وقد يَسلُكُ بعضُ هؤلاء مَسْلكًا هو أحسن (^١) من ذلك المسلك؛ وذلك بأن يُورد الأقوال، ويحتجَّ لكل واحدٍ منها بما احتجَّ به قائلُه، ويستكثرَ من إيراد أدلةِ ما هو الحقُّ منها، ويُخرجَه مِنْ مَخارجه المقبولة، ثم يَذكُر ما قيل من ضعفِ دليل ما قال به مَنْ يعتقدُه أهلُ عصره وقُطره، وينسب ذلك التضعيفَ إلى مَنْ يُعتدُّ به مِنْ أهل العلم، ثم يعترضُ ذلك التضعيفَ باعتراضٍ يَعرف مَنْ هو مِنْ أهل العلم والإتقان سُقوطَه وبطلانَه؛ ركونًا منه على أن ذلك لا يَخفَى على مَنْ له قدمٌ في العلم، وزعمًا أنه قد رَمَز لهم إلى ما هو الحقُّ بإيرادِ دليله الصحيح، وإلى ما يخالفُه بإيرادِ دليلِه الضعيف، وأنه لم يأتِ بما أتى به من الاعتراض الساقطِ والتقويةِ للقول الفاسدِ إلَّا على وجهٍ لا يَخفى على أهل الإتقان، ولا يلتبس عند العارفين، وهو في زعمه قد أرضى الخاصةَ والعامة، وسَلك مسلكًا في غايةِ التحذلقِ ونهايةِ التبصر! وهو لا يشعُر بأن الخاصةَ من أهل التحقيق في غِنًى عن رمزه وهَمْزه وتحذلُقه؛ فإنهم يَعرفون مسالك الحقِّ بدونِ ما زعَمَه، ويأخذون الصوابَ من معادنه،
_________________
(١) في بعض المطبوعات: «أخس».
[ ١٢٧ ]
فنَفاقُ ما جاء به لديهم غايةُ ما فيه أنهم لا يَطعنون عليه بالجهل والقصور والبلادة وبُعدِ الإدراك، ولكنه قد فَتح للمقصِّرين أبوابَ الطعن على الأدلة الصحيحة، وزادهم إلى ما لديهم من البلايا الباطلة بلايا أخرى، وجَعل بينهم وبين الرجوع إلى الحق ردمًا فوق الردم الذي قد كان معمورًا (^١)، ورَفَع أبنيةَ الباطل وشيَّدَها، ولم يَهدم منها بتصنيفه حجرًا ولا مَدَرًا؛ لأنه لقَّنهم المطاعنَ على الشرع، وفَتح لهم أبوابَ المقالِ على الأدلة، وهم لا يَعرفون أن اعتراضهم فاسدٌ، وأنه لا يَنفُق ولا يَصلح؛ لقصور أفهامهم عن إدراك ما هو صحيحٌ أو باطل، وضعفِ معارفِهم عن البلوغ إلى درجةِ التمييز؛ فزادَهم بما أفادهم شرًّا إلى شرِّهم، وتعصُّبًا إلى تعصُّبهم، وبُعدًا عن الحق إلى بُعدهم، ولم ينتفع الخاصةُ بشيءٍ مما جاء به من الألغاز؛ بل أَنزل بهم من الضرر ما لم يكن قَبلَه؛ فإنَّ أهل التعصُّب يصُولون عليهم باعتراضهِ ويجُولون، ويدفعون به في وجهِ مَنْ قال بضَعفِ دليل القول الذي قاله مَنْ يُقلِّدونه، ويجعلون ذلك ذريعةً لهم إلى الاغتباط بما هم فيه، والتهالُكِ على ما ألِفُوه، ووجدوا عليه آباءهم.