إذا عرفتَ ما ينبغي لمن أراد أن يكون من أهل الطبقة الأولى، فاعلمْ أن أعظمَ العلوم فائدةً، وأكثرَها نفعًا، وأوسعَها قدْرًا، وأجلَّها خطرًا: علمُ السُّنة المطهَّرة؛ فإنه الذي تكفَّل ببيان الكتاب العزيز، ثم استقلَّ بما لا ينحصرُ من الأحكام.
ولستُ أقول: إن الطالبَ يشتغلُ به في وقتٍ معيَّن، ولا أقولُ: إنه يقدِّمُه على هذه العلوم المتقدمة، أو يؤخرُه عنها؛ بل أقول: إنه ينبغي لطالب العلم بعد أن يُقيمَ لسانه بما يحتاجُ إليه من النحو أن يُقبِلَ على سماع الكتب التي جَمَعَ فيها أهلُ العلم متونَ الأحاديث مقطوعةَ الأسانيد، ك: «جامع الأصول»، و«المشارق»، و«كنز العمال»، و«المنتقى» لابن تيمية (^١)، و«بلوغ المرام» لابن حجر، و«العمدة» (^٢).
_________________
(١) وهو أبو البركات ابن تيمية؛ جد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية.
(٢) يقصد: «عمدة الأحكام»، لعبد الغني المقدسي. من بعض المطبوعات.
[ ١٨٦ ]
ثم يَسمعُ الكتب التي فيها الأسانيد، كالأمهات الست، و«مسند أحمد»، و«صحيح ابن خزيمة»، و«ابن حبان»، و«ابن الجارود»، و«سنن الدَّارَقُطْني»، و«البيهقى».
وبالجملة: فما بلغتْ إليه قُدرتُه، ووَجَد في أهل عصره و[عند] شيوخه مِنْ كُتب السُّنةِ جدَّ في سماعه، واجتهد بحسْب ما يمكنه، ويكون هذا الاشتغالُ بِهذا العلمِ الجليل مصاحِبًا لاشتغالِه بجميع العلوم المتقدِّمة من البداية إلى النهاية.
فإذا قَضَى وَطَره (^١) من سماع كُتب المتْن والإسناد، اشتغل بشُروح هذه المؤلَّفات؛ فيَسمع منها ما تيسَّر له سماعُه، ويطالعُ ما لم يتيسَّرْ له سماعُه.