فالعالِمُ الذي أعطاه اللَّهُ الأمانة، وحَمَّله الحُجة، وأخذ عليه البيان، يُورد الكلامَ مع كل أحدٍ على حسب ما يقبلُه عقلُه، وبقدر استعداده.
(١) فإن كان كلامُه مع أهل العلم الذين يَفهمون الحُجة، ويَعقِلون البرهان، ويَعلمون أن اللَّهَ سبحانه لم يتعبد عبادَه إلَّا بما أنزله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وحالَ بينهم وبين الالتفات إلى ذلك، والرجوعِ إليه والعملِ عليه: ما تكدَّرت به فِطَرُهم، وتشوَّشت عنده أفهامُهم، من اعتقادِ أحقيةِ التقليد، أو استعظامِ الأمواتِ من أهل العلم، أو استقصارِ أنفسِهم عن معرفةِ الحق بنص الدليل: فعليه (^٢) أن يَعتمد معهم تسهيلَ ما تعاظَموه من الوقوف على الحق قائلًا: إن اللَّه تعبَّد جميعَ هذه الأمةِ بما في الكتاب والسُّنة، ولم يخُصَّ بفَهم ذلك مَنْ كان مِنْ السلف دون مَنْ تَبِعهم من الخلَف، ولا قصُر فضلُه بما شرعه لجميع عباده على أهل عصرٍ دون عصر، أو أهلِ قُطرٍ دون قُطر، أو أهلِ بطنٍ دون بطن؛ فالفَهمُ الذي خَلَقه للسلف خَلَق مِثلَه للخلف،
_________________
(١) وهذا لابد أن يفقهه كلُّ داعيةٍ يريد إرشادَ الناس لطريق ربِّه؛ وعليه بدراسةِ منهج الأنبياء ﵈ في دعوةِ أُممِهم دراسةً جيدةً حتى تسير دعوتُه على هدًى وبصيرة، وتقلَّ الخسائرُ التي يجنيها من لم يدرس ذلكم المنهاج الطاهر في الدعوة إلى اللَّه ﷿.
(٢) هذا جواب الشرط في قوله: «فإن كان كلامه مع أهل العلم …» أول الفقرة.
[ ١٣٤ ]
والعقلُ الذي ركَّبه في الأموات ركَّب مِثلَه في الأحياء، والكتابُ والسنةُ موجودانِ في الأزمنة المتأخرةِ كما كانا في الأزمنةِ المتقدمة، والتعبُّدُ بهما لمن لَحِقَ (^١) كالتعبُّد لمن مضى، وعِلمُ لُغةِ العرب موجودٌ في الدفاتر عند المتأخِّرين على وجهٍ لا يَشِذُّ منه شيءٌ؛ بعد أن كان المتقدِّمون يأخُذون عن الرواة حرفًا حرفًا، ويستفيدون من أربابه كلمةً كلمة.
وكذلك تفسيرُ الكتاب العزيز موجودٌ في التفاسير التي دوَّنها السلفُ للخَلَف؛ بعد أن كان الواحدُ منهم يَرحلُ في تفسير آيةٍ من كتاب اللَّه إلى الأقطار الشاسعة.
وكذلك الأحاديثُ المرويةُ عن رسول اللَّه ﷺ موجودةٌ في الدفاتر التي جَمَعها الأوَّلُ للآخِر؛ بعد أن كان الواحدُ منهم يرحل في طلب الحديثِ الواحد إلى البلاد البعيدة.
وهكذا جميعُ العلوم التي يُستعان بها على فهم الكتاب والسنة.
فالوقوفُ على الحق، والاطلاعُ على ما شَرَعه اللَّهُ لعباده قد سهَّله اللَّهُ على المتأخِّرين، ويسَّره على وجهٍ لا يحتاجون فيه منَ العناية والتعب إلَّا بعضَ ما كان يحتاجُه مَنْ قبلهم؛ وقد قدمنا الإشارة إلى هذا المعنى (^٢).
_________________
(١) لَحِق: جاء متأخرًا.
