فإن قلت: فهل بقي مَطمعٌ في أهل هذه الطبقة؟ وكيف الوصولُ إلى إرشادهم إلى الإنصاف، وإخراجهم عن التعصُّب؟.
قلت: لا مطمعَ إلا بتوفيق اللَّهِ وهدايته؛ فإنه إذا أراد أمرًا يسَّر أسبابه، وسهَّل طرائقه، وأحسنُ ما يستعمله العالِمُ مع هؤلاء: ترغيبُهم في العلم، وتعظيمُ أمره، والإكثارُ من مدح علوم الاجتهاد، وأن بها يُعرفُ أهلُ العلم الحقِّ من الباطل، ويميِّزون الصوابَ من الخطأ، وأن مجرد التقليد ليس مِنْ
[ ٨٠ ]
العلم الذي ينبغي عَدُّ صاحبه من جُملةِ أهل العلم؛ لأن كل مقلِّدٍ يُقرُّ على نفسه بأنه لا يَعقِلُ حُججَ اللَّه، ولا يفهمُ ما شرعه لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ (^١)، وأن مَنْ ظَفِر مِنْ طلبه، وفاز مِنْ كدِّه ونصبه بمجردِ اتباع فردٍ من أفراد علماء هذه الأمة وتقليدِه، وقبولِ قوله دون حُجته: فلم يَظفر بطائل، ولا نال حظًّا.
فإن بقي فيمن كان مِنْ هذه الطبقةِ نصيبٌ من علوِّ الهمة، وحظٌّ من شرف النفس، وقِسطٌ من الرغبة في نَيل ما هو أعلى مناقبِ الدنيا والآخرة، فقد تَميلُ نفسه إلى العلم بعضَ الميل، فيأخذُ من علوم الاجتهاد بنصيب، ويفهمُ بعض الفهم، فيَعرفُ أنه كان معلِّلًا لنفسه بما لا يُسمِنُ ولا يُغني من جوع، ومشتغلًا بما لا يرتقي به إلى شيءٍ من درجات العلم.
فهذا الدواءُ لأهل هذه الطبقة من أنفع الأدوية، وهو لا يؤثِّرُ بعض التأثير إلا مع كون ذلك المخاطَب له بعضُ استعدادٍ للفهم، وعنده إدراكٌ وهو القليل.
أمَّا من كان لا يفهمُ شيئًا من علوم الاجتهاد وإن أجهد نفسه، وأطال عناءها، وأعظم كدَّها؛ كما هو الغالبُ على أهل هذه الطبقة؛ فإنهم إذا استفرغوا وُسعَهم في علم الرأي، وأنفقوا في الاشتغال به شطرًا من أعمارهم، وسكنت أنفسُهم إلى التقليد سكونًا تامًّا، وقبِلتْه قبولًا كليًّا: لم تَبْقَ فيهم بقيةٌ لفهم شيءٍ من العلوم. وقد شاهَدْنا من هذا الجنس مَنْ لا يأتي عليه الحصر.
وقد تَقتضيهِ في بعض الأحوال رغبةٌ تجذبُه إلى النظر في علم النحو، فلا يفهمُه قط؛ فضلًا عن سائر علوم الاجتهاد التي يفتتحُها الطلبةُ بِهذا العلم.
_________________
(١) فتعريف التقليد في أصول الفقه هو: قبولُ قول الغيرِ بلا حُجة.
[ ٨١ ]
فمَن كان على هذه الصفةِ وبِهذه المنزلة، لا يأتي إرشادُه إلى تعلُّم علوم الاجتهاد بفائدة، وأحسنُ ما يستعملُه معه مَنْ يريد تقليلَ تعصُّبِه، ودفعَ بعضِ ما قد تغيَّرت به فطرتُه: هو أن ينظرَ العالِمُ مَنْ عَمِلَ بذلك الدليلِ الذي هو الحق من قدماء المقلَّدين، فيُذكِّرُهم أنه قد خالَف إمامَهم في تلك المسألة فلانٌ وفلانٌ ممن هو في طبقته أو أعلى طبقةً منه، وليس هو بالحقِّ أولى من المخالِفين له، فإن قَبِل ذهنُهم هذا فقد انفتح بابُ العلاج للطبيب؛ لأنه ينتقلُ معهم من ذلك إلى ما استَدلَّ به إمامُهم، وما استَدلَّ به مَنْ خالفه، ويَنتقلُ منه إلى وجوهِ الترجيح؛ مبتدئًا بما هو أقربُ إلى قبولِ فَهْمِ ذلك العليل (^١).
