فإن قلتَ: وكيف يَقتدِرُ على تصوُّر ما أرشدتَ إلى تصوُّرِه، ويتمكنُ من توطينِ نفسِه على ما دللتَ عليه مَنْ أراد الشروعَ في العلم بادئَ بَدءٍ، وهو إذ ذاك لا يدري ما الشرعُ، ولا يتعقَّلُ الحُجة، ولا يعرفُ الإنصاف، ولا يهتدي إلى ما هديتَه إليه (^٣)؛ إلَّا بعد أن يتمرَّن ويُمارسَ، ويكونَ له من العلم ما يفهمُ به ما تريدُ منه؟!.
قلتُ: ما أرشدتُ إليه يُعرف بمجرد العقل، وسلامةِ الفطرة، وعدمِ ورود ما يردُ عليها ممَّا يغيرُها، وعلى فرضِ ورودِ شيءٍ من المُغيِّرات عليها كاعتقاد حَقِّيةِ التقليد ونحوه، فارتفاعُ ذلك يحصُلُ بأدنى تنبيه؛ فإن هذا أمرٌ يقبله الطبعُ بأولِ وهْلةٍ لمطابقته للواقع وحَقِّيته.
وكلُّ ما كان كذلك فهو مقبول، والطبائعُ تنفعلُ له انفعالًا بأيسر عملٍ وأقلِّ إرشاد، وهذا أمرٌ يعلمه كلُّ أحد، ويشتركُ في معرفته أفرادُ الناسِ على اختلاف طبقاتِهم، ولهذا نبَّه عليه الشارعُ ﷺ (^٤)، فقال: «كلُّ مولودٍ يولَدُ
_________________
(١) انظر: «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» (٥/ ٢١٦٣).
(٢) أي: أرشدته إليه.
(٣) الرُّوْع بضم الراء: النفس.
(٤) قال العلَّامة بكر أبو زيد ﵀: «في مادة «شرع» من كتب اللغة مثل: «لسان العرب»، و«القاموس»، وشرحه، و«تاج العروس»: أن «الشارع» في اللغة هو العالِمُ الربَّاني العاملُ المعلِّم. وقاله ابن الأعرابي. وقال الزَّبيدي أيضًا في «تاج العروس»: «ويطلق عليه ﷺ لذلك، وقيل: لأنه شَرَع الدين؛ أي: أظهره وبينه» ا هـ. وفي «فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (٧/ ٤١٣) قال عن النبي ﷺ: «صاحب الشرع». وأما في لغة العلم الشرعي؛ فإن هذا المعنى اللغوي لا تجدُ إطلاقه في حقِّ النبي ﷺ، ولا في حق عالِمٍ من علماء الشريعة المطهرة؛ فلا يُقال لبشر: «شارع، ولا مشرِّع». وفي نصوص الكتاب والسنة إسنادُ التشريع إلى اللَّه تعالى، قال اللَّهُ تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ …﴾ [الشورى: ١٣]. وعن ابن مسعود ﵁ قال: «إن اللَّهَ شرع لنبيِّكم سُننَ الهدى». رواه مسلم وغيره. لهذا فإنَّ قَصْرَ إسنادِ ذلك إلى اللَّه ﷾ أَخَذ في كتب علماء الشريعة على اختلاف فنونِهم صفة التقعيد؛ فلا نرى إطلاقه على بشرٍ حسْبَ التتبُّع، ولا يلزم من الجواز اللغوي الجوازُ الاصطلاحي. وإنه بناءً على تنبيهٍ من شيخنا عبد العزيز بن باز؛ على أن إطلاق لفظ «المشرِّع» على من قام بوضع نظام … غير لائق صدر قرار مجلس الوزراء رقم (٣٢٨ في ١/ ٣/ ١٣٩٦ هـ) بعدم استعمال كلمة «المشرِّع» في الأنظمة ونحوها. واللَّهُ أعلم. وفي «فتح الباري» (٦/ ٣٤٣) قال: «نقل إمام الحرمين في «الشامل» عن كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدَرية، أنهم أنكروا وجودهم (أي وجود الجن) رأسًا، قال: ولا يُتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرِّعين، وإنما العجبُ من المشرِّعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة» اه. فلينظر. واللَّهُ أعلم» انتهى. «معجم المناهي اللفظية» (٥٠٨ - ٥٠٩).
