضيٌّ من وزراء الدولة، وكانت له صولةٌ وقبولُ كلمةٍ بحيث لا يخالفُه أحد، وله تعلُّقٌ بأمر الأجناد، فحمله ذلك على أنِ استدعى رجلًا من المساعدين له في مذهبه؛ فنَصَب له كرسيًّا في مسجدٍ من مساجد صنعاء، ثم كان يُسرَجُ له الشَّمعُ الكثير في ذلك المسجدِ حتى يصيرَ عجبًا من العجب؛ فتسامع به الناس، وقَصدوا إليه من كل جانب، لقصد الفُرجة والنظر إلى ما لا عَهدَ لهم به، والرجلُ الذي على الكرسيِّ يُملِي عليهم في كلِّ وقتٍ ما يتضمنُ الثلبَ لجماعةٍ من الصحابة صانَهم اللَّه! ثم لم يكتفِ ذلك الوزير بذلك؛ حتى أغرى جماعةً من الأجناد من العبيد وغيرهم بالوصول إليَّ لقصد الفتنة، فوصلوا وصلاةُ العشاءِ الآخِرةِ قائمةٌ، ودخلوا الجامع على هيئةٍ منكرة، وشاهدتُهم عند وصولهم، فلما فرغت الصلاة، قال لي جماعةٌ من معارفي: إنه يحسُن تركُ الإملاء تلك الليلةَ في «البخاري»! فلم تَطِبْ نفسي بذلك، واستعنتُ باللَّه، وتوكلتُ عليه، وقعدتُ في المكان المعتاد، وقد حضر بعضُ التلاميذ، وبعضُهم لم يحضُر تلك الليلة لمَّا شاهَد وصول أولئك الأجناد، ولمَّا عقدتُ الدرس وأخذتُ في الإملاء، رأيتُ أولئك يدورون حولَ الحلقة من جانبٍ إلى جانب، ويُقعقِعون بالسلاح، ويضربون سلاحَ بعضهم في بعض، ثم ذهبوا ولم يقع شيءٌ بمعونة اللَّه تعالى وفضله ووقايته.
ثم إن ذلك الوزيرَ (^١) أكثَرَ السِّعايةَ (^٢) إلى المَقام الإمامي هو ومَن يوافقُه
_________________
(١) يعني: الرافضي.
(٢) السِّعاية: الوقيعة عند الخليفة.
[ ٥٤ ]
على هواه، ويطابقُه في اعتقادِه من أعوان الدولة، واستعانوا برسائلَ بعضُها من علماءِ السوء، وبعضُها من جماعةٍ من المقصِّرين، الذين يظنُّهم مَنْ لا خبرة له في عِدادِ أهل العلم.
وحاصلُ ما في تلك الرسائل: أني قد أردتُ تبديلَ مذهبِ أهل البيت ﵈، وأنه إذا لم يَتداركْ ذلك الخليفةُ بَطَل مذهبُ آبائه ونحوُ هذا من العباراتِ المفتراة، والكلماتِ الخشِنة، والأكاذيب الملفَّقة، ولقد وقفتُ على رسالةٍ منها لبعض أهل العلم ممن جَمَعني وإياه طلبُ العلم، ونَظَمَنا جميعًا عِقدُ المودَّةِ وسِابقُ الأُلفة (^١)، فرأيتُه يقول فيها مخاطبًا لإمام العصر: إن الذي ينبغي له ويجب عليه: أن يأمر جماعةً يَكبِسُون (^٢) منزلي، ويهجُمون على مسكني، ويأخذون ما فيه من الكتب المتضمِّنةِ لما يوجِبُ العقوبةَ على الاجتهاداتِ المخالفةِ للمذهب، فلمَّا وقفتُ على ذلك قضيتُ منه العجب، ولولا أن تلك الرسالةَ بخطِّه المعروفِ لديَّ لَمَا صدقتُ، وفيها من هذا الزُّورِ والبَهْتِ والكلماتِ الفظيعةِ شيءٌ كثير، وهي في نحو ثلاثة كراريس.
