وكيف لا يجدُ مرارةَ الحبس للنفس مَنْ كان في زاويةٍ من زاويا المساجد، ومقصورةٍ من مقاصِرِ المدارس، لا ينظرُ إلَّا في دَفتر، ولا يتكلمُ إلا في فنٍّ من الفنون، ولا يتحدثُ إلَّا إلى عالِمٍ أو متعلِّم! وأترابُه ومعارفُه من قرابته وجيرانِه وذَوِي سِنه وأهلِ نشأته وبلدِه يتقلَّبون في رافهِ العيش ورائقِ القصف (^١).
وإذا انضمَّ لذلك الطالبِ إلى هذه المرارةِ الحاصلةِ له بعَزفِ النفس عن شهواتِها مرارةٌ أخرى، هي إعوازُ الحال (^٢)، وضِيقُ المكسب، وحقارةُ الدخْل، فإنه لابد أن يَجِدَ من المرارةِ المتضاعِفة ما يَعظُمُ عنده موقعُه، لكنه يذهب عنه ذلك قليلًا قليلًا.
فأولُ عُقدةٍ تنحلُّ عنه مِنْ عُقَدِ هذه المرارة: عندما يتصورُ ما يؤول به الأمرُ وينتهي إليه حالُه من الوصول إلى ما قد وَصل إليه مَنْ يَجِدُه في عصره من العلماء، ثم تنحلُّ عنه العقدةُ الثانية بفَهم المباحث، وحِفظِ المسائل، وإدراكِ الدقائق؛ فإنه عند ذلك يجدُ من اللذةِ والحلاوةِ ما يَذهَبُ بكل مرارة.
ثم إذا نال مِنْ المعارف حظًّا، وأحرَزَ منها نصيبًا، ودخل في عِدادِ أهل
_________________
(١) القَصْف: اللهو واللعب.
(٢) إعواز الحال: شدة الفقر.
[ ١٦٧ ]
العلم، كان مُتقلبًا في اللذات النفسانية التي هي اللذاتُ بالحقيقة، ولا يَعدِمُ عند ذلك من اللذات الجُسمانيةِ ما هو أفضل وأَحلَى من اللذات التي يتقلَّبُ فيها كلُّ مَنْ كان مِنْ أترابه.
وهو إذا وازَنَ بين نفسِه الشريفة وبين فردٍ من معارفِه الذين لم يشتغلوا بما اشتغل به، اغتَبط (^١) بنفسه غايةَ الاغتباط، ووَجد من السرور والحُبور ما لا يُقادَرُ قَدْرُه؛ هذا باعتبار ما يجدُه من اللذةِ النفسانيةِ عندما يجدُ نفسه عالمةً ونفسَ معارفه جاهلةً.
ويزدادُ ذلك بما يحصُلُ له من لوزام العلم؛ من الجلالة، والفخامة، وبُعدِ الصِّيت، وعِظَمِ الشهرة، ونَبالةِ الذِّكر، ورِفعةِ المَحِلِّ، والرجوع إليه في مسائل الدين، وتقديمه على غيره في مطالب الدنيا، وخضوعِ مَنْ كان يُزري عليه، ويَستخفُّ بمكانِه من بني عصره، فإذا جَمَعهم مجلسٌ من مجالس الدنيا، كانوا له بمنزلةِ الخدم، وإن كان على غايةٍ من الإفلاس والعَدم (^٢).
_________________
(١) اغتبط: سَعِد وفَرِح.
