ومِثلُ هذا لا مَدخل فيه لعَصبيةٍ، ولا مجالَ عنده لحميَّةٍ؛ بل هو شيءٌ بينَ اللَّهِ سبحانه وبين جميع عباده، تعبَّدهم به تعبُّدًا مطلقًا، أو مشروطًا بشروط، وأنه لا يَخرجُ عن ذلك فردٌ من أقوامهم، بل أقدامُهم متساويةٌ في ذلك عالِمُهم وجاهِلُهم، وشريفُهم ووضيعُهم، وقديمُهم وحديثهم، ليس لواحدٍ منهم أن يدَّعي أنه غيرُ متعبَّدٍ بما تعبَّد اللَّهُ به عباده، أو أنه خارجٌ عن التكليف، أو أنه غيرُ محكومٍ عليه بأحكام الشرع، ومطلوبٍ منه ما طلبه اللَّهُ من سائر الناس (^٢)، فضلًا عن أن يرتقيَ إلى درجةِ التشريع، وإثباتِ الأحكام الشرعية، وتكليفِ عبادِ اللَّه سبحانه بما يصدُر عنه من الرأي! فإنَّ هذا أمرٌ لم يكن إلا للَّهِ سبحانه لا لغيره من البشر كائنًا من كان، إلَّا فيما فوَّضه إلى رُسُله، وليس لغير الرسل في هذا مدخلٌ؛ بل الرسلُ أنفسُهم متعبَّدون بما تعبَّدَهم اللَّهُ به، مكلَّفون بما كُلِّفوا به، مطالَبون بما طلبه منهم، وتخصيصُهم بأمورٍ لا تكون لغيرهم لا يعني خروجَهم عن كونِهم كذلك؛ بل هم من جُملةِ البشر، ومِن سائر العِبادِ في التكليف بما جاؤوا به عن اللَّه ﷿، وقد أَخبروا بِهذا، وأَخبر به اللَّهُ عنهم، كما في غير موضع منَ الكتابِ العزيزِ ومن السُّنة النبوية (^٣)،
_________________
(١) أي: يعقدُ معه به تجارةً رِبحُها الجنة.
(٢) كالمُلحِدين الذين يقولون برفع التكليف عنهم إذا وصلوا للمراتب العليا من التقوى واليقين حسب زعمِهم، وإنْ هو إلَّا الضلال والانحلال.
(٣) كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل]، فهي بيانٌ أن الرسل إنما يبلَّغون أمر مولاهم ﷿، وقوله تعالى عن أنبيائه ورسله: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء]، يدل على أنهم أعمل الناس بما يكلف اللَّهُ به عباده.
[ ٢٧ ]
وكما وقَفْنا عليه في التوراة والإنجيل والزبور مكرَّرًا في كلِّ واحدٍ منها.
وإذا كان هذا حالَ الرسل عليهم الصلاة والسلام في التعبُّد بالأوامر الشرعية، والتوقُّفِ في التبليغ على ما أمرهم تعالى بتبليغه، فلا يَشْرَعون للناس إلَّا ما أَذِن لهم به وأَمرهم بإبلاغه، وليس لهم من الأمر شيءٌ إلَّا مجردُ البلاغِ عن اللَّه، والتوسطِ بينه وبين عباده فيما شرعه لهم وتعبَّدهم به، كما هو معنى «الرسول» و«الرسالة» لغةً وشرعًا، عند من يَعرفُ علم اللغة ومصطلحَ أهل الشرع.
ولا يُنافي هذا وقوعُ الخلاف بين أئمة الأصول في إثباتِ اجتهاد الأنبياء ونَفْيِه (^١)، فإن الخلافَ المحرَّرَ في هذه المسألة لفظيٌّ عند من أنصف وحَقَّق (^٢)؛ فكيف بحالِ غيرهم من عِباد اللَّهِ ممن ليس هو من أهل الرسالة، ولا جَعله
_________________
(١) هذه المسألة فيها جانبا إجماع، وجانبُ خلاف: أما جانبا الإجماع:
(٢) فقد أجْمعوا على أنه يجوز عقلًا تعبُّدهم بالاجتهاد كغيرهم من المجتهدين.
(٣) وأجْمعوا أيضًا على أنه يجوزُ لهم الاجتهادُ فيما يتعلقُ بمصالح الدنيا. وأما جانب الخلاف: فهو اجتهادُهم في الأحكام الشرعية؛ فقد اختلفوا فيه على مذاهب:
(٤) ليس لهم ذلك؛ لقدرتِهم على النص بنزول الوحي. وهذا مذهبُ الأحناف، وابن حزم، وغيرهم.
(٥) يجوزُ لهم ذلك؛ سواءٌ لنبينا أو لغيره من الأنبياء ﵈. وهذا مذهب جُمهور العلماء.
(٦) الوقفُ عن القطع بشيءٍ من ذلك. وهذا اختيارُ القاضي أبي بكر الباقلَّاني، وأبي حامدٍ الغزَّالي. انظر أدلة كلِّ قولٍ، والمآخذَ والردود في: «إرشاد الفحول»، للعلَّامة الشوكاني ﵀ (٢/ ١٠٤٥ ط: دار الفضيلة)، وبهامش تحقيقه ثَبَتٌ بأهمِّ المراجع.