وعند تحرير هذه الأحرُف (^٣) قد انتقم اللَّهُ منه، فشرَّده إمامُ العصر إلى
_________________
(١) بيَّن الشيخ محمد بن صبحي حلَّاق أن الذي فعل هذا هو الفقيهُ إسماعيل بن عز الدين ابن محمد النعمي، الذي اشترك مع العامةِ في ثورتِهم على الإمام الشوكاني، وقد ألف رسالةً رد بها على الإمام الشوكاني سماها: «السيف الباتر المضي لكشف الإيهام والتمويه في إرشاد الغبي»!! فانظر إلى قلةِ الأدب في العنوان! وما عسى مثلُ تلك العناوين فضلًا عن المضامين أن تفعلَ في طلبة العلم الذي يتتلمذون على يدِ هذا وأمثاله؟!.
(٢) يَكبِسون: يُغِيرُون على الدار.
(٣) أي: عند كتابة هذا الكتاب «أدب الطلب».
[ ٥٥ ]
جزيرةٍ من جزائر البحر مقرونًا في السلاسل بجماعةٍ من السُّوقة وأهلِ الحِرَف الدنيئة، وأهلَكه اللَّهُ في تلك الجزيرة، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف].
وكان حدوثُ هذه الحادثةِ عليه ونزولُ هذه الفاقرةِ (^١) به بمرأًى ومَسمَعٍ من ذلك الوزير الرافضي؛ الذي ألَّف له تلك الرسالة، استجلابًا لما عنده، وطلبًا للقرب إليه وتودُّدًا له.
ومِن جُملةِ ما وقفتُ عليه من الرسائل المؤلَّفةِ بعنايةِ هذا الوزير: رسالةٌ من بعض مشايخي الذين أخذتُ عنهم بعضَ العلوم الإلهيَّة (^٢)، وفيها من الزُّورِ ومَحضِ الكذب ما لا يُظنُّ بمن هو دونه، وما حَمَله على ذلك إلَّا الطمعُ في الوزير، فعاقبه اللَّهُ بقَطعِ ما كان يَجري عليه من الخليفة، وأُصيب بفقرٍ مُدقِعٍ وفاقةٍ شديدة، حتى صار عبرةً من العِبر. وكان يَفِدُ إليَّ يشكو حاله وما هو فيه من الجَهدِ والبلاء، فأَبلُغُ جَهدي في منفعته وما يسُدُّ فاقته.
وهكذا جماعةٌ من المترسِّلين عليَّ، المبالِغين في إنزال الضررِ بي، أرجعهم اللَّهُ إليَّ راغِمين (^٣)، وأحوَجَهم لمعونتي مضطرَّين، ولم أعاقِبْ أحدًا منهم بما أسلفه، ولا كافَيتُه (^٤) بما قدَّمه.
فانظر صُنعَ اللَّه مع مَنْ عُودي وأُوذي لأجل تمسُّكه بالإنصاف، ووقوفِه عند الحق!.
اللَّهم إني أحَمدُك على جميلِ صُنعك، وجزيلِ فضلك، وجميلِ طَولك (^٥)،
_________________
(١) الفاقرة: الداهية.
(٢) يقصد علوم العقيدة.
(٣) راغمين: أذلاء.
(٤) كافيته: انتصرت منه.
(٥) الطَّول بفتح الطاء: الإنعام.
[ ٥٦ ]
حَمدًا يتجددُ بتجدُّدِ الأوقات، ويتعددُ بعدد المعدودات، وإني وإن لم أكنْ أهلًا لما أوليتَه، فأنت له أهلٌ وبه حقيقٌ (^١)، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك.