ثم ينقُلُه من مرتبةٍ إلى مرتبة، حتى يستعمل منَ الدواء ما يُقلِّلُ تلك العِلَّة؛ فإنه إذا أدرك العليلُ ذهابَ شيءٍ منها حَصَل له بعضُ نشاطٍ يَحملُه على قبول ما يَذهبُ بالبقية.
ولكنْ ما أقلَّ مَنْ يقبل شيئًا من هذه الأدوية! فإنه قد ارتكز في ذِهن غالبِ هؤلاء أن الصحةَ والسلامةَ لهم هي في نفس العِلَّةِ التي قد تمكَّنت من أذهانِهم، فسَرَت إلى قلوبهم وعقولهم، وأُشربوا مِنْ حُبِّها زيادةً على ما يجدُه الصحيحُ عن العِلَّةِ مِنْ محبةِ ما هو فيه من الصحَّة والعافية (^٢).
وسبب ذلك: أنهم اعتقدوا أن إمامَهم الذي قلَّدوه ليس في علماءِ الأمة
_________________
(١) يعني المقلِّد. وفي بعض المطبوعات: «التعليل»، وكلاهما وجيه.
(٢) معنى الفقرة: أن هؤلاء المُقلِّدةَ المتعصبةَ قد اقتنعوا تمامًا أن سلامتَهم وفلاحهم إنما هو في التعصُّب لإمامهم الذي يقلِّدونه، وعدم الالتفات إلى قولِ أيِّ أحدٍ سواه؛ إذ قد تشرَّبت قلوبُهم هذا التعصبَ الذميم، وصاروا يحبُّونه محبةً أعظمَ من محبةِ المُعافَى للصحة والعافية التي معه.
[ ٨٢ ]
مَنْ يُساويهِ أو يُدانيه! ثم قَبِلت عقولُهم هذا الاعتقادَ الباطل، وزاد بزيادةِ الأيام والليالي، حتى بلغ إلى حدٍّ يَتسبَّبُ عنه أن جميعَ أقوالِه صحيحةٌ جاريةٌ على وِفقِ الشريعة ليس فيها خطأٌ ولا ضَعف! وأنه أعلمُ الناس بالأدلة الواردة في الكتاب والسُّنة على وجهٍ لا يفوت عليه منها شيءٌ، ولا تخفى منها خافية، فإذا أُسمعوا دليلًا في كتاب اللَّهِ أو سُنةِ رسولِه ﷺ، قالوا: «لو كان هذا راجحًا على ما ذهب إليه إمامُنا، لذهب إليه ولم يتركه؛ لكنه تركه لِما هو أرجَحُ منه عنده»؛ فلا يرفعون لذلك [الدليلِ] رأسًا، ولا يَرونَ بمخالفته بأسًا! وهذا صنيعٌ قد اشتُهر عنهم، وكاد أن يَعُمَّهم قَرنًا بعد قرن، وعصرًا بعد عصر، على اختلافِ المذاهب وتبايُنِ النِّحَل.
فإذا قال لهم القائل: «اعمَلوا بِهذه الآية القرآنية، أو بِهذا الحديث الصحيح». قالوا: «لستَ أعلمَ من إمامنا حتى نتَّبِعَك، ولو كان هذا كما تقول، لم يُخالِفْه من قلَّدْناه، فهو لم يخالِفْه إلَّا إلى ما هو أرجحُ منه».
