فأقول: إنها لمَّا كانت تتفاوتُ المطالبُ في هذا الشأن، وتتبايَنُ (٢) المقاصدُ بتفاوتِ هِمم الطالبين وأغراضِ القاصدين:
١ - فقد ترتفع هِمةُ البعض منهم، فيَقصِدُ البلوغَ إلى مرتبةٍ في الطلب لعلم الشرع مقدِّمًا لها، يكونُ عند تحصيلها إمامًا مرجوعًا إليه، مستفادًا منه، مأخوذًا بقوله، مدرِّسًا، مفتيًا، مصنِّفًا.
٢ - وقد تَقصُرُ هِمتُه عن هذه الغاية؛ فتكون غايةُ مقصده، ومعظمُ مَطلَبه،
_________________
(١) القوَّة: الفكر والتصوُّر. (٢) تتباين: تختلف.
[ ١٥٧ ]
ونهايةُ رغبته: أن يعرفَ ما طلبَه منه الشارعُ من أحكام التكليف والوضعِ على وجهٍ يَستقلُّ فيه بنفسه، ولا يَحتاجُ إلى غيره؛ من دون أن يَتصوَّرَ البلوغَ إلى ما تصوَّره أهلُ الطبقةِ الأولى من تعدِّي فوائدِ معارفهم إلى غيرهم، والقيامِ في مقام أكابرِ الأئمة، ونحاريرِ (^١) هذه الأمة.
٣ - وقد يكون نهايةُ ما يريده، وغايةُ ما يطلبه: أمرًا دون أهل الطبقة الثانية؛ وذلك كما يكون من جماعةٍ يرغبُون إلى إصلاح ألسنتهم، وتقويمِ أفهامهم بما يقتِدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع، وعدمِ تحريفه وتصحيفه، وتغييرِ إعرابه؛ مِنْ دون قصدٍ منهم إلى الاستقلال؛ بل يَعزِمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض، والاحتياجِ إلى الترجيح.
فهذه ثلاثُ طبقاتٍ للطلبة من المتشرِّعين الطالبين للاطلاع على ما جاء في الكتاب والسُّنة إمَّا كُلًّا أو بعضًا، بحسب اختلافِ المقاصد وتفاوت المطالب.
٤ - وثَمَّ طبقةٌ رابعةٌ؛ يَقصدون الوصول إلى علمٍ من العلوم، أو عِلمَين أو أكثر لغرضٍ من الأغراض الدينية والدنيوية؛ مِنْ دون تصوُّرِ الوصول إلى عِلم الشرع.
فكانت الطبقات أربعًا.