ولقد تتبعتُ أحوالَ كثيرٍ من القائمين بالحق، المبلِّغين له كما أمر اللَّهُ، المرشِدين إلى الحق، فوجدتُهم يَنالون من حُسن الأُحدوثة (^٤)، وبُعد الصِّيت، وقوةِ الشهرة، وانتشارِ العلم، ونَفَاقِ (^٥) المؤلَّفات وطيرانها وقبولها في الناس ما لا يَبلغُه غيرهم، ولا ينالُه مَنْ سواهم، وسأذكرُ لك هنا جماعةً ممن
_________________
(١) صحيح: رواه أحمد (٥/ ٣٣٣)، والبخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦)، وأبو داود (٣٦٦١)، وابن حبان (٦٩٣٢)، من حديث سهل بن سعدٍ ﵁.
(٢) سوَّلته: زيَّنته.
(٣) يعني المتعصِّبة الجهلاء.
(٤) الأحدوثة: الذِّكر.
(٥) النَّفاق بفتح النون: السريان والانتشار، عكس «الكساد».
[ ٤٤ ]
اشتُهرت مذاهبُهم، وانتشرت أقوالُهم، وطارت مصنَّفاتُهم بعدَما نالَهم من المحنة ما نالهم:
كإمام دارِ الهجرة «مالك بن أنس»، فإنه بُلِيَ بخصوم، وعاداه مُلوك، فنشر اللَّهُ مذهبَه في الأقطار، واشتُهر من أقواله ما ملأ الأنجادَ والأغوار (^١).
كذلك الإمامُ «أحمد بن حنبل»؛ فإنه وقع له منَ المحن التي هي مِنحٌ ما لا يخفى على مَنْ له اطلاع، وضُرب بين يَدَيِ «المعتصم» العباسي ضربًا مبرِّحًا، وهَمُّوا بقتله مرةً بعد مرَّة، وسجَنوه في الأمكنةِ المظلمة، وكبَّلوه بالحديد، ونوَّعوا له أنواعَ العذاب، فنَشر اللَّهُ مِنْ علومه ما لا يَحتاج إلى بيان، ولا يفتقرُ إلى إيضاح، وكانت العاقبةُ له، فصار بعد ذلك إمامَ الدنيا غيرَ مدافَع، ومَرْجِعَ أهلِ العلم غيرَ منازَع، ودَوَّن الناسُ كلماتِه، وانتفعوا بها، وكان يتكلمُ بالكلمةِ فتطيرُ في الآفاق، فإذا تكلم بالكلمةِ في رجلٍ بجَرح، تَبِعَه الناس، وبَطَل علمُ المجروح! وإن تكلم في رجلٍ بتعديل، كان هو العدلَ الذي لا يَحتاج بعدَ تعديله إلى غيره.
ثم الإمام «محمد بن إسماعيل البخاري»، أصابه من محمد بن يحيى الذُّهْلِيِّ وأتباعِه من المحنةِ ما مات به كَمَدًا (^٢)، ثم جعل اللَّهُ تعالى كتابه «الجامع الصحيح» كما ترى أصحَّ كتابٍ في الدنيا، وأشهرَ مؤلَّفٍ في الحديث، وأجلَّ دفترٍ من دفاتر الإسلام.
ثم انظر أحوالَ مَنْ جاء بعد هؤلاء بدهرٍ طويل، ك «ابنِ حزمٍ المَغرِبي»،
_________________
(١) الأنجاد: المرتفعات. الإغوار: السفليات.
(٢) أنصح بالاستماع إلى محاضرات «أولئك آبائي»، لشيخنا الحبيب أبي إسحاق الحويني؛ حيث فصَّل الكلام على حياة الإمام البخاري ﵀.