(٢) يقول العلَّامة أبو إسحاقَ الشاطبي ﵀: «كلُّ علمٍ شرعيٍّ؛ فطلبُ الشارعِ له إنما يكونُ من حيثُ هو وسيلةٌ إلى التعبُّد به للَّهِ تعالى، فإنْ ظَهر فيه اعتبارُ جهةٍ أخرى فبالتبعِ والقصدِ الثاني؛ لا بالقصد الأول …»، ثم ذكر الأدلةَ على هذه القاعدة الجليلة؛ ثم قال: «ولا يُنْكِرُ فضلَ العلمِ في الجُملةِ إلا جاهلٌ، ولكنْ له قصدٌ أصليٌّ وقصدٌ تابعٌ؛ فالقصد الأصلي ما تقدَّم ذكره [أي: كونه عبادة للَّهِ ﵎]. وأما التابع، فهو الذي يذكرُه الجمهورُ من كونِ صاحبه شريفًا وإن لم يكن في أصله كذلك؛ وأن الجاهل دنيءٌ وإن كان في أصله شريفًا، وأن قوله [أي: العالِم] نافذٌ في الأشعارِ والأبشار، وحُكمَه ماضٍ على الخلقِ، وأن تعظيمَه واجبٌ على جميع المكلَّفين، إذ قام لهم مقامَ النبي ﷺ؛ لأن «العلماءَ وَرَثةُ الأنبياء»، وأن العلمَ جمالٌ ومالٌ ورتبةٌ لا توازيها، وأهله أحياءٌ أبدَ الدهر … إلى سائر ما له في الدنيا من المناقب الحميدة والمآثرِ الحسنةِ والمنازلِ
[ ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الرفيعة؛ فذلك كلُّه غيرُ مقصودٍ من العلم شرعًا، كما أنه غيرُ مقصود من العبادة والانقطاع إلى اللَّه تعالى وإن كان صاحبه يناله. وأيضًا فإن في العلم بالأشياء لذةً لا توازيها لذةٌ، إذ هو نوعٌ من الاستيلاء على المعلوم والحَوْزِ له، ومحبةُ الاستيلاء قد جُبلت عليها النفوس، ومُيِّلت إليها القلوب، وهو مطلبٌ خاص، برهانه التجربة التامةُ والاستقراءُ العام؛ فقد يُطلبُ العلم للتفكُّهِ به والتلذُّذِ بمحادثته، ولا سيَّما العلوم التي للعقول فيها مجال، وللنظر في أطرافها متَّسعٌ، ولاستنباط المجهول من المعلوم فيها طريقٌ متَّبَع. ولكنْ كلُّ تابع من هذه التوابع إمَّا أن يكون خادمًا للقصد الأصلي، أو لا:
(٢) فإن كان خادمًا له فالقصدُ إليه ابتداءً صحيح، وقد قال تعالى في مَعرِض المدح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان]. وجاء عن بعض السلف الصالح: «اللهم اجعلني للمتقين إمامًا»، وقال عمرُ لابنه حين وقع في نفسه أن الشجرة التي هي مَثَلُ المؤمن النخلةُ: «لَأَن تكونَ قلتَها أحبُّ إليَّ من كذا وكذا». وفي القرآن عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء]، فكذلك إذا طَلبه لما فيه من الثواب الجزيل في الآخرة، وأشباه ذلك.
(٣) وإن كان غيرَ خادم له؛ فالقصدُ إليه ابتداءً غير صحيح؛ كتعلُّمِه رياءً، أو ليُماريَ به السفهاء، أو يُباهيَ به العلماء، أو يستميلَ به قلوب العباد، أو لينال من دنياهم … وما أشبه ذلك؛ فإن مِثلَ هذا إذا لاح له شيءٌ مما طَلَب زهِدَ في التعلُّم، ورغبَ عن التقدُّم، وصعُب عليه إحكامُ ما ابتدأ فيه، وأَنِفَ من الاعتراف بالتقصير؛ فرضي بحاكمِ عقله، وقاس بجهله، فصار ممن سُئل فأفتى بغير علم، فضلَّ وأضلَّ أعاذنا اللَّه من ذلك بفضله. وفي الحديث: «لا تَعَلَّموا العِلمَ لتُباهُوا به العلماء، ولا لتُماروا به السفهاء، ولا لتحتازوا به المجالس؛ فمن فَعل ذلك فالنارَ النار» [صحيح]، وقال: «من تعلَّم علمًا مما يُبتغى به وجهُ اللَّه؛ لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عَرَضًا من الدنيا؛ لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يوم القيامة» [صحيح]، وفي بعض الحديث: سُئل ﵇ عن الشهوة الخفية؛ فقال: «هو الرجل يتعلمُ العلمَ يريد أن يُجلس إليه» [ضعيف]؛ وفي القرآن العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤]، والأدلة في المعنى كثيرة» انتهى. انظر: «الموافقات» للإمام الشاطبي (١/ ٧٣: ٨٨ بتحقيق الشيخ مشهور حسن آل سلمان). وسوف يأتي تصريح الإمام الشوكاني بأن الغاية من العلم إنما هي طلبُ الآخرة.
