وينبغي لمن كان صادقَ الرغبة، قويَّ الفهم، ثاقبَ النظر، عزيزَ النفس، شهمَ الطبع، عاليَ الهمة، ساميَ الغريزة: ألَّا يرضى لنفسه بالدون، ولا يقنع
_________________
(١) نحارير: نُبهاء ونبلاء.
[ ١٥٨ ]
بما دون الغاية، ولا يقعدْ عن الجِدِّ والاجتهاد المبلِّغَينِ له إلى أعلى ما يُراد وأرفعِ ما يستفاد؛ فإن النفوسَ الأبيَّة والهممَ العليَّة لا تَرضَى بدون الغاية في المطالب الدنيويَّة من جاهٍ، أو مال، أو رئاسة، أو صناعة، أو حرفة؛ حتى قال قائلهم:
فلا تقنعْ بما دونَ النجومْ … إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرُومْ
كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمْ … فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيرْ
• وقال آخرُ مشيرًا إلى هذا المعنى:
فكن عبدًا لخالقه مطيعَا … إذا لم تكن مَلِكًا مُطاعًا
كما تَهواه فاتركْها جميعَا … وإن لم تَمْلِكِ الدنيا جميعًا
يُنيلانِ الفتى شَرَفًا رفيعَا … هما شيئانِ مِنْ مُلْكٍ ونُسْكٍ
• وقال آخر:
سُرادقَهُ أو باكيًا لحِمامِ … فإما مكانًا يَضربُ النَّجمُ دونَه
وقد ورد هذا المعنى كثيرًا في النظم والنثر، وهو المطلبُ الذي تَنشط إليه الهممُ الشريفة، وتقبلُه النفوسُ العَلِيَّة.
وإذا كان هذا شأنَهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعةُ الزوال، قريبة الاضمحلال (^١)؛ فكيف لا يكونُ ذلك (٢) مِنْ مطالِب المتوجِّهين إلى ما هو أشرفُ مطلبًا، وأعلى مكسبًا، وأرفعُ مرادًا، وأجلُّ خطرًا، وأعظمُ قدْرًا، وأعْوَدُ نفعًا، وأتمُّ فائدةً وهي المَطالبُ الدينيةُ، مع كون العلم أعلاها وأَوْلاها
_________________
(١) الاضمحلال: الذهاب. (٢) يقصد طلب المعالي.
[ ١٥٩ ]
بكل فضيلة، وأجلَّها وأكملَها في حصول المقصود، وهو الخيرُ الأُخروي! فإن اللَّه سبحانه قد قَرَن العلماءَ في كتابه بنفسه والملائكةِ، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
وقَصَر الخشيةَ له التي هي سبب الفوز لديه عليهم؛ فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وأخبر عبادَه بأنه يرفعُ علماء أمتِه درجات، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
وأخبرنا رسول اللَّه ﷺ «بأنَّ العلماءَ وَرَثةُ الأنبياء» (^١).
وناهيك بِهذه المَزِيَّةِ الجليلة، والمنقبةِ النبيلة.
فأكرِمْ بنفسٍ تطلُبُ غايةَ المطالب في أشرف المكاسب، وأحبِبْ برجلٍ أرادَ من الفضائل ما لا تُدانيه فضيلة، ولا تُساميه منقبة، ولا تُقاربه مكرُمة، فليس بعد ما يتصوَّرُه أهلُ الطبقة الأولى متصوَّرٌ؛ فإن نالوه على الوجه الذي تصوَّروه، فقد ظفِروا من خير العاجلة والآجلة، وشرفِ الدنيا والآخرة بما لا يَظفر به إلَّا مَنْ صَنع صَنيعهم، ونال نَيلَهم، وبَلغ مبالغَهم. وإن اخترمهم (^٢) دونه مُخترِم، وحال بينهم وبينه حائل، فقد أعذَروا، وليس على من طَلب جسيمًا ورام أمرًا عظيمًا إن منعتْه عنه الموانع وصرَفته عنه الصوارف من بأس.
_________________
(١) صحيح: رواه أحمد (٥/ ١٩٦)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وابن حبان (٨٨)، والدارمي (٣٤٢)، وصحَّحه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» (٦٢٩٧)، وحسَّنه لغيره الشيخ شُعيب الأرنؤوط في «المسند» (٣٦/ ٤٦)، وانظر أيضًا «تحقيق سنن الترمذي» (٤/ ٦١٧ ط: الرسالة).
