وهكذا من أراد أن يطَّلع على علم الفلسفة؛ فإنه يحتاج إلى معرفةِ العلم الرياضي؛ وهو علمٌ يُعرف به أحوالُ الكمِّ المتَّصل والمنفصل، والعلمِ الطبيعي؛ وهو العلمُ الباحث عن أحوال عالَمِ الكونِ والفساد، والعلمِ الإلهي؛ وهو العلمُ الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدإ والمعاد؛ وهكذا علم الهندسة، وهو العلم الباحثُ عن مقادير الأشياء كَمًّا وكيفًا، ومبادئ الأشكال.
فمن جَمَع هذه العلومَ الأربعة أعنى الرياضي، والطبيعي، والإلهي، والهندسي، صار فليسوفًا (^١).
والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع؛ بل يزيدُ المتشرِّعَ الذي قد رَسَخت قدمُه في علم الشرع غِبطةً بالشرع ومحبةً له؛ لأنه يعلمُ أنه لا سبيلَ للوقوف على ما حاول الفلاسفةُ الوقوفَ عليه إلَّا من جهة الشرع (^٢)، وأن كلَّ
_________________
(١) وقد ذكر أبو حامد الغزَّالي ﵀ تلك التقسيمات الأربعةَ للفلسفة في «إحياء علوم الدين» (١/ ٨٤ ط: دار المنهاج).
(٢) قال العلَّامة أبو إسحاق الشاطبي ﵀ عن هذا المعنى في كلامٍ طويل متين: «قد =
[ ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =عُلم بالتجارِب والخِبرةِ الساريةِ في العالَم من أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غيرُ مستقلَّةٍ بمصالحها استجلابًا لها، أو مفاسدِها استدفاعًا لها؛ لأنها [أي المصالح] إما دنيوية، أو أخروية.
(٢) فأما الدنيوية: فلا تستقلُّ [العقول] بإدراكها على التفصيل ألبتة؛ لا في ابتداءِ وضعها أولًا، ولا في استدراك ما عسى أن يَعرِضَ في طريقها [ثانيًا] إما في السوابق، وإما في اللواحق؛ لأن وضعها أولًا لم يكن إلَّا بتعليم اللَّه تعالى؛ لأن آدم ﵇ لمَّا أُنزل إلى الأرض، عُلِّم كيف يَستجلب مصالح دنياه إذ لم يكن ذلك من معلومه أولًا؛ إلا على قول من قال: إن ذلك داخلٌ تحت مقتضى قول اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وعند ذلك يكون تعليمًا غير عقلي، ثم توارثته ذريَّتُه كذلك في الجملة، لكن فرَّعت العقولُ من أصولها تفريعًا، تتوهَّمُ استقلالَها به، ودخل في الأصول الدواخل حسبما أَظهرت ذلك أزمنةُ الفترات؛ إذ لم تَجرِ مصالحُ الفترات على استقامة؛ لوجود الفتن والهَرْج، وظهورِ أوجُهِ الفساد؛ فلولا أنْ منَّ اللَّهُ على الخلْق ببعثة الأنبياء، لم تستقِم لهم حياة، ولا جرت أحوالُهم على كمال مصالحهم، وهذا معلومٌ بالنظر في أخبار الأولين والآخرين.
(٣) وأما المصالحُ الأُخروية: فأبعدُ عن مجاري العقول مِنْ جهة وضع أسبابها، وهي العباداتُ مثلًا؛ فإن العقل لا يَشعرُ بها على الجملة فضلًا عن العلم بها على التفصيل، ومن جهةِ تصوُّر الدار الأخرى، وكونِها آتيةً؛ وأنها دارُ جزاء على الأعمال؛ فإن الذي يُدرِكُ العقلُ من ذلك مجردُ الإمكان إن شَعَر به. ولا يغترَّنَّ ذو الحِجى بأحوال الفلاسفة المدَّعين لإدراك الأحوال الأُخرويَّة بمجرد العقل قبل النظر في الشرع؛ فإن دعواهم بألسنتهم في المسألة بخلاف ما عليه الأمرُ في نفسه؛ لأن الشرائع لم تزَل واردةً على بني آدم من جهة الرسل، والأنبياءُ أيضًا لم يزالوا موجودين في العالَم وهم أكثر [من الرسل]، وكلُّ ذلك من لدُن آدم ﵇ إلى أن انتهت بِهذه الشريعة المحمدية. غير أن الشريعة كانت إذا أخذت في الدروس، بَعث اللَّهُ نبيًّا من أنبيائه يبيِّنُ للناس ما خُلقوا لأجله، وهو التعبُّد للَّه؛ فلابد أن يبقى من الشريعة المفروضة ما بين زمانِ أخذها في الاندراس، وبين إنزال الشريعة بعدها بعضُ الأصول المعلومة، فأتى الفلاسفةُ إلى تلك الأصول، فتلقَّفوها أو تلقَّفوا منها ما أرادوا أن يُخرجوه على مقتضى عقولهم، وجعلوا ذلك عقليًّا لا شرعيًّا! وليس الأمرُ كما زعموا، فالعقلُ غير مستقلٍّ ألبتة، ولا ينبني على غير أصل، وإنما ينبني على أصلٍ متقدمٍ مسلَّمٍ على الإطلاق، ولا يمكن في أحوال الآخرة تصوُّرُ أصلٍ مسلَّمٍ إلَّا من طريق الوحي» انتهى. «الاعتصام» (١/ ٥٧: ٥٩ ط: دار التوحيد)، وانظر: «رسائل في الأديان والفرق»، للشيخ الجليل محمد بن إبراهيم الحمد (١٣ ط: دار ابن خزيمة).