(٢) وها نحن في عصرنا هذا قد يسَّر اللَّهُ تعالى علينا أكثرَ من عصر المصنف ﵀ في إمكانية جلبِ كتب العلم التي كان كثيرٌ من العلماء يتمنَّون رؤيتها بعيونِهم؛ لا سيَّما عن طريق «الحاسب الآلي» الذي يسَّر الكثيرَ والكثير من البحوث على طلبة العلم؛ وبالرغم من هذا قلَّ مَنْ استفاد من تلك النِّعم في نشرِ العلم ونيل المعالي. لكن لابد من التنبُّهِ إلى أن «الحاسب الآلي» وحده لا يصنعُ طالبَ علمٍ نافعًا، ولا يجعل من الجاهل عالمًا؛ بل لابد من تلقِّي العلم عن أهله الثقات، مع الرجوع الدائمِ إلى الكتب المحققة المعتمدة.
[ ١٣٥ ]
ثم إن هذا العالِمَ يوضِّحُ لمن يأخذُ عنه العلمَ في كل بحثٍ ما يقتضيه الدليل، ويوجبُه الإنصاف؛ وهو وإن أبى ذلك في الابتداء فلابد أن يؤثِّر ذلك البيانُ في طبعه قبولًا، وفي فطرته انقيادًا.
ويَحرصُ على أن تكون أوقاتُه مشغولةً بتدريس الطلبة في كتب التفسير والحديث وشروحه، وفي كتب الفقهِ التي يتعرَّضُ مؤلِّفُوها لذِكرِ الأدلة والترجيح؛ فإنه في تدريس هذه المؤلفاتِ يتيسَّرُ له من الإرشاد والهداية، وتأسيسِ الحق، وتقريبِ الإنصاف، ما لا يتيسَّر له في غيرها.
(٢) وإن كان كلامُه مع مَنْ هو دونَ هذه الطبقة، فأنفعُ ما يُلقيه إليه: هو ترغيبُه في علوم الاجتهاد، وتعريفُه أن المقصودَ بِهذه العلومِ هو الوصولُ إلى ما وصل إليه علماءُ الإسلام؛ فإذا جَدَّ في ذلك فقد انفتحت منه أبوابُ الهداية، ولاحت عليه أنوارُ التوفيق. ثم إذا تأهَّل واستعدَّ لفهم الحُجة، سَلَك معه المسلكَ الأول (^١).
(٣) ومن كان لا يَهتدي إلى طَلب تلك العلوم بوجهٍ من الوجوه، فأقربُ ما يسلكُه العالِمُ معه، هو أن ينظرَ إلى مَنْ قال مِنْ أهل العلم الذين يعتقدُهم ذلك المقصِّرُ بما قامت عليه الأدلة، وأوجب سلوكَه الإنصاف، فيقول له: «إن قول العالِمِ الفلانيِّ قولٌ راجحٌ؛ لقيام الأدلة عليه».
ثم يصنعُ معه هذا الصُّنعَ في المسائل التي يعتقدُها تقليدًا، ويَجمُدُ عليها قصورًا؛ فإن انتفع بذلك فهو المطلوب، وإن لم ينتفع فأقلُّ الأحوال السلامةُ من مَعَرَّته (^٢)، والخلوصُ من شرِّه.
_________________
(١) يقصد: الذي سلكه أهل العلم مع الذين يفهمون الحُجة ويعقلون البُرهان.
(٢) المَعرَّة: العيب والعار.
[ ١٣٦ ]
(٤) وأما العامةُ الذين لم يتعلَّقوا بشيءٍ من عِلم الرأي، فهم أسرعُ الناس انقيادًا، وأقربُهم إلى القبول؛ إنْ سَلِموا مِنْ بلايا ما يُلقيهِ إليهم المتعصِّبون.
وبالجملة: فالعالِمُ المتصدِّي للإرشاد، المتصدِّي للهداية، لا يَخفَى عليه ما يَصلُح منَ الكلام مع مَنْ يتكلم معه.
فهذا هو الذي أردتُه مِنْ نشر حُجج اللَّه، وإرشادِ العباد إليها، وقد قدمتُه بأبسطَ من هذا؛ وإنما كررتُه هنا لقصدِ دفع ما سَبق من السؤال.