وقد ينضمُّ إلى هذا مِنْ بعض أهل الجهل والسَّفهِ والوقاحة: وصفُ ذلك الدليل الذي جاء به المخاطِبُ لهم بالبطلان والكذب إن كان من السُّنة (^١)، ولو تمكَّنوا مِنْ تكذيبِ ما في الكتاب العزيز إذا خالف ما قد
_________________
(١) وكذلك يفعل أهل الهوى والضلال في رد النصوص الشرعية التي تُبطل مذاهبهم؛ فإن لهم في هذا طريقين رئيسَين: الطريق الأول: ردُّ تلك الأخبار بالكلية، والتكذيبُ بها. وهذا يكونُ مع سُنةِ رسول اللَّه ﷺ التي تخالفُ ما هم عليه من باطل، ولو كانت في «الصحيحين». الطريق الثاني: تحريفُ دلالات النصوص التي لا يستطيعون ردَّها كالقرآن الكريم؛ فإنهم لمَّا علِموا أنه لا سبيل إلى التلاعب بألفاظِ القرآن الذي هو محفوظٌ بحفظِ اللَّهِ ﷿؛ رأيناهم سلَّطوا سمومهم على دلالاتِ ومعاني تلك الألفاظ، فحرَّفوا الكلِم عن مواضعه، وأخرجوا النصوصَ عن معانيها التي أرادها اللَّهُ ﵎، وقد يفعلون الأمرَ ذاتَه مع الأحاديث النبوية التي تلقَّتها عقولُهم بالقبول!.
[ ٨٣ ]
قلَّدوا فيه لفعلوا!.
وأمَّا في ديارنا هذه، فقد لَقَّنهم مَنْ هو مثلُهم في القصور والبُعدِ عن معرفة الحق: ذريعةً إبليسية، ولطيفةً مشؤومة، هي: أن دواوين الإسلام الصحيحين، والسنن الأربع، وما يلتحق بها من المسنَدات والمجاميع المشتملة على السنة إنما يَشتغلُ بها، ويكرِّرُ درسَها، ويأخذُ منها ما تدعو حاجتُه إليه: مَنْ لم يكن من أتباع أهل البيت؛ لأن المؤلِّفين لها لم يكونوا من الشِّيعة!! فيدفعون بِهذه الذَّريعةِ الملعونةِ جميعَ السُّنةِ المطهَّرة؛ لأن السُّنةَ الواردةَ عن رسولِ اللَّه ﷺ هي ما في تلك المصنَّفات ولا سُنةَ غيرُ ما فيها، وهؤلاء وإن كانوا يُعَدُّون من أهل العلم لا يستحقون أن يُذكروا مع أهله، ولا ينبغي الشُّغْلُ بنشر جَهلهم وتدوينِ غَباوتِهم؛ لكنهم لما كانوا قد تلبَّسوا بلِباس أهلِ العلم، وحَمَلوا دفاترَه، وقَعَدوا في المساجد والمدارس، اعتقدتْهم العامةُ من أهل العلم، وقبِلوا ما يُلقِّنونَهم من هذه الفواقر (^١)، فضلُّوا وأَضلُّوا، وعظُمت بهم الفتنة، وحَلَّت بسببهم الرزيَّة (^٢)، فشاركوا سائرَ المقلِّدةِ في ذلك الاعتقادِ في أئمَّتهم الذين قد قلَّدوهم، واختُصُّوا من بينهم بِهذه الخَصلةِ الشَّنيعةِ والمَقالةِ الفظيعة؛ فإن أهل التقليدِ مِنْ سائر المذاهب يُعظِّمون كُتُبَ السُّنة، ويعترفون بشرفِها، وأنها أقوالُ رسول اللَّه ﷺ وأفعالُه، وأنها هي دواوينُ الإسلام، وأُمَّهاتُ الحديث وجوامعُه التي عَوَّل (^٣) عليها أهلُ العلم في سابق الدهر ولاحِقِه، بخلافِ أولئك؛ فإنها عندهم بالمنزلة
_________________
(١) الفواقر: الدواهي.
(٢) الرزيَّة: البلية.
(٣) عوَّل: اعتمد.