(٢) اخترمهم: اقتطعهم واستأصلهم.
[ ١٦٠ ]
• وما أحسنَ ما قاله الشريفُ الرَّضي المُوسوِي:
وَقَّاحةً تَحتَ عَالَمٍ وَقَاحْ (^١) … لابدَّ أن أَركَبَها صعبةً
دون الذي أمَّلتُ أو بالنجاحْ … أُجهِدُها أن تَنثني بالرَّدى
أو بطلٌ ذَاقَ الردَى فاستراحْ … إمَّا فتًى نال المُنى فاشتفَى
وكنتُ في أيام الطلب وعصرِ الشباب، قد نَظمتُ قصيدةً في هذا المعنى على هذا النمط، أذكرُ منها الآن أبياتًا هي:
آن لها بعد الوَحَى أن تُراحْ (^٢) … قد أتعبَ السَّيرُ رِحالي وقد
غايةِ أُمنيَّتهِ بالنجاحْ … فما يَهابُ العَتبَ مَنْ فاز مِنْ
يمينُه ألقى العصا واستراحْ … سعى فلما ظَفِرَتْ بالمُنى
فيا أيها العالِمُ الصعلوك (^٣)، قد ظفِرتَ برتبةٍ أرفعَ مِنْ رتب الملوك، ونِلتَ من المعالي أعلاها، ومِن المناقب والفضائل أُوْلاها بالشرف وأَولاها؛ فإنَّ كلَّ المعالي الدنيوية وإن تناهَت (^٤) فليست باعتبار المعالي العلميةِ والشرفِ الحاصل بها في وِرْدٍ ولا صَدَر؛ فإنه يحصل للعالِم أولًا وبالذات: الفوزُ بالنعيم الأخرويِّ الدائم السرمديِّ (^٥) الذي لا تَعدِلُ منه الدنيا بأسْرها قِيْدَ شَوْط (٦)، بل مِقدار سَوط.
_________________
(١) وقَّاحة: لا خجل فيها.
(٢) الوحى: المسارعة. تُراح: تستريح.
(٣) الصُّعلوك: الفقير.
(٤) تناهت: بلغت الغاية.
(٥) السَّرمدي: الأبدي. (٦) القِيد بكسر القاف، والفتح خطأ: المسافة والمقدار.
[ ١٦١ ]
ويحصل له ثانيًا وبالعرَض (^١) مِنْ شرف الدنيا ما يَصغُر عنده كلُّ شرف، ويتقاصرُ دونه كلُّ مجد، ويتضاءلُ لديه كلُّ فَخر، وإنَّ مَنْ فهم مقدارَ ما في العلوم منَ العلوِّ، كان عند نفسه أعزَّ قدرًا وأعلى مَحِلًّا، وأجلَّ رتبةً من الملوك، وإن كان متضايَقَ المعيشة، يركبُ نعليه، ويَلبَسُ طِمرَيه (^٢).
• وقلتُ في هذا المعنى من أبيات:
مَرحَ الأغرِّ بجانب الميدانِ … قد كنتُ ذا طمرين أمرحُ في العُلا
أو خاملًا فأريدَ شُهرَةَ شاني (^٣) … ما كنتُ مضطهَدًا فأطلُبَ رفعةً
فاحرص أيها الطالبُ على أن تكون من أهل الطبقة الأولى؛ فإنك إذا ترقَّيتَ من البدايةِ التصوُّرية إلى العِلَّةِ الغائية (^٤) التي هي أولُ الفكر، وآخر العمل، كنتَ فَرْدَ العالَم، وواحدَ الدهر، وقريعَ الناس، وفخرَ العصر، ورئيسَ القَرْن.
وأيُّ شرفٍ يُسامي شرفَك، أو فخرٍ يُداني فخرَك، وأنت تأخذُ دينَك عن اللَّهِ وعن رسوله ﷺ، لا تقلِّدُ في ذلك أحدًا، ولا تقتدي بقولِ رجل، ولا تقفُ عند رأيٍ، ولا تَخضعُ لغير الدليل، ولا تُعوِّلُ على غير النقد (^٥)؟!.
هذه واللَّهِ رتبةٌ تسمو على السماء، ومنزلةٌ تتقاصرُ عندها النجوم؛ فكيف بك إذا كنتَ مع هذه المَزِيَّة مَرجِعًا في دين اللَّه، مَلجَأً لعبادِ اللَّه،
_________________
(١) العرَض: التَّبَع.
