أن يَشرع بعلم «النحو»، مبتدئًا بالمختصَرات، كمنظومة الحريري المُسمَّاة بال «مُلحة» وشروحها؛ فإذا فهم ذلك وأتقنه، انتقل إلى «كافية ابن الحاجب» وشروحِها، و«مغني اللبيب» وشروحه.
هذا باعتبار هذه الديار اليمنية إذا كان طالبُ العلم فيها؛ لأنه يجدُ شيوخَ هذه المصنَّفات، ولا يجدُ شيوخ غيرها من مصنفاتِ النحو، إلا باعتبار الوِجادة (^١) لا باعتبار السماع؛ فإذا كان ناشئًا في أرضٍ يشتغلون فيها بغير هذه المصنَّفات، فعليه الاشتغالُ بما اشتغل به مشائخُ تلك الأرض، مبتدئًا بما هو أقربُها تناولًا، منتهيًا إلى ما هو النهايةُ للمشتغلين بذلك الفنِّ وذلك القُطر (^٢).
_________________
(١) الوِجادة: العلمُ الذي يؤخذ من صحيفةٍ؛ من غير سماعٍ ولا إجازةٍ ولا مُناولة. ولفظ «الوجادة» مُولَّدٌ أي: ليس مسموعًا من العرب. انظر: «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث»، للإمام السخاوي (٢/ ٥٢٠ ط: مكتبة دار المنهاج).
(٢) وسهولةُ الطريقة وقُربُ المأخذ من الأمور التي نحتاجُها اليوم بشدة في تعليم العربية خاصةً؛ لا سيَّما في ظل المناهج العِلمانية الخبيثةِ التي كرَّهت الطلاب في تعلُّم العربية وعلى رأسها علم النحو؛ بحيث أصبح الطلَّابُ والتلاميذُ لا يكرهون علمًا كما يكرهون علوم العربية! فلْيُراعِ دُاعتُنا في المدارس والمعاهدِ الإسلامية تيسيرَ طريقةِ الشرح إلى أبعدِ حدٍّ؛ مع تحبيبِ الطلبة في العربية، وتذكيرهم الدائم بأن اللَّهَ تعالى يُثيبُ عليها ما لا يُثيبُ على كثيرٍ من الموادِّ الأخرى التي لا تخدمُ العلومَ الشرعية المخدومة.
[ ١٧٤ ]
فاعرِفْ هذا، واعلم أنَّ ما أُسمِّيه هاهنا إنما هو باعتبارِ ما يَشتغلُ به الناسُ في الديار اليمنية؛ فمن كان في غيرها فلْيأخذ عن شيوخها في كلِّ فنٍّ مقدارًا يوافق ما أذكره هنا.
واعلمْ أنه لا يستغني طالبُ العلمِ المتصوَّرُ (^١) المتبحِّرُ في علم الشريعة، العازمُ على أن يكون من أهل الطبقة الأولى: عن (^٢) إتقانِ ما اشتمل عليه شرح الرضي على «الكافية» من المباحث اللطيفة، والفوائدِ الشريفة، وكذلك ما في «مغنى اللبيب» من المسائل الغريبة، ويكون اشتغالُه بسماع شروحِ المختصرات، بعد أن تكونَ هذه المختصَراتُ محفوظةً له حفظًا يُمليهِ عن ظهر قلبه، ويُبديهِ من طرَف لسانه. وأقلُّ الأحوالِ أن يحفظَ مختصرًا منها هو أكثرُها مسائل، وأنفعُها فوائد.
ولا يفوتُه النظر في مثل «الألفية» لابن مالك وشروحها، و«التسهيل» وشرحه، و«المفصَّل» للزمخشري، و«الكتاب» لسيبويه؛ فإنه يجدُ في هذه الكتب من لطائف المسائل النحوية، ودقائقِ المباحث العربية، ما لم يكن قد وَجَده في تلك.
وينبغي للطالب المذكور: أن يطَّلعَ على مختصراتِ «المنطق»، ويأخذَه عن شيوخه، ويَفهمَ معانيه، بعد أن يفهم «النحو»، ليفهم ما يبتدئُ به من كُتبه
_________________
(١) المتصوَّر: المقصود بالكلام، وهو الذي يريد أن يكون عالمًا يَنتفع الناس بعلِمه.
(٢) هذا خبر قوله: «لا يستغني …».
[ ١٧٥ ]
ليستعينَ بذلك على فَهم ما يُورده المصنِّفون في مطوَّلات كتب النحو ومتوسِّطاتِها من المباحث النحوية، ويكفيه في ذلك مثل المختصر المعروف ب «إيساغوجي»، أو «تهذيب السعد» وشرح من شروحهما. وسيأتي بيان ما ينبغي الاشتغال به من فنِّ المنطق إن شاء اللَّه (^١).
وليس المرادُ هنا إلا الاستعانةُ بمعرفة مباحثِ التصورات والتصديقات إجمالًا؛ لئلَّا يَعثُر على بحثٍ من مباحث العربية من نحوٍ أو صرفٍ أو بيان قد سَلك فيه صاحبُ الكتاب مسلكًا على النمط الذي سلكه أهلُ المنطق، فلا يفهمه، كما يقعُ كثيرًا في الحدود والإلزامات؛ فإن أهل العربية يتكلمون في ذلك بكلام المَناطِقة، فإذا كان الطالبُ عاطلًا عن علم المنطق بالمرة، لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي (^٢).