ومن حقِّ الإنصاف، ولازمِ الاجتهاد: ألَّا يُحسِنَ الظن أو يُسيئَه بفردٍ من أفراد أهل العلم على وجهٍ يوجبُ قبولَ ما جاء به أو ردَّه؛ من غير إعمالِ فكرٍ وإمعانِ نظرٍ وكشفٍ وبحث؛ فإن هذا شأنُ المقلِّدين، وصنيعُ المتعصِّبين، وإنْ غرَّته نفسُه بأنه من المنصفين.
وألَّا يغترَّ بالكثرة (^١)، فإن المجتهدَ هو الذي لا ينظرُ إلى مَنْ قال؛ بل إلى
_________________
(١) يقصد قول الجمهور. وقد نصَّ المحققون على أن قول الجمهور ليس حُجةً بنفسه؛ بل الحُجة دومًا في الدليل، وقد يعتقد بعض الناس أيضًا أن «قول الجمهور» مرادف ل «الإجماع»! وهذا خطأٌ بيِّن. واستمع إلى هذه النقول القيِّمة: * قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: «الاختلاف ليس منه شيءٌ لازمٌ دون دليل، وإنما الحجةُ اللازمة: الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماعَ يجبُ الانقيادُ إليه». «التمهيد» (١/ ١٤٣). * وقال أيضًا: «أجمع المسلمون أن الخلافَ ليس بحجة، وأن عندَه يلزمُ طلبُ الدليلِ والحجةِ ليتبين الحق». «التمهيد» (١/ ١٦٥). * وقال العلَّامة ابن حزم ﵀ وهو يتكلم عن مسألةٍ خلافية: «فإن قيل: هذا قول الجمهور. قلنا: ما أَمر اللَّهُ تعالى قطُّ ولا رسولُه ﷺ باتِّباع الجمهور، لا في آية، ولا في خبرٍ صحيح». «المُحلَّى» (٣/ ٢٤٦). * وقال أيضًا: «الواحدُ قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة، وإذا كان =
[ ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عنده من السنة ما ليس عند غيره، فهو المصيبُ في فُتياه بهاذا دون غيره، وبيَّنا قبلُ وبعدُ أن العرض (أي: العَرْض على الكتاب والسُّنة)، إنما هو اتباع القرآن وما حَكم به رسولُ اللَّه ﷺ، فإنه لا معنى لقولِ أحدٍ دون ذلك كثُر القائلون به أو قلُّوا، وهذا بابٌ ينبغي أن يُتَّقى، فقد عظُم الضلالُ به، ونعوذُ باللَّهِ العظيم من البلادة». «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٥٥٩). * وقال العلَّامة الشوكاني ﵀ عن الذي يعلمُ الحديثَ الصحيح والحسن: «وجبَ العمل بما كان كذلك من السُّنة، ولا يحلُّ التمسُّكُ بما يخالفُه من الرأي، سواء كان قائلُه واحدًا، أو جماعةً، أو الجمهور؛ فلم يأتِ في هذه الشريعة الغرَّاء ما يدلُّ على وجوب التمسُّك بالآراء المتجرِّدة عن معارضة الكتاب أو السنة، فكيف بما كان منها كذلك؟!». «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع» (٦٤٠ ترجمة العلامة محمد بن إبراهيم الوزير ﵀. * وقال أيضًا: «