(٢) الطِّمران: الحُلَّتان الباليتان.
(٣) شاني: شأني.
(٤) راجع ص (١٩).
(٥) النقد: التحقيق بالأدلة الصحيحة. وفي بعض المطبوعات: «التُّقى».
[ ١٦٢ ]
مترجِمًا لكتاب اللَّه وسنةِ رسول اللَّه ﷺ، يدومُ لك الأجر، ويستمرُّ لك النفع، ويعودُ لك الخيرُ وأنت بين أطباقِ الثرى، وفي عِداد الموتى، بعد مِئِينَ من السنين!!.
ولا يحولُ بينك وبين هذا المَطلب الشريف ما تُنازِعُك نفسُك إليه من مطالِب الدنيا التي تروقُها وتودُّ الظفَرَ بها؛ فإنها حاصلةٌ لك على الوجه الذي تُحبُّ والسبيلِ الذي تريد، بعدَ تحصيلِك لِمَا أرشدتُك إليه من الرتبة العليَّة (^١)، وتكونُ إذ ذاك مخطوبًا لا خاطبًا، ومطلوبًا لا طالبًا.
وعلى فرض أنها تُكدِي (^٢) عليك المطالب، وتُعانِدُ الأسباب، فلستَ تَعدِمُ الكفافَ الذي لابد لك منه؛ فما رأينا عالمًا ولا متعلِّمًا مات جوعًا، ولا أعوَزَه الحالُ حتى انكشفت عورتُه عُرْيًا، أو لم يجد مكانًا يُكِنُّه (^٣)، ومنزلًا يَسكنُه، وليس الدنيا إلا هذه الأمور، وما عداها فضلاتٌ مُشغِلةٌ للأحياء مُهلكةٌ للأموات.
وإذا مِتُّ لستُ أَعدِمُ قبرَا … أنا إن عِشتُ لستُ أعدِمُ قوتًا
وعلى العاقل أن يعلمَ أنه لن يصيبَه إلَّا ما كتبه اللَّه له، ولا يعدُوه (^٤) ما قدَّره له، وأنه قد فُرغ من أمرِ رزقِه الذي فَرضه اللَّه له؛ فلا القعودُ يَصُدُّه، ولا السعيُ وإتعابُ النفس يوجبُ الوصولَ إلى ما لم يأذن به اللَّه.
وهذا معلومٌ من الشرع، قد تَوافَقت عليه صرائحُ الكتاب والسنة، وتطابقت
_________________
(١) في المطبوعات: «العلمية»، ولعل الأصح ما أثبتُّه.
(٢) تُكدى: تشتد وتصعُب.
(٣) يُكنُّه: يستُره.
(٤) يعدُوه: يجاوزه.
[ ١٦٣ ]
عليه الشرائع، وإذا كان الأمر هكذا، فما أحقَّ هذا النوعَ العاقلَ من الحيوان (^١) الذي دارت رَحَى التكليفِ عليه، ونِيطت (^٢) أسبابُ الخير والشرِّ به، أن يشتغلَ بطلب ما أَمَره اللَّهُ بطلبه، وتحصيلِ ما خَلَقه اللَّهُ لتحصيله، وهو الامتثالُ لما أمرَه به من طاعته، والانتهاءُ عمَّا نهاه عنه من معاصيه.
وإن أعظمَ ما يريدُه اللَّهُ منه، ويقرِّبُه إليه، ويفوزُ به عنده، أن يُشغِلَ نفسَه ويستغرقَ أوقاتِه في طلب معرفةِ هذه الشريعة التي شَرَعها اللَّه لعباده، ويُنفِقَ ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسُلُ اللَّه إلى عباده، ونزلت به ملائكتُه؛ فإن جميع ما يريدُه اللَّهُ من عباده عاجلًا وآجلًا وما وعدهم به من خيرٍ وشرٍّ قد صار في هذه الشريعة.
فأكرِمْ برجلٍ تاقت نفسُه عن أن يكون عبدَ بَطْنِه إلى أن يكون عبدَ دينِه (^٣)، حتى ينالَه على الوجه الأكمل، ويعرفَه على الوجهِ الذي أراده اللَّهُ منه، ويُرشدَ إليه مِنْ عباده مَنْ أراد له الرشاد، ويَهدي به مَنْ استحق الهداية (^٤).