(٧) وذلك لأنهم على القول بجوازِ الاجتهاد لهم، فإن اجتهادَهم في الأمور الشرعية معصومٌ من الخطإ قطعًا؛ إذ لا يقرُّون على خطإٍ، واللَّهُ تعالى أعلم.
[ ٢٨ ]
اللَّهُ من أهل العصمة، كالصحابة، فالتابعين، فتابعيهم من أئمةِ المذاهب، فسائرِ حَمَلةِ العلم؟! فإن مَنْ زَعم أن لواحدٍ من هؤلاء أن يُحدِثَ في شرعِ اللَّه ما لم يكن فيه، أو يتعبَّدَ عبادَ اللَّه بما هو خارجٌ عما هو منه، فقد أَعظَمَ على اللَّه الفِرْية (^١)، وتقوَّل على اللَّه تعالى بما لم يقُل، وأوقع نفسَه في هُوَّةٍ لا ينجو منها؛ إلَّا أنه طَرَحها في مَطْرَح سُوء، ووَضَعها في موضع شر، ونادى على نفسه بالجهل، والجرأةِ على اللَّه تعالى، والمخالفةِ لما جاءت به الشرائع، وما أَجْمَعَ عليه أهلها؛ فإن هذه (^٢) رُتبةٌ لم تكن إلَّا للَّه، ومنزلةٌ لا يَنزِلُها غيرُه، ولا يدَّعيها سواه، فمن ادعاها لغيره تصريحًا أو تلويحًا فقد أدخل نفسَه في بابٍ من أبواب الشرك، وكان ذلك هو الفائدةَ التي استفادها من طلبه، والرِّبحَ الذي رَبِحه مِنْ تَعِبِه ونَصَبِه، وصار اشتغالُه بالعلم جنايةً عليه، ومحنةً له، ومصيبةً أصاب بها نفسه، وبليَّةً قادها إليها، ومعصيةً كان عنها بالجهل وعدمِ الطلب في راحة.
وهكذا مَنْ لم يُحسن لنفسه الاختيار، ولا سلك فيها مَسالكَ الأبرار، ولا اقتدى بمَن أمر اللَّهُ بالاقتداءِ به من أهل العلم الذين جَعَلهم مَحِلًّا لذلك ومَرجعًا.
فإذا تقرَّر لك هذا، وعلمتَ بما فيه من الضررِ العظيم الذي يَمحَقُ بركةَ العلم ويُشوِّهُ وجهه، ويُصيِّرُه بعد أن كان منَ العبادات التي لا تشبهُها طاعةٌ ولا تماثلُها قُربةٌ: معصيةً محضةً، وخطيئةً خالصةً، تبيَّن لك نفعُ ما أُرشِدُ إليه مِنْ تحرِّي الإيمان؛ الذي مِنْ أعظم أركانه وأهمِّ ما يُحصِّلُه لك: أن تكون مُنصِفًا لا متعصِّبًا في شيءٍ من هذه الشريعة؛ فإنها وديعةُ اللَّهِ عندك، وأمانتُه
_________________
(١) الفِرية: الكذب المفترَى.
(٢) يعني: التشريع.
[ ٢٩ ]
لديك، فلا تَخُنْها وتَمحقْ بركتَها بالتعصُّبِ لعالِمٍ من علماء الإسلام؛ بأن تَجعلَ ما يصدرُ عنه من الرأي، ويُروى له من الاجتهاد حُجةً عليك وعلى سائر العباد؛ فإنك إن فعلتَ ذلك كنتَ قد جعلته شارعًا لا متشرِّعًا، ومكلِّفًا لا مكلَّفًا، ومتعبِّدًا لا متعبَّدًا، وفي هذا من الخطر عليكَ والوبالِ لك ما قدمناه، فإنه وإن فَضَلَك بنوعٍ من أنواع العلم، وفاق عليك بمُدرَكٍ (^١) من مَدارك الفهم؛ فهو لم يَخرُج بذلك عن كونه محكومًا عليه، متعبَّدًا بما أنت متعبَّدٌ به؛ فضلًا عن أن يرتفعَ عن هذه الدرجة إلى درجةٍ يكون رأيُه فيها حُجةً على العباد، واجتهادُه لديها لازمًا لهم؛ بل الواجبُ عليك أن تعترفَ له بالسَّبْق، وتُقِرَّ له بعلوِّ الدرجةِ اللائقة به في العلم، معتقدًا أن ذلك الاجتهادَ الذي اجتهده، والاختيارَ الذي اختاره لنفسه بعد إحاطته بما لابد منه هو الذي لا يجبُ عليه غيرُه، ولا يلزمُه سواه؛ لِما ثبت في «الصحيح» عنه ﷺ من طُرقٍ أنه: «إذا اجتَهد الحاكمُ فأصاب فله أجران، وإن اجتَهد فأخطأ فله أجرٌ (^٢)» (^٣)، وفي خارج الصِّحاح من طُرق: «أنه إذا أصاب فله عشَرةُ أجُور»،
_________________
(١) المُدرَك بضم الميم وفتح الراء على القياس: مفرد «المَدارِك»، وهي: موضعُ طلبِ الحكم الشرعي. قال الفيومي: «وهي: مواضعُ طلب الأحكام، وهي حيثُ يُستدل بالنصوص والاجتهاد من مَدارك الشرع». وقال أيضًا: «الفقهاء يقولون في الواحد: مَدْرَك بفتح الميم، وليس لتخريجه وجهٌ». ثم رد هذا القول لمخالفته القياس. «المصباح المنير» (١٩٢). نقلًا عن «الفتيا المعاصرة»، للشيخ الفاضل خالد بن عبد اللَّه المزيِّني (٩٩ ط: دار ابن الجوزي).