[ ٣٢ ]
على الفطرة، ولكنْ أبوَاه يُهوِّدانِه، ويُنصِّرانِه، ويُمجِّسانِه»، وهو ثابتٌ في «الصحيح» (^١).
وإني أُخبرُك أيها الطالبُ عن نفسي تحدُّثًا بنعمةِ اللَّهِ سبحانه، ثم تقريبًا لما ذكرتُ لك من أن هذا الأمرَ (^٢) كامنٌ في طبائع الناس، ثابتٌ في غرائزهم، وأنه من الفطرةِ التي فَطر اللَّهُ الناس عليها: أني لمَّا أردتُ الشروعَ
_________________
(١) صحيح: رواه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والبخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٨)، وابن حِبَّان (١٢٨).
(٢) يعني معرفةَ الحق بدليله.
[ ٣٣ ]
في طلب العلم ولم أكنْ إذ ذاك قد عرفتُ شيئًا منه، حتى ما يتعلقُ بالطهارة والصلاة، إلا مجردَ ما يتلقاهُ الصغيرُ من تعليمِ الكبير لكيفيةِ الصلاة والطهارة ونحوهِما، فكان أولُ بحثٍ طالعته بحث: «كونِ الفرْجين من أعضاء الوضوء» (^١) في «الأزهار» و«شرْحه» (^٢)، لأن الشيخ الذي أردتُ القراءة عليه والأخذَ عنه كان قد بلغ في تدريس تلامذتِه إلى هذا البحث، فلما طالعتُ هذا البحث قبلَ الحضور عند الشيخ، ورأيتُ اختلافَ الأقوال فيه، سألت والدي ﵀ عن تلك الأقوال: أيُّها يكونُ العملُ عليه؟ فقال: يكونُ العملُ
_________________
(١) يقصدُ أنه يجب غسلُ الفرجين بعد أن يَطهُرَا بغَسل النجاسةِ عنهما! وقد قال المصنِّفُ ﵀: «قوله (يعني صاحب «الأزهار»): «وفروضُه (أي: الوضوء): غَسلُ الفَرجين بعد إزالة النجاسة»، أقول: جَعلُ الفَرْجين عضوًا من أعضاء الوضوء لم يثبُت عن عالِمٍ من علماء الإسلام قط؛ لا مِنْ الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، ولا من أهلِ المذاهب بالأربعة، ولا مِنْ الأئمةِ من أهل البيت. وذِكرُ المصنف له في كتابه هذا قد تَبِع فيه مَنْ تقدَّمه من المصنِّفين في الفروع مِنْ أهل هذه الديار [اليمنيَّة]، وكلُّهم يجعلُ ذلك مذهبًا للهادي، وهو أجلُّ قدرًا من أن يقول به، وليس في كُتبه حرفٌ من ذلك قط! ولا أظنُّ هذه المقالةَ إلَّا صادرةً من بعضِ الموسوِسين في الطهارة، وأهلُ العلم بأسرهم بريئون منها؛ كما أن الشريعة المطهَّرةَ بريئة عنها، وليس في الكتاب ولا في السنة حرفٌ يدل على ذلك بمطابقةٍ، ولا تضمُّنٍ، ولا التزام، ومَن استدل لها بما ورد في الاستنجاء بالماء؛ فهو لا يدري كيف الاستدلال! فإن النزاعَ ليس هو في رفْع النجاسة من الفَرْجين، بل في غسلِهما للوضوء بعد إزالة النجاسة؛ كما ذكره المصنِّفُ هنا، وذَكَره غيرُه» انتهى. «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار» (١/ ٢١٠ دار ابن كثير).