[ ٨٤ ]
التي ذكرنا، فضمُّوا إلى شُنعةِ التقليد شُنعةً أخرى هي أشنعُ منها، وإلى بدعةِ التعصب بدعةً أخرى هي أفظع منها! ولو كان لهم أقلُّ حظٍّ من علم، وأحقرُ نصيبٍ مِنْ فَهْم، لم يَخْفَ عليهم أن هذه الكتبَ لم يَقصِدْ مصنِّفُوها إلَّا جَمْعَ ما بَلَغ إليهم من السُّنة بحسب ما بلغت إليه مقدرتُهم، وانتهى إليه علمُهم، ولم يتعصَّبوا فيها لمذهب، ولا اقتَصروا فيها على ما يُطابقُ بعض المذاهب دون بعض؛ بل جَمعوا سُنةَ رسول اللَّه ﷺ لأمَّته؛ ليأخذَ كلُّ عالِمٍ منها بقَدْرِ عِلمه، وبحسب استعداده.
ومَن لم يفهم هذا فهو بَهيمةٌ لا يَستحقُّ أن يُخاطَبَ بما يُخاطَبُ به النوعُ الإنساني، وغايةُ ما ظَفِر به من الفائدة بمُعاداةِ كتب السنة: التسجيلُ على نفسه بأنه مبتدعٌ أشدَّ ابتداع؛ فإنَّ أهلَ البدع لم يُنكروا جميعَ السنة، ولا عادَوْا كُتبَها الموضوعةَ لجَمعها، بل حَقَّ عليهم اسم «البدعة» عند سائر المسلمين بمخالفة «بعض» مسائل الشرع.
فانظر أصلحك اللَّه إلى ما يَصنعُ الجهلُ بأهله، ويَبلغُ منهم، حتى يوقِعَهم في هذه الهُوَّة، فيعترفونَ على أنفسهم بما يَقشعِرُّ له جِلدُ الإسلام، وتبكى منه عيونُ أهله.
وليتَهم نزَّلوا كتبَ السُّنةِ منزلةَ فنٍّ من الفنون التي يَعتقدون أن أهلَه أعرفُ به من غيرهم وأعلمُ ممن سواهم؛ فإن هؤلاء المقلِّدةَ على اختلاف مذاهبهم وتبايُنِ نِحَلِهم إذا نظروا في مسألةٍ من مسائل النحو، بحثوا كتب النحاة، وأخذوا بأقوال أهلِه وأكابرِ أئمَّتِه كسيبويه والأخفش ونحوهِما، ولم يلتفِتوا إلى ما قاله مَنْ قلَّدوهم في تلك المسألة النحوية؛ لأنهم يعلمون أن لهذا الفنِّ أهلًا هم المرجوعُ إليهم فيه! فلو فرَضْنا أنه اختَلف أحدُ المؤلِّفين
[ ٨٥ ]
في الفقه من أهل المذاهب المأخوذ بقولهم المرجوع إلى تقليدهم وسيبويهِ في مسألةٍ نحْوية، لم يشكَّ أحدٌ أن سيبويه هو أولَى بالحق في تلك المسألة من ذلك الفقيه؛ لأنه صاحبُ الفنِّ وإمامه.
وهكذا لو احتاج أحدٌ من المقلِّدين أن ينظرَ في مسألةٍ لُغويةٍ، لرجع إلى كتب اللغة، وأَخذ بقولِ أهلها، ولم يلتفت في تلك المسألةِ إلى ما قاله مَنْ هو مقلِّدٌ له، ولا عَوَّل عليه، ولا سيَّما إذا عارَضَ ما يقولُه مَنْ هو مِنْ أئمةِ اللغة، وخالَف ما يوجد في كتبها.