(٢) وهذه الأجور جميعًا في حق العالِمِ بما يتكلمُ فيه، أما الجاهلُ الذي يتجرأ على الفُتيا وإصدارِ الأحكام الشرعية بلا علمٍ ولا بينةٍ، فلا أجْرَ له وإن أصاب، لأنه أتى بالأمر على غير وجهه، وتجرَّأ على الكلام في شرع ربِّه بلا علمٍ ولا إذنٍ منه تعالى.
(٣) صحيح: رواه أحمد (٤/ ١٩٨)، والبخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه (٢٣١٤)، من حديث عمرو بن العاص ﵁، وهو عند الترمذي (١٣٢٦)، والنسائي (٥٣٨١)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٠ ]
وقد صحَّحه الحاكم في «المستدرك» (^١).
وفضلُ اللَّهِ واسع، وعطاؤه جَمٌّ، وليس لك أن تعتقدَ أن صوابه صوابٌ لك، أو خطأَه خطأٌ عليه (^٢)؛ بل عليكَ أن توطِّنَ نفسَك على الجِدِّ والاجتهاد والبحثِ بما يدخُل تحت طَوْقك (^٣)، وتحيطُ به قدرتُك، حتى تبلغَ إلى ما بلغ إليه من أخذِ الأحكام الشرعيةِ مِنْ ذلك المَعْدِن (^٤) الذي لا معدنَ سواه، والموطِنِ الذي هو أولُ الفكر، وآخِرُ العمل.
فإن ظَفِرتَ به فقد تدرَّجتَ من هذه البدايةِ إلى تلك النهاية، وإن قصَّرتَ عنه لم تكن ملُومًا؛ بعد أن قررتَ عند نفسك وأثبتَّ في تصوُّرِك أنه لا حُجةَ إلَّا للَّه، ولا حكمَ إلا منه، ولا شرعَ إلَّا ما شرعه، وأن اجتهاداتِ المُجتهدين ليست بحُجةٍ على أحد، ولا هي من الشريعةِ في شيء؛ بل هي مختصَّةٌ بمن صَدرت عنه لا تتعدَّاه إلى غيره، ولا يجوزُ له أن يَحمِلَ عليها أحدًا من عباد اللَّه، ولا يَحِلُّ لغيره أن يَقبَلَها عنه، ويجعلَها حُجةً عليه يَدينُ (٥) اللَّهَ بها؛
_________________
(١) ضعيف: رواه أحمد (٢/ ١٨٧)، والحاكم (٤/ ٨٨)، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (٢٢٨)، والدَّارَقُطْني (٤/ ٢٠٣)، ورواه أحمد (٤/ ٢٠٥)، والحاكم (٤/ ٢٠٥)، بلفظ: «عشر حسنات»، وصحَّحه الحاكم، وتعقَّبه الذهبي مضعِّفًا، وضعَّفه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١٧/ ٢٤٣ طيبة) أو (١٣/ ٣١٩ السلفية)، وضعَّفه الشيخ شعيب الأرنؤوط في «تحقيق مسند الإمام أحمد» (١١/ ٣٦٧)، والشيخ الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٣٦).
(٢) وهذا الكلام وما سيأتي في حقِّ غيرِ العامي المقلِّد؛ لأن الإمام الشوكاني كما سنلاحظ إنما يتكلمُ عن الطالب الذي يريدُ معرفةَ الحق بدليله، ويمكنه الترقِّي في مدارج الطلب، أما العوامُّ؛ فلا يسعهم إلا تقليدُ علمائهم.
(٣) الطوْق: الطاقة والقدرة.
(٤) يعني: الكتاب والسنة. (٥) يدين: يعبد.
[ ٣١ ]
فإن هذا شيءٌ لم يأذنِ اللَّهُ به، وأمرٌ لم يسوِّغْه لأحدٍ من عبادِه.
ولا يَغُرَّك ما استَدلَّ به القائلون بجوازِ التقليد؛ فإنه لا دلالةَ في شيءٍ مما جاؤوا به على محل النزاع، وقد أوضحنا ذلك في مؤلَّفٍ مستقلٍّ، وهو «القول المفيد في حكم التقليد» (^١)، فارجع إليه إنْ بقي في صدرك حرجٌ؛ فإنك تقفُ فيه على ما يُريحك، ويَنثلجُ به صدرُك، ويَفرحُ عنده رُوعُك (^٢).