(٢) «الأزهار»: كتاب في «الفقه» على المذهب الزَّيدي، ألَّفه الإمام المهدي أحمد بن يحيى ابن المرتضى اليمني، وهو من نَسل الحسن بن عليِّ بن أبي طالب ﵄، ومتن «الأزهار» شرحه مؤلفه نفسه في كتاب سمَّاه: «الغيثُ المِدرار شرح الأزهار» في أربع مجلَّدات. انظر: مقدمة تحقيق «السيل الجرار»، للشيخ محمد بن صبحي بن حسن ابن حلَّاق (١/ ٦٦ - ٧٧).
[ ٣٤ ]
على ما في «الأزهار». فقلت: صاحب «الأزهار» أكثرُ علمًا من هؤلاء (^١)؟ قال: لا. قلتُ: فكيف كان اتباعُ قوله دون أقوالِهم لازمًا؟ فقال: اصْنَعْ كما يصنعُ الناس، فإذا فَتح اللَّهُ عليك فستعرفُ ما يؤخذ به وما يُترك.
فسألتُ اللَّهَ عند ذلك أن يفتحَ عليَّ مِنْ معارِفِهِ ما يتميَّزُ لي به الراجحُ من المرجوح، وكان هذا في أول بحثٍ نظرتُه، وأولِ موضعٍ درستُه وقعدتُ فيه بين يدي العلم.
فاعتبِرْ بِهذا، ولا تستبعِدْ ما أرشدتُك إليه فتُحرمَ بركةَ العلم، وتُمحقَ فائدتَه.
ثم ما زلتُ بعدُ كما وصفتُ لك، أنظرُ في مسائل الخلاف وأدرُسُها على الشيوخ، ولا أعتقدُ ما يعتقدُه أهلُ التقليد من حَقِّيةِ بعضها بمجردِ الإلف والعادةِ والاعتقادِ الفاسد والاقتداءِ بمن لا يُقتدى به؛ بل أُسائلُ مَنْ عنده علمٌ بالأدلة عن الراجح، وأبحثُ في كتب الأدلة عمَّا له تعلقٌ بذلك، وأستروحُ إليه، وأتعللُ به، مع الجِدِّ في الطلب، واستغراقِ الأوقات في العلم؛ خصوصًا علوم الاجتهاد وما يَلتحِقُ بها؛ فإني نشِطتُ إليها نشاطًا زايدًا لما كنتُ أتصوَّرُه من الانتفاع بها، حتى فَتح اللَّهُ بما فتح، ومَنح ما منح، فله الحمدُ كثيرًا حَمْدًا لا يُحاط به، ولا يمكنُ الوقوفُ على كُنهه (^٢).
فإذا وطَّنتَ نفسَك أيُّها الطالب على الإنصاف، وعدمِ التعصب لمذهبٍ من المذاهب، ولا لعالِمٍ من العلماء؛ بل جعلتَ الناس جميعًا بمنزلةٍ واحدةٍ في كونِهم مُنتمِينَ إلى الشريعةِ، محكومًا عليهم بما لا يجدون لأنفسِهم عنها مخرجًا، ولا يستطيعون تحوُّلًا فضلًا عن أن يَرتقُوا إلى واحدٍ
_________________
(١) يعني أئمةَ المذاهب التي اطلع عليها.
(٢) الكُنْه: الحقيقة.
[ ٣٥ ]
منهم أو يُلزموا تقليدَه وقبولَ قوله (^١): فقد فُزتَ بأعظمِ فوائدِ العلم، ورَبِحتَ بأنفَسِ فرائدِه (^٢).
ولأمرٍ ما جَعل رسولُ اللَّه ﷺ المُنصفَ أعلمَ الناس وإن كان مقصِّرًا؛ فإنه أخرج الحاكمُ في «المستدرك» وصحَّحه مرفوعًا: «أعرَفُ الناس أبصرُهم بالحق إذا اختلف الناسُ، وإنْ كان مقصِّرًا في العمل، وإن كان يزحَفُ على اسْتِه» (^٣).
هكذا في حِفظي، فليُراجع «المستدرك» (^٤).
