عفا اللَّهُ عنه
الحمدُ للَّهِ الذي خَلق علماءَ الحقِّ منارًا للمهتدين، ومَنحهم أسمى المواهبِ حُجةً على العالمين، وأَمر باتِّباعهم على مدارِ الأيام والسِّنين، فدلُّوا الراغبين على شِرعةِ الهدى ومَسلكِ الحقِّ المبين، وكشفُوا لهم سبلَ السلام أداءً لأمانة العلم المتين، وحذَّروهم من سُبل الغواية تعظيمًا لربِّ العالمين، فجزاهم اللَّهُ أوفرَ الجزاءِ وبلَّغهم مُناهم بجوارِ حبيب المؤمنين.
وأشهدُ ألا إله إلا اللَّهُ فاطرُ السماوات والأرَضين، المستحِقُّ للعبادة وحده دون من سواه عبرَ العصورِ والسِّنين، شهادةً أبتغي بها رضوانَه في دنياي ويومَ الحشر المبين.
وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه المبعوثُ رحمةً للعالمين، مَنْ أشرقت برسالته قلوبُ وعقولُ المفلحين، وعمَّت بركاتُه حياةَ الخَلْق أجمعين.
ﷺ وعلى آلِهِ صلاةً وسلامًا دائبينِ كاملينِ، وعلى سائر الصَّحْبِ والتابعين.
أما بعد:
فإنَّ منزلةَ العلم والعلماء لا تخفى على طالبي الآخرة، ويكفينا هنا أن نقول: إن الخَلْق بغير العلم والعلماء حالُهم كحالِ الليل بلا نجوم؛ حياتُهم مظلمة،
[ ٣ ]
وقلوبُهم قاتِمة، وعقولُهم معتِمة! كيف لا؛ والعلمُ هو النورُ والضياءُ والهدى والبهاء؛ مَنْ خالف طريقه ضلَّ، ومن أهمله واتبع هواه فسَيْرُه مُختَل.
وبالرغم من المنزلةِ الساميةِ للعلم وأهلِه، والتي تحفِّزُ أصحاب الهِمَم العليَّة والنفوسِ الزكيةِ للسعي في طلبه ونشره؛ إلَّا أن الحكيم الخبير ﷻ قضى في هذه الحياة أن تعترضَ طريقَ العلم آفاتٌ مُهلكات، وهذه الآفات قسمان:
١ - منها ما يعودُ أثره غالبًا على الطالب فقط؛ كالكِبر والرياءِ وغير هذا من مُهلكات القلوب.
٢ - ومنها ما يعودُ عليه وعلى كلِّ مَنْ حوله بآثارٍ مقيتة، وعواقبَ مؤلمة، ومِن أشد هذه الآفات: «غيابُ الإنصافِ والتعصُّبُ للآراء والأشخاص».
وبالرغم من فداحة القسم الأول في حياةِ الطالب نسأله تعالى السلامة والعافية؛ إلا أن القسمَ الثاني أثرُه أفدح، وعاقبتُه أسوأ؛ ذلك أن ضررَه يعمُّ ما لا يُحصَوْن من الطلبة الذين يُفترض فيهم أن يكونوا ورثةَ الأنبياء وقادةَ الأمة إلى طريق النور.
ومعلومٌ لدى العقلاء أن القادةَ لو انحرفوا في مسالكِهم، وتخبَّطوا في مناهجهم؛ لتَبِعَ ذلك انحرافٌ كبير وشرٌّ مستطيرٌ لدى عامة الناس؛ فإن سُنة اللَّهِ تعالى جرت بأن التابعين يُهرعون دومًا على آثار المتبوعين، فالذي يراهُ العامةُ من كبرائِهم يظنُّون بلا تردد أنه خيرٌ وهُدًى وصواب، فإن كان خيرًا بالفعل كانت العاقبةُ محمودةً على الجميع، وإن كان العكس فالعاقبةُ ستكون منكرةً على الكافة كما هو واقع الحياةِ وسنَّتُها الدائمة.
ومِن هنا كان لابد لكبراءِ الأمةِ وقادةِ الخير وعلى رأسهم العلماء وطلبة العلم أن يصحِّحوا مسارهم دومًا، ويعدِّلوا من أحوالِهم، ولا يفتُروا في أيِّ
[ ٤ ]
ساعةٍ من ليلٍ أو نهار عن النظر في سلوكِهم وسيرتِهم؛ فإن العبدَ لن يزال يتعلمُ ويعلِّمُ ما دامت فيه رُوحٌ تتردد.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يعالجُ أمراضًا خطيرةً على حياةِ قدوات الأمة منَ العلماء وطلبة العلم؛ وعلى رأسها مرضُ التعصُّبِ المَقيتِ للآراء والأشخاص.
ولقد وعى إمامُنا الشوكاني ﵀ وكذلك كلُّ عالِمٍ محقِّق أن هذه الأمراضَ من أعظم ما يفسدُ البلاد بأسرها؛ ومشكلتُها الكبرى أنها إذا غزت القلوبَ والعقولَ فإن أصحابَها يرَوْن كلَّ ما يفعلونه بعين الصواب الذي لا غبشَ فيه ولا خطأَ، ومِن ثَمَّ يجاهدون بكلِّ قُواهم على نشر ما قنِعوا به بين الخلائق، وسوفُ تكون النتيجةُ الحتميةُ انعدامَ الرؤية الصحيحة، واضطرابَ السلوك، وتخبُّطَ المسار، ووقوعَ الفتن بين أبناء الدين الواحد.
ولذلك رأى المصنِّف ﵀ أن من واجب العلم عليه كعالِم له مكانتُه بين أبناءِ بلده وأمَّته أن يُنذِرَ ويحذِّرَ من تلك المخاطر حتى يسيرَ طالبُ العلمِ في طريقه على نور، ويؤهَّل لقيادة الناس إلى خيرِ سبيل.