وهكذا لو أراد أحدُهم أن يبحث عن مسألةٍ أصولية، أو كلامية (^١)، أو تفسيرية … أو غير ذلك من علومِ العقل والنقل، لم يَرجِع في كلِّ فنٍّ إلَّا إلى أهله، ولا يُعوِّلُ على سواهم؛ لأنه قد عَرف أن أهلَ تلك الفنون أخبَرُ بها، وأتقنُ لها، وأعرفُ بدقائقها وخفيَّاتِها، وراجِحها ومرجوحها، وصحيحِها وسقيمها، بخلاف مَنْ يقلِّدونه؛ فإنه وإن كان في علم الفقه بارعًا عارفًا به، لكنه في هذه الفنون لا يرتقي إلى أقلِّ أهلِهِ رُتبةً وأحقرِهم معرفةً، ولا يرضى مقلِّدوه أن يعارِضُوا بقوله في هذه الفنون قولَ مَنْ هو مِنْ أهلها!.
وإذا عرفتَ هذا من صنيعهم وتبيَّنتَه، فقل لهم: ما بالُكم تركتم خيرَ الفنون نفعًا، وأشرفَه أهلًا، وأفضلَه واضعًا وهو علمُ السُّنة؟! فإنكم قد عَلِمتم أن اشتغالَ أهلِ هذا العلمِ به أعظمُ من اشتغال أهل سائر الفنون
_________________
(١) أي: من مسائل علم العقيدة. واعلمْ أن تسمية هذا العلمِ الشريف ب «علم الكلام»، تسميةٌ بدعيةٌ مرفوضة، لِما بينهما من الاختلاف الشاسع، وإنما يسمى ذلكم العلم العظيم: «العقيدة، التوحيد، السُّنة، أصول الدين، الفقه الأكبر، الشريعة، الإيمان». راجع: «بُحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة»، للشيخ الجليل ناصر بن عبد الكريم العقل (١٣ دار العاصمة).
[ ٨٦ ]
بفنونِهم، وتنقيحَهم له، وتَهذيبَه، والبحثَ عن صحيحه وسقيمه، ومعرفةَ عِلله، والإحاطةَ بأحوال رواته، وإتعابَ أنفُسِهم في هذا الشأن ما لا يَتعبُه أحدٌ من أهل الفنون في فنونهم، حتى صار طالبُ الحديث في تلك العصور لا يكون طالبًا إلَّا بعد أن يرحل إلى أقطارٍ متباينةٍ، ويَسمعَ من شيوخٍ عِدَّة، ويعرفَ العاليَ والنازلَ، والصحيحَ وغيره؛ على وجهٍ لا يخفى عليه مَخرَجُ الحرفِ الواحد من الحديث الواحد فضلًا عن زيادةٍ على ذلك، وفيهم مَنْ يحفظُ مِئةَ ألف حديث، إلى خَمْسِمِئةِ ألف حديث، إلى ألفِ ألفِ حديث، هي عن ظهر قلبِه لا تخفى عليه منها خافيةٌ، ولا يَلتبسُ عليه فيها حرفٌ واحد! ومع هذا الحفظ والإتقان في المتون كذلك يحفظون ويُتقنون أسانيدها إلى حدٍّ لا يَخفى عليهم من أحوال الرواة شيءٌ، ولا يَلتبسُ عليهم ما كان فيه من خيرٍ وشر، وجرحٍ وتعديل، ويتركون مَنْ وجدوا في حِفظه أدنى ضعف، أو كان به أقلُّ تساهل، أو أحقرُ ما يُوجب الجرح.
