وإني أقول بعد هذا: إنه لا ينبغي لعالِمٍ أن يَدينَ بغير ما دان به السلفُ الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ من الوقوفِ على ما تقتضيهِ أدلةُ الكتابِ والسُّنة، وإبرازِ الصفات كما جاءت، وردِّ عِلمِ المتشابهِ (^١) إلى اللَّهِ سبحانه، وعدمِ الاعتداد بشيءٍ من تلك القواعدِ المدوَّنةِ في هذا العلم (^٢) المبنيةِ على شفا جُرُفٍ هارٍ من أدلة العقل التي لا تُعقل، ولا تثبُت إلَّا بمجرد الدعاوَى والافتراء على العقل بما يطابقُ الهوى، ولا سيَّما إذا كانت مخالِفةً لأدلة الشرع الثابتة في الكتابِ والسُّنة؛ فإنها حينئذٍ حديثُ خرافة، ولُعبةُ لاعب، فلا سبيل للعِبادِ يتوصَّلون به إلى معرفةِ ما يتعلقُ بالرب سبحانه، وبالوعدِ والوعيد، والجنة والنار، والمبدإ والمعاد؛ إلا ما جاءت به الأنبياء صلواتُ اللَّه عليهم وسلامه عن اللَّه سبحانه، وليس للعقول وصولٌ إلى تلك الأمور، ومن زَعم ذلكَ فقد كَلَّف العقولَ ما أراحها اللَّهُ منه، ولم يتعبَّدْها به؛ بل غايةُ ما تُدرِكُه، وجُلُّ ما تَصِلُ إليه هو: ثبوتُ الخالق الباري، وأن هذه المصنوعاتِ لها صانع، وهذه الموجوداتِ لها مُوجِد (^٣)، وما عدا
_________________
(١) المُتشابه: الذي يشتبه علمه على العباد.
(٢) يقصد المبنية على أصول المتكلمين المخالفة لما عليه السلف الطيبون.
(٣) يقصد الإمامُ مما سبق: أن الاعتماد على العقول في العقيدة؛ يخلُصُ منه العبدُ بعدَ طول نظر إلى معرفةِ أن هذا الكونَ له مُوجِدٌ وخالق! ولا شك أن هذه المعرفةَ فطريةٌ غير نظرية وإن كان اليقينُ بها يزداد بكثرة التأمل في الآيات الكونية، وإنما المقصودُ الأعظمُ من إرسال الرسل وإنزالِ الكتب هو إقامةُ توحيد الألوهية، وهو ما ضلَّ فيه أكثر الخلق، وقد بينتُ هذا في أكثر من موضع من تعليقاتي على «إحياء علوم الدين».
[ ١٨٢ ]
ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب اللَّه ﷿ وعلى ألسُنِ رُسُله فلا يُستفاد من العقل؛ بل من ذلك النقلِ الذي منه جاءت، وإلينا به وَصلت.
واعلمْ أنى عند الاشتغال ب «علم الكلام»، وممارسةِ تلك المذاهب والنِّحل، لم أَزدَدْ بها إلا حَيرةً، ولا استفدتُ منها إلا العلمَ بأن تلك المقالات خزعبلاتٌ (^١)؛ فقلت إذ ذاك مشيرًا إلى ما استفدته من هذا العلم:
ومِن نظري بعدَ طولِ التدبُّرِ … وغايةُ ما حَصَّلتُه مِنْ مَباحثي
فما عِلمُ مَنْ لم يَلْقَ غيرَ التحيُّرِ؟! … هو الوقفُ ما بين الطريقينِ حَيرةً
وما قَنِعَتْ نفسي بدونِ التبحُّرِ … على أنني قد خُضْتُ منه غِمارَهُ
وعند هذا رميتُ بتلك القواعدِ من حالقٍ، وطرحتُها خلف الحائط، ورجعت إلى الطريقةِ المربوطةِ بأدلة الكتاب والسُّنة، المَعمودةِ (^٢) بالأعمدةِ التي هي أوثقُ ما يَعتمد عليه عِبادُ اللَّه، وهم الصحابةُ ومَن جاء بعدهم مِنْ علماء الأمة المقتدِين بهم، السالكين مسالكَهم؛ فطاحت الحَيرة، وانجابت ظُلمةُ العَماية، وانقشعتْ سحابةُ الجهالة، وانكشفت ستورُ الغِواية، وللَّهِ الحمد (^٣).
على أني وللَّهِ الشكر لم أشتغل بِهذا الفنِّ إلَّا بعد رسوخ القدَم في أدلة
_________________
(١) الخزعبلات: التخاريف والضلالات.
(٢) المعمودة: الثابتة الراسخة.
(٣) وهذا يؤيد ما قلتُه من قبلُ: أنه لا ينبغي بل لا يحلُّ الاشتغالُ بكلام المتكلمين وشبهاتِهم التي ظنوها حُججًا قطعيةً، قبل الرسوخ في عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وتأمل كيف وصل الحالُ بالإمام الشوكاني نفسه بأن وقع في الحَيرة والتخبط؛ هذا وهو الذي سيعترفُ الآن أنه ما قرأ كتب المتكلمين إلا بعد الرسوخ في عقيدةِ أهل السنة والجماعة؛ فما بالُنا بمن اختلَّت عقيدته الصحيحة؛ بل قد لا يعرفها أصالةً!!.
[ ١٨٣ ]
الكتاب والسُّنة، فكنتُ إذا عَرَضتْ مسألةٌ من مسائله مبنيةٌ على غير أساس؛ رجعتُ إلى ما يدفعُها من علم الشرع، ويدمغُ زائفها (^١) من أنوار الكتاب والسنة، ولكنى كنتُ أُقدِّرُ في نفسي أنه لو لم يكن لديَّ إلا تلك القواعدُ والمقالات، فلا أجدُ حينئذٍ إلا حيرةً، ولا أمشي إلا في ظُلمة، ثم إذا ضربتُ بها وجهَ قائلها، ودخلت إلى تلك المسائل مِنْ الباب الذي أَمر اللَّهُ بالدخول منه، كنتُ حينئذٍ في راحةٍ من تلك الحيرة، وفي دَعَةٍ من تلك الخُزعبلات، والحمدُ للَّهِ رب العالمين عَدَدَ ما حَمِدَه الحامدون بكل لسانٍ في كل زمان.