[ ٢١٨ ]
بابٍ غيرِ هذا البابِ لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غايةٍ وفائدة (^١).
_________________
(١) ظاهرٌ من كلام المصنف ﵀ أنه يقصدَ أن العلمَ بالفلسفة في الجانب الإلهي منها يكشفُ للعبد أباطيلَها وضلالاتِ أهلها؛ ولم يقصد أنها علمٌ ممدوحٌ ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم؛ كيف والفلسفةُ من أعظم ما صدَّ الكثيرين عن علم الشريعة، وفيها من الطوامِّ والأباطيل والترهاتِ ما هو معلومٌ لدى أهل العلم، وإليك هذه الكلمات: قال الإمامُ ابن تيمية ﵀: «مِنْ المعلوم أن المعظِّمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونِهما هم أبعدُ عن معرفة الحديث وأبعدُ عن اتباعه من هؤلاء [يعني أهل الحديث]؛ هذا أمرٌ محسوس؛ بل إذا كشفتَ أحوالَهم وجدتَهم من أجهل الناس بأقواله ﷺ وأحوالِه وبواطنِ أموره وظواهرها؛ حتى لتجدُ كثيرًا من العامة أعلم بذلك منهم، وتجدُهم لا يميِّزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله؛ بل قد لا يفرِّقون بين حديثٍ متواتر عنه وحديث مكذوبٍ موضوع عليه! وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم؛ سواءٌ كان موضوعًا أو غير موضوع». «نقض المنطق» (٨١ - ٨٢). وقال أيضًا: «ما يوجدُ من إقرار أئمةِ الكلام والفلسفة وشهادتِهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال، ومِن شهادةِ أئمة الكلام والفلسفة بعضِهم على بعض كذلك: فأكثرُ مِنْ أن يحتملَه هذا الموضع، وكذلك ما يوجدُ من رجوع أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم كثيرٌ، وأئمة السنة والحديث لا يَرجع منهم أحد؛ لأنَّ الإيمان حين تخالطُ بشاشتُه القلوبَ لا يَسخَطُه أحد، وكذلك ما يوجد من شهادتِهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال، وهم لا يَشهَدون لأهل البدع إلا بالضلال؛ وهذا باب واسع». «نقض المنطق» (٢١). وقال أيضًا: «وبالجملة: فالثباتُ والاستقرارُ في أهل الحديث والسُّنة أضعافُ أضعافِ أضعافِ ما هو عند أهلِ الكلام والفلسفة؛ بل المتفلسفُ أعظمُ اضطرابًا وحيرةً في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم منَ الحق الذي تلقَّاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف، ولهذا تجدُ مثل «أبي الحُسين البصري» وأمثاله؛ أثبَتَ من مثل «ابن سينا» وأمثاله. وأيضًا تجدُ أهلَ الفلسفة والكلام أعظمَ الناس افتراقًا واختلافًا؛ مع دعوى كل منهم أن الذي يقولُه حقٌّ مقطوعٌ به قام عليه البرهان، وأهلُ السنة والحديث أعظمُ الناس اتفاقًا وائتلافًا، وكلُّ مَنْ كان من الطوائف إليهم أقرب، كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب؛ فالمعتزلة أكثرُ اتفاقًا وائتلافًا من المتفلسفة؛ إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوَّات بل وفي الطبيعيات والرياضيات وصفات الأفلاك: من الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال». «نقض المنطق» (٤٣). وهذه النقول برُمَّتها من كتاب: «رسائل في الأديان والفرق»، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد (٣١: ٣٣).
[ ٢١٩ ]