[ ١٦٩ ]
ثم إذا تناهَى حالُه، وبَلغ منَ الحظ في العلم إلى مكانٍ عليٍّ، انثال (^١) عليه الطلبة للعلوم، وأقبل إليه المُستفتُونَ في أمرِ الدين، واحتاجَ إليه ملوكُ الدنيا فضلًا عن غيرهم؛ فيكون عند هذا عيشُه حلوًا مَحضًا، وعُمرُه مغمورًا باللذات النفسانية والجُسمانية، ويرتفعُ أمرُه عن هذه الدرجة ارتفاعًا لا يُقادَرُ قَدْرُه إذا تَصوَّر ما له عند اللَّه من عظيم المنزلة، وعَلِيِّ الرُّتبة، وعظيمِ الجزاءِ الذي هو المقصود أولًا وبالذات من علوم الدين.
وكنتُ في أوائل أيام طلبي للعلم في سنِّ البلوغ أو بعدها بقليل، تصورتُ ما ذكرتُه هنا فقلت:
فلا داعٍ لديَّ ولا مجيبُ … سددتُ الأُذنَ عَنْ داعي التَّصابي
لِمَجْدِ الشَّيبِ فلْيَهُنِ المَشيبُ (^٢) … وأنفقتُ الشَّبيبةَ غيرَ وانٍ
وقلت أيضًا في هذا المعنى:
وشوقًا لانتشاقي منه رِيْحَا (^٣) … وأُبدي رغبةً لنُجُودِ نَجْدٍ
وأضحَى بين أهليهِ طريْحَا … وما بسِوى العقيقِ أقام قلبي
وأما كونُ الرذائلِ حُلوةَ الأوائل مُرَّةَ العواقب، فصِدقُ هذا غيرُ خافٍ على ذي لُب؛ فإن مَنْ أرسل عِنانَ شبابه في البطالات، وحلَّ رِباطَ نفسه فأجراها في ميادينِ اللذات، أدرك منَ اللذة الجُسمانيةِ مِنْ ذلك بحسب ما يُتفق له
_________________
(١) انثال: تسارع.
(٢) وانٍ: متكاسل.
(٣) النُّجُود: المرتفعات. الانتشاق: الشم.
[ ١٧٠ ]
منها، ولا سيَّما إذا كان ذا مالٍ وجمال؛ ولكنها تنقضي عنه اللذةُ، وتفارقُه هذه الحلاوةُ إذا تكامَل عقلُه، ورَجَح فهمُه، وقَوِيَ فِكرُه؛ فإنه لا يدري عند ذلك ما يَدْهَمُه من المرارات التي منها الندامةُ على ما اقترفه من معاصي اللَّه، ثم الحسرةُ على ما فوَّته من العُمر في غير طائل، ثم الكُربةُ على ما أنفقَه من المالِ في غير حِلَّه، ولم يَفُز منَ الجميع بشيء، ولا ظَفِر من الكل بطائل.