ومما أسوقُه إليك أيُّها الطالب، وأُعجِّبُك منه: أنه كان لي صديقٌ بمدينة من مدائن اليمن، جَمعني وإياه الطلبُ والأُلفةُ والوداد، وكان عاليَ القدْر ورفيعَ المنزلةِ في العلم، كبيرَ السن، بعيدَ الصِّيت، مشهورَ الذكر، ولعله كان يُفيد الطلبة في الفقه قبل مولدي، وقرأَ عليه بعضُ شيوخي، ورحَل إلى صنعاء، وطلب علومَ الاجتهاد في أيام طلبي لها، وكان بيني وبينه من المودَّةِ أمرٌ عظيم، وله معي مذاكراتٌ ومباحثاتٌ وترسُّلاتٌ في فوائدَ كثيرة، هي في «مجموع رسائلي»، فلمَّا حدث ما حدث من قيامِ مَنْ قام عليَّ من الخاصة والعامة، وكان إذ ذاك قد فارق صنعاء، وعاد إلى مدينته، وعكف عليه الطلبة، واستفادوا به في الفنون، فقاموا عليه، وقالوا: إنه بلغ إلينا ما حَدَث من أليفِك الذي تُكثِرُ الثناءَ عليه والمذاكرةَ له من مخالفةِ المذهب والتظهُّر بالاجتهاد؛ فإن كنتَ موافقًا له قمنا عليكَ كما قام عليه أهلُ صنعاء، وإن كنتَ تخالفُه فيما ظهر منه، فترسَّل عليه.
فوَصَلت منه رسالةٌ في عدة كراريس، وما حَمَله على ذلك إلا المداراةُ لهم والتقيةُ منهم، وظاهرُها المخالفة، وباطنُها الموافقة، مع حُسن عبارة، وجَودةِ مسلك، ولم أستنكرْ ذلك منه، ولا أنَّبتُه عليه؛ فإن الصدعَ بالحق والتظهُّرَ بما لا يوافق الناسَ من الحق؛ لا يستطيعُه إلَّا الأفراد وقليلٌ ما هم.
ووصلت رسائلُ من جماعةٍ آخرينَ في مدائنَ بعيدةٍ من صنعاء، فيها ما
_________________
(١) حقيق: جدير.
[ ٥٧ ]
هو موافقٌ لي، مقوٍّ لِمَا ذهبتُ إليه، وفيها ما هو مخالفٌ لذلك، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾ [هود].
وليس بعجيبٍ خِذلانُ مَنْ خذلني، ولم يقُم بنصري، ولم يَصدع بالحق في أمري من علماء صنعاءَ العارِفين بالعلوم، المتمسِّكين منها بجانبٍ يفرِّقون به بين الحقِّ والباطل، فثورةُ العامةِ يتَّقيها غالبُ الناس، ولا سيَّما إذا حَطَّبوا في جبل مَنْ ينتمي إلى دولةٍ، ويتصلُ بمَلِكٍ، ويتأيدُ بصولة، ويأبى اللَّهُ إلا أن يُتمَّ نوره، وينصرَ دينه، ويؤيِّدَ شَرعه.
وبالجملة: فالشرحُ لما حدث لي من الحوادث في هذا الشأن يطول، ولو ذهبتُ أسردُها وأذكرُ ما تعقَّبها مِنْ ألطاف اللَّه التي هي مِنْ أعظم العِبر، ومِنَحِهِ التي لا تبلغها الأفهامُ، ولا تُحيط بها الأوهام (^١)، لم يَفِ بذلك إلا مصنَّفٌ مستقل.
وليس المقصودُ هاهنا إلَّا ما نحن بصدده مِنْ تنشيطِ طالب العلم وترغيبِه في التمسُّك بالإنصاف، والتحلِّي بحِليةِ الحق، والتلبُّسِ بلِباسِ الصدق، وتعريفِه بأن قيامَه في هذا المقام كما أنه سببُ الفوز بخيرِ الآخرة، هو أيضًا سببُ الوصول إلى ما يطلبُه أهلُ الدنيا من الدنيا، وأن له الثأرَ على مَنْ خالفه، والظهورَ على ما ناوأه (^٢) في حياته وبعد موتِه، وأنه بِهذه الخَصلةِ الشريفة التي هي الإنصاف ينشُرُ اللَّهُ علومه، ويُظهِرُ في الناس أمرَه، ويرفعُه إلى مقامٍ لا يصلُ إلى أدنى مراتبهِ مَنْ يتعصبُ في الدين، ويطلبُ رضاءَ الناس بإسخاطِ رب العالمين.
_________________
(١) الأوهام: العقول والخيالات.
(٢) ناوأه: عاداه.
[ ٥٨ ]