[ ٤٥ ]
فإنه أُصيب بمِحَنٍ عظيمةٍ، بسبب ما أظهره من إرشاد الناس إلى الدليل والصَّدعِ بالحق، وتضعيفِ علم الرأي؛ حتى أفضى ذلك إلى امتحانِ الملوك له، وإيقاعِهم به، وتشريدِه من مواطنه، وتحريقِ مصنَّفاته، ومع ذلك نَشر اللَّهُ من علومه ما صار عند كل فرقةٍ، وفي كل بلاد المسلمين، وبين ظَهرانَيْ كل طائفة.
ثم كذلك شيخ الإسلام «تقي الدين ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم»؛ فإنه لما أبان للناس فسادَ الرأي، وأرشدَهم إلى التمسُّك بالدليل، وصَدَع بما أمره اللَّهُ به، ولم يَخَفْ في اللَّه لومةَ لائم، قام عليه طوائفُ من المُنتمِين إلى العلم، المنتحِلين له من أهلِ المناصب وغيرهم، فما زالوا يحاولون ويُصاولون، ويَسعَون به إلى الملوك، ويَعقِدون له مجالسَ المناظرة، ويُفتون تارةً بسَفك دمه، وتارةً بتشريده، وتارةً باعتقاله، فنشر اللَّهُ من فوائده ما لم يُنشر بعضُه لأحدٍ من معاصريه، وترجَمه أعداؤه فضلًا عن أصدقائِه بتراجمَ لم يتيسَّر لهم مثلُها، ولا ما يقارنُها لأحدٍ من الذين يتعصَّبون لهم ويَدأبُون في نشر فضائلهم، ويُطرِئون (^١) في إطرائهم، وجَعَل اللَّهُ له من ارتفاع الصِّيت وبُعدِ الشهرة ما لم يكن لأحدٍ من أهل عصره، حتى اختَلف مَنْ جاء بعدَ عصره في شأنه، واشتغلوا بأمره، فعاداه قومٌ، وخالَفهم آخرون، والكلُّ معترفون بقَدْره، معظِّمُون له، خاضعون لعلومه، واشتُهر هذا بينهم غايةَ الاشتهار، حتى ذكره المترجِمُون لهم في تراجِمِهم، فيقولون: «وكان منَ المائلين إلى ابن تيمية أو المائلين عنه»!.
وهذه الإشارةُ إنما هي لقَصدِ الإيضاح لك، لتعلمَ بما يصنعُه اللَّهُ لعباده
_________________
(١) الإطراء: المبالغة في المدح، وتأتي بمعنى المدح ذاته؛ كما في التي بعدها.
[ ٤٦ ]
وعلماءِ دينه وحَمَلَةِ حُجته، وفي كلِّ عصرٍ من هذا الجنس من تقومُ به الحجةُ على العباد (^١).
وانظر في أهلِ قُطْرنا، فإنه لا يخفى عليك حالُهم إن كنتَ ممن له اطلاعٌ على أخبار الناس وبحثٌ عن أحوالهم، كالسيد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير (^٢)؛ فإنه قام داعيًا إلى الدليل في ديارنا هذه في وقتِ غربةٍ، وزمانِ ميلٍ منَ الناس إلى التقليد، وإعراضٍ عن العملِ بالبرهان؛ فناله من أهلِ عصره منَ المحن ما اشتملت عليه مصنفاتُه، حتى ترسَّلَ عليه (^٣) مَنْ ترسَّل مِنْ مشائخِه برسالة، حاصلُها الإنكارُ عليه لِما هو فيه من العمل بالدليل وطرْحِ التقليد (^٤)، وقام عليه كثيرٌ من الناس، وثَلَبوه (^٥) بالنَّظْم والنثر، ولم يضرَّه ذلك شيئًا، بل نشر اللَّهُ من علومهِ وأظهر من معارفِه ما طار كلَّ مَطار.