وتزدادُ حسرتُه، وتتعاظمُ كُربتُه إذا قاس نفسَه بنفسِ مَنْ اشتغل بطلب المعالي مِنْ أترابه في مُقتبَلِ شبابه؛ فإنه لا يزال عند موازنةِ ذاته بذاته وصفاتِه بصفاته في حسراتٍ متجددة، وزفَراتٍ متصاعِدة، ولا سيَّما إذا كان بيتُه في العلمِ طويلَ الدعائم، وسَلَفُه من المتأهِّلين لتلك المعالي والمكارم، فإنه حينئذٍ تَذهَبُ عنه سَكرةُ البطالة، وتنقشعُ عنه عَمايةُ الجهالة؛ بكروبٍ طويلةٍ وهُمومٍ ثقيلة، وقد فات ما فات، وحِيل بين العَير والنَّزَوان (^١)، وحال الجَريضُ دون القَريض (^٢)
_________________
(١) النَّزَوان: القفز. والمقصود: حيل بينه وبين ما يشتهي.
(٢) الجريض: الغُصة في الحلْق. القريض: الشِّعر. * قال أبو هلال العسكري ﵀: «يُضرب مثلًا للمُعضِلة تَعرِضُ، فتَشغلُ عن غيرها. والمَثَل لعُبيد بن الأبرص، وكان المنذرُ بنُ ماء السماء جَعل لنفسه يومَ بؤسٍ في كلِّ سَنة، فكان يركبُ فيه، فيَقتُل كلَّ مَنْ لَقِيَه، فاستقبله عُبيد بن الأبرص مرةً فيه (أي: في يوم البؤس)، فقال له: ما ترى يا عبيد؟ فقال: «المنايا على الحوايا»؛ فذهبت مثلًا، فقال له: أنشِدْنا من قريضك، فقال: حال الجَريضُ دون القريض». انظر: «جمهرة الأمثال» (رقم: ٥٤٠). بينما قال الميداني ﵀: «يُضرب (مثلًا) للأمر يُقدَرُ عليه أخيرًا حين لا ينفع. وأصلُ المثل: أن رجلًا كان له ابنٌ نَبَغ في الشِّعر، فنهاه أبوه عن ذلك، فجاش به صَدْرُه، ومَرِض حتى أشرف على الهلاك، فأَذِن له أبوه في قول الشعر، فقال هذا القول». «مجمع الأمثال» (رقم: ١٠١٧). وانظر: «الهمة العالية» للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ص (٢٣١ پ ط: دار ابن الجوزي).
[ ١٧١ ]
وفي الصيفِ ضَيَّعْتِ اللبن (^١).
فانظر أعزَّك اللَّهُ أيُّ الرجلين أربَحُ صفقةً، وأكثرُ فائدةً، وأعظمُ عائدةً! فقد بُيِّن الصبحُ لذي عينين، وعند الصباح يَحمَدُ القومُ السُّرَى (^٢).