وبالجملة، فمَن عرف الفنونَ وأهلَها معرفةً صحيحةً، لم يَبْقَ عنده شكٌّ أن اشتغالَ أهلِ الحديث بفنِّهم لا يُساويه اشتغالُ سائرِ أهل الفنون بفنونهم، ولا يقاربه؛ بل لا يُعدُّ بالنسبةِ إليه كثيرَ شيء؛ فإن طالب الحديثِ لا يكادُ يَبلغُ مِنْ هذا الفنِّ بعضَ ما يريدُه إلَّا بعد أن يُفنيَ صباهُ وشبابَه وكهولتَه وشيخوختَه فيه، ويُطوِّفَ الأقطار، ويستغرقَ بالسماع والكَتْبِ الليلَ والنهار. ونحن نجدُ الرجلَ يشتغلُ بفنٍّ من تلك الفنون العامَ والعامين والثلاثة، فيكون معدودًا من محقِّقي أهله ومُتقِنيهم؛ فما بالُكم أيُّها المقلدة إذا أردتم الرجوع إلى فنِّ «السنة»، لم تصنعوا فيه كما تصنعونه في غيره من الرجوع إلى أهل الفن، وعدمِ الاعتدادِ بغيرهم؟! وهل هذا منكم إلا التعصُّبُ البحتُ،
[ ٨٧ ]
والتعسُّفُ الخالص، والتحكُّمُ الصِّرف؟ فهلَّا صنعتم في هذا الفن الذي هو رأسُ الفنون وأشرفُها كما صنعتم في غيره؛ فرجعتم إلى أهله، وتركتم ما تجدونه مما يخالِفُ ذلك في مؤلَّفاتِ المشتغلِين بالفقه؛ الذين لا يفرِّقون بين أصحِّ الصحيح وأكذبِ الكذب؛ كما يعرفُ ذلك مَنْ يعرفُ نصيبًا من العلم وحظًّا من العرفان؟!.
ومَن أراد الوقوفَ على حقيقة هذا، فلْينظر مؤلَّفاتِ جماعةٍ هم في الفقه بأعلى رتبة، مع التبحُّرِ في فنونٍ كثيرة كالجُوينى والغزَّالى وأمثالهما؛ فإنهم إذا أرادوا أن يتكلَّموا في الحديث، جاؤوا بما يَضحَكُ منه سامعُه ويَعجَب؛ لأنهم يُورِدون الموضوعات فضلًا عن الضِّعاف، ولا يعرفون ذلك، ولا يَفطِنون له، ولا يفرِّقون بينه وبين غيره! وسببُ ذلك عدمُ اشتغالهم بفنِّ الحديث كما ينبغي، فكانوا عند التكلم فيه عبرةً من العِبَر.
وهكذا حالُ مِثلِ هاذين الرجلين وأشباههم من أهل طبقتهم مع تبحُّرهم في فنونٍ عديدة؛ فما بالُك بمن يتصدَّى للكلام في فنِّ الحديث، ويشتغلُ بإدخاله في مؤلفاته، وهو دون أولئك بمراحلَ لا تُحصر؟!.
وهكذا تجدُ كثيرًا من أئمَّة التفسير الذين لم يكن لهم كثيرُ اشتغالٍ بعلمِ السنة كالزمخشري والفخر الرازي وغالبِ من جاء بعدهم؛ فإنهم يُورِدون في تفاسيرهم الموضوعاتِ التي لا يَشكُّ مَنْ له أدنى اشتغالٍ بعلم الحديث في كونه موضوعًا مكذوبًا على رسول اللَّه ﷺ، وذلك المفسِّرُ قد أدخله في تفسيره، واستَدلَّ به على ما يقصدُهُ من تفسير كتاب اللَّه سبحانه!!.
وهكذا أئمةُ أصول الفقه؛ فإن أكثرَ مَنْ يشتغلُ مِنْ الناس في هذا الزمان بمؤلَّفاتِهم لا يَعرفون فنَّ الحديث، ولا يميِّزون شيئًا منه؛ بل يَذكُرون في
[ ٨٨ ]
مؤلفاتِهم الموضوعات، ويبنُون عليها القناطر!!.
وبِهذه الأسباب تلاعَبَ الناسُ بِهذا الفن الشريف، وكَذَبوا على رسول اللَّه ﷺ أقبحَ كذب، فصار مَنْ له تمييزٌ يَقضي من صنيعهم العجب إذا وقف على مؤلَّفاتِهم! ومع ذلك فهم لا يشعُرون بما هم فيه من الخطإ والخطل (^١) والزَّلل، وهم المُوقِعُون لأنفُسِهم في هذه الوَرْطة بعدم رجوعِهم في هذا الفن بخصوصه إلى أهلهِ المُشتغِلِين به، كما يرجعون إلى أهل سائر الفنون عند احتياجهم إلى مسألةٍ من مسائله.