ثم جاء بعده مع طولِ فصلٍ وبُعدِ عهدٍ السيد العلَّامة الحسن بن أحمد الجلال، والعلَّامة صالح بن مَهْديٍّ المَقْبَلي (^٦)، فنالَا من المحَن والعداوةِ مِنْ أهل عصرهِما ما حَمَل الأول على استقراره في «هجرة الجراف» (^٧)
_________________
(١) ونحسَبُ أن الإمامَ الشوكاني ﵀ نال من الشهرة والصِّيت والانتفاعِ بعلومه الجليلةِ نصيبًا موفورًا مما ناله مَنْ حكى أحوالهم، وتلك مِنةُ اللَّهِ وفضلُه وثوابُه العاجلُ في الدنيا قبل الآخرة؛ وما ذاك إلَّا باتباع الدليل ونبذِ التقليد.
(٢) العلَّامة البارع صاحب «العواصم من القواصم»، و«إيثار الحق على الخلق».
(٣) ترسَّل: أرسل الرسائل.
(٤) انظر: مقدمة «العواصم من القواصم»، بتحقيق الشيخ الجليل شعيب الأرنؤوط.
(٥) ثلبوه: عابوه وانتقصوه وطعنوا فيه.
(٦) العلَّامة الكبير صاحب «العَلَم الشامخ»، انظر ترجمته في «البدر الطالع» (رقم ٢٠٤).
(٧) اسم بلدةٍ.
[ ٤٧ ]
منعزلًا عن الناس، وحَمَل الثاني على الارتحال إلى الحرم الشريف، والاستقرارِ فيه حتى توفَّاهُ اللَّهُ فيه، ومع هذا؛ فنشر اللَّه من علومهما وأظهر [مِنْ] مؤلفاتِهما ما لم يكن لأحدٍ من أهل عصرهِما ما يقاربه؛ فضلًا عن أن يساويَه.
ثم كان في العصر الذي قبلَ عصرنا هذا: السيدُ العلَّامة محمد بن إسماعيل الأمير (^١)، وله في القيام بحُجةِ اللَّه، والإرشادِ إليها، وتنفيرِ الناس عن العمل بالرأي، وترغيبِهم إلى علم الرواية ما هو مشهورٌ معروف، فعاداه أهلُ عصره، وسَعَوا به إلى الملوك، ولم يتركوا في السعي عليه بما يضرُّه جَهدًا، وطالت بينه وبينهم المصاولةُ والمُقاولة (^٢)، ولم يَظفَروا منه بطائل، ولا نَقَصوه من جاهٍ ولا مال، ورَفعه اللَّهُ عليهم، وجعل كلمتَه العُليا، ونَشر له من المصنَّفاتِ المطوَّلةِ والمختصَرةِ ما هو معلومٌ عند أهل هذه الديار، ولم ينتشِرْ لمعاصِريه المؤذِينَ له المبالِغين في ضرره بحثٌ من المباحث العلمية، فضلًا عن رسالة، فضلًا عن مؤلَّفٍ بسيط (^٣)! فهذه عادةُ اللَّهِ في عباده، فاعلمْها وتيقَّنْها.
وكان شيخُنا السيد العلَّامة عبد القادر بن أحمد ﵀ من أكثر الناس نشرًا للحق، وإرشادًا له، وتلقينًا له، وهدمًا لما يخالفه، فجعله اللَّهُ عَلَمًا يُقتدى به، ومرجعًا يأوي إليه أهلُ عصره، وأخضَعَ له كلَّ مخالفٍ له، واعترفَ له كلُّ واحدٍ بأنه إمامُ عصره، وعالِمُه، ومجتهدُه، ولم يضرَّه ما كان ينالُه به
_________________
(١) العلَّامة البارع «الصنعاني»؛ صاحب «سبل السلام».
(٢) المصاولة: المشاجرة والمجادلة. المقاولة: تبادل المقالات.
(٣) البسيط لغةً: الواسع الممتد. فإن كان الإمامُ الشوكاني يقصد بكلمة بسيط: اليسير القليل، فهو خطأ لغوي، وإن كان يقصد المؤلَّف الكبير، فهو الصواب، واللَّهُ أعلم.
[ ٤٨ ]
المخالِفون له من الغِيبةِ التي هي غايةُ ما يقدِرون عليه، ونهايةُ ما يبلُغون إليه!.