_________________
(١) هكذا جاء المثل بالخطاب للمؤنث، حتى وإن أريد به المذكر. قال العسكري ﵀: «يُضرب مثلًا للرجل يُضيِّعُ الأمر، ثم يريد استدراكه. وأصله: أن عمرو بن عمرو بن عدس تزوَّج بنت عمه دختنوس ابنة لقيط بن زُرارة بعد ما أسن، وكان أكثرَ قومه مالًا، ففركته (أي: كرهته)، فطلقها، فتزوجها فتًى ذو شبابٍ وجَمال من آل زُرارة، ثم غزَتْهم بكرُ بن وائل، فنبَّهَتْ زوجها، وقالت: الغارة، فجعل يقول: الغارة! ويضرط حتى مات! وأغاروا، فأخذوها سَبْيَةً، فأدركهم الحيُّ وعمرو بن عمرو في السرعان، فقتل منهم ثلاثةً واستنقذها، فتزوجت منهم شابًّا مُملِقًا (أي: فقيرًا)، فمرت بها إبلُ عمرٍو كأنها الليل، فقالت لخادمها: قولي له: لِيَسْقِنا من اللبن، فأتته فقال: قولي لها: «الصيف ضيعتِ اللبن»، فضَربت يدَها على كتف زوجها، وقالت: «هذا ومَذْقهُ خير»، فذهبت كلمتاهُما مثلين». «جمهرة الأمثال» (رقم: ١٠٧٨). وأورد القصة مختصرةً الميداني في «مجمع الأمثال»، فقال: «في الصَّيف ضيعتِ اللبن. ويروى: «الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللبن»، والتاءُ من «ضيعتِ» مكسورٌ في كل حال إذا خُوطب به المذكر والمؤنث، والاثنان والجمع؛ لأن المثَلَ في الأصل خوطبت به امرَأة وهي دَخْتَنُوس بنت لقيط بن زُرارة؛ كانت تحت عمرو بن عُدَاس، وكان شيخًا كبيرًا، فَفَركَتْهُ، فطلقها، ثم تزوجها فتًى جميلُ الوجه، فأجْدَبَتْ فبعثت إلى عمرو تطلب منه حَلُوبةً، فقال عمرو: «في الصيف ضيعتِ اللبن»، فلما رجع الرسُولُ وقال لها ما قال عمرو، ضربَتْ يَدَها على مَنكِب زوجها وقَالت: «هذا ومَذْقُه خيرٌ»، تعني أن هذا الزوج مع عدم اللبن خيرٌ من عمرو. فذهبت كلماتُهما مَثَلًا. فالأول: يُضرب لمن يطلب شيئًا قد فَوَّته على نفسه، والثاني: يضرب لمن قَنِع باليسير إذا لم يجد الخطير. وإنما خَص الصيف لأن سؤالها الطلاقَ كان في الصيف، أو أن الرجل إذا لم يطرق ماشيتَه في الصيف كان مضيعًا لألبانِها عند الحاجة». «مجمع الأمثال» (رقم: ٢٧٢٥).
(٢) قال العسكري: «هو مثلٌ يُضرب لما يُنال بالمشقة ويوصَلُ إليه بالتعب». «جمهرة الأمثال» (١١٨٩)، وقال الميداني: «قال المفضل: إن أولَ مَنْ قال ذلك خالد بن الوليد؛ لمَّا بَعَثَ إليه أبو بكر ﵄ وهو باليمامة: أن سِرْ إلى العراق، فأرادَ سُلوكَ المَفازة، فقال له رافعٌ الطائي: قد سلكتُها في الجاهلية، وهى خِمسٌ للإبل الواردة، ولا أظنُّك تقدِرُ عليها إلَّا أن تَحمل من الماء. ثم سَقَاها الماء حتى رَوِيت، ثم كتَبها، وكَعَم أفواهها، ثم سلك المَفَازة، حتى إذا مضى يومانِ وخاف العطَشَ على الناس والخيلِ، وخَشِيَ أن يذهب ما في بطون الإبل نحَرَ الإبلَ، واستخرج ما في بطونها من الماء، ومضى فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع: انْظُرُوا هل تَرَوْنَ سِدْرًا عِظامًا؟ فإن رأيتموها وإلَّا فهو الهلاك. فنظر الناسُ، فرأوا السِّدْر، فأخبروه، فكبَّر وكَبَّر الناس، ثم هجموا على الماء، فقال خالد: فَوَّزَ من قُرَاقِر إلى سُوَى … للَّهِ دَرُّ رَافِعٍ أنَّى اهْتَدَى ما سَارَهَا من قبله إنْسٌ يُرَى … خِمْسًا إذا سار بِه الجيشُ بَكَى وَتَنْجَلِي عَنهُمُ غَياباتُ الْكَرَى … عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى يُضرب للرجل يحتمل المَشَّقةَ رَجاءَ الراحة». «مجمع الأمثال» (رقم: ٢٣٨٢).
[ ١٧٢ ]