فانظر أعزَّك اللَّهُ كم الفرقُ بين الرجلين! وتأمَّلْ قدْرَ مسافةِ التفاوت بين الأمرين! هذا يستغرقُ جميعَ أوقاته، ويُنفقُ كلَّ ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه ومَلبسه وما لابد منه قام أو قعد، سعى أو وقف، وهذا يقابله بسعيٍ غيرِ هذا السعي، وعملٍ غيرِ ذلك العمل، فيُنفقُ ساعاته، ويستغرقُ أوقاتَه في طلب ما جاء عن اللَّه وعن رسوله ﷺ من التكاليف التي كَلَّف بها عباده، وما أَذِن به من إبلاغه إليهم من أمورِ دنياهم وأُخراهم لينتفعَ
_________________
(١) يقصد الإنسان.
(٢) نِيطت: عُلِّقت.
(٣) العبد: الخادم. كما كان يقال عن الرقيق: «عبد».
(٤) وهذا الاستحقاق إنما هو منةٌ محضةٌ من اللَّهِ تعالى.
[ ١٦٤ ]
بذلك، ثم ينفعَ به مَنْ يشاءُ اللَّهُ من عباده، ويُبلِّغَ إليهم حُجةَ اللَّه، ويعرِّفَهم شرائعه.
فلقد تعاظَم الفرقُ بين النوعين، وتفاوَتَ تفاوتًا يقصُرُ التعبيرُ عنه، ويَعجِزُ البيانُ له إلَّا على وجه الإجمال؛ بأن يقال: إن أحدَ النوعَينِ قد التحق بالدواب، والآخَرَ بالملائكة؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما قد سعى سعيًا شابَهَ مَنْ التَحَق به؛ فإن الدابةَ يستعملُها مالكُها في مصالحه، ويقوم بطعامها وشرابها وما تحتاجُ إليه.
ومع هذا فمن نظر في الأمر بعين البصيرة، وتأمَّله حقَّ التأمل، وجد عيشَ مَنْ شَغَل نفسه بالطاعة، وفرَّغها للعلم، ولم يلتفتْ إلى ما تدعو إليه الحاجةُ من أمر دنياه: أرفَهَ (^١)، وحالَه أقوم، وسرورَه أتم، وتلك حكمةُ اللَّه البالغةُ التي يتبيَّنُ عندها أنه لن يعدوَ المرءُ ما قُدِّر له، ولن يفوتَه ما كان يُدرِكُه.
وكما أن هذا المعنى الذي ذكرناه ثابتٌ في الشريعة، مصرَّحٌ به في غير موطنٍ منها، قد أجراه اللَّهُ على لسانِ الجبابرة من عباده وعُتاةِ أمته؛ حتى قال الحَجَّاجُ بن يوسف الثَّقَفى في بعض خُطَبه ما معناه: «أيُّها الناس، إن اللَّهَ كفانا أمرَ الرِّزق، وأمَرَنا بالعبادة، فسَعينا لما كُفِيناه، وتركنا السعيَ للذي أُمِرْنا به؛ فليتَنا أُمِرنا بطلب الرزق، وكُفِينا العبادة، حتى نكون كما أرادهُ اللَّه منا».
هذا معنى كلامه لا لفظُه، فلما بلغ كلامُه هذا بعضَ السلف المعاصِرينَ له؛ قال: «إن اللَّهَ لا يُخرجُ الفاجرَ من هذه الدارَ وفي قلبه حِكمةٌ ينتفعُ بها العبادُ إلا أخرجها منه، وإن هذا مما أَخرجه من الحجاج».
فانظرْ هذا الجبار؛ كيف لم يَخْفَ عليه هذا الأمر مع ما هو فيه من
_________________
(١) من «الرفاهية».
[ ١٦٥ ]
التجبُّر، وسَفكِ الدماء، وهَتْكِ الحُرُم، والتجرؤِ على اللَّهِ وعلى عبادِه، وتعدِّي حدوده!! فما أحقَّه بألَّا يَخفَى على مَنْ هو ألينُ منه قلبًا وأقلُّ منه ظُلمًا، وأخفُّ منه تجبُّرًا، وأقربُ منه خيرًا، وأبعدُ منه من شرًّا!.
وإنَّ مَنْ تَصوَّرَ هذا الأمرَ حقَّ التصور، وتعقَّلَه كما ينبغي، انتفع به انتفاعًا عظيمًا، ونال به منَ الفوائد جسيمًا، والهدايةُ بيد الهادي ﷻ، وتقدَّست أسماؤه.