فانظر كيف جَعل ﷺ المنصفَ أعلم الناس، وجعل ذلك هو الخَصلةَ الموجبةَ للأعلميَّة ولم يَعتبر غيرَها؛ وإنما كان أبصرَ الناس بالحق إذا اختلف الناس لأنه لم يكن لديه هوًى ولا حَميَّةٌ ولا عصبيةٌ لمذهبٍ من
_________________
(١) في المطبوعات: «أو يلزمه تقليدُه»!! ولعلَّ الأصحَّ ما أثبتُّه، واللَّهُ تعالى أعلم.
(٢) الفرائد: جمع «فريدة»، وهي النفائسُ العزيزة.
(٣) حسن: رواه الحاكم (٢/ ٤٧٩)، والطبراني في «الكبير» (١٠٣٥٧) و(١٠٥٣١)، وفي «الأوسط» (١١، ٢١)، و«الصغير» (٢٢٣، ٢٢٤)، والطيالسي في «مسنده» (٣٧٦)، والبيهقي في «الشُّعَب» (٧/ ٦٩)، وابن جرير في «التفسير» (٢٧/ ٢٣٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٧٧)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٨٠٧)، من حديث ابن مسعود ﵁؛ وصحَّحه الحاكم، وأعلَّه الذهبي، وقال الإمام الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٦١): «رواه الطبراني بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال الصحيح، غير بُكير بن معروف، وثقه أحمد وغيره، وفيه ضعف»، بينما أعلَّه في موضع آخر من «المجمع» (١/ ٩٠، ١٦٣)، وقد حسَّنه بشواهده الشيخ الألباني في «الصحيحة» (١٧٢٨)، ووافقه محقق «شعب الإيمان» (١٢/ ٧٣ ط: الرشد)، وكذا حسَّنه المعلق على «المستدرك» (٣/ ٢٩٢ ط: المعرفة)، بينما ضعَّفه الشيخ حسن أبو الأشبال في «جامع العلم»، وكذا محقق «مسند الطيالسي» (١/ ٢٩٦)؛ حاكمًا عليه بالنكارة؛ وراجع تحقيقه لزامًا.
(٤) يكاد لفظ الحديث يطابق ما ذكره المصنف ﵀.
[ ٣٦ ]
المذاهب أو عالِمٍ من العلماء، فصَفَت غريزتُه عن أن تتكدَّر بشيءٍ من ذلك، فلم يكن له مأربٌ (^١) ولا مَقصِد إلَّا مجردُ معرفةِ ما جاء عن الشارع، فظَفِر بذلك بسهولةٍ من غير مشقةٍ ولا تعب؛ لأنه موجودٌ، إما في كتاب اللَّه وهو بين أظهُرنا في المصاحف الشريفة مفسَّرٌ بتفاسير العلماء الموثوق بهم، وإما في سنةِ رسول اللَّه ﷺ، وهي أيضًا موجودةٌ؛ [و] قد ألَّف أهلُ العلم في أدلة المسائل من السُّنة كتبًا متنوعةً، منها ما هو على أبوابِ الفقه، ومنها ما هو على حروف المعجم؛ فكان تناوُلُه يسيرًا، ثم قد تكلَّم الأئمةُ على صحتها وحُسنها وضعفها، فجاؤوا بما لا يَحتاجُ الناظرُ معه إلى غيره، ووَضَعوا في ذلك مؤلفاتٍ مشتملةً على ذلك اشتمالًا على أحسنِ وجهٍ وأبدعِ أسلوب؛ ثم أوضحوا ما في السُّنة من الغريب؛ بل جَمعوا بين المتعارِضات، ورجَّحوا ما هو راجح، ولم يدَعوا شيئًا تدعُو إليه الحاجة؛ فإذا وقف على ذلك مَنْ قد تأهَّل للاجتهاد، وظَفِر بعلومه، أخذه أخذًا غيرَ أخْذِ مَنْ لم يكن كذلك، وعَمِل عليه مطمئنةً به نفسه، ساكنةً إليه، نافرةً عن غيره، هاربةً منه.
* * *
_________________
(١) المأرب: الحاجة.
[ ٣٧ ]
الفصل الثاني
أسبابُ الوقوعِ في التعصُّب
وتركِ الإنصاف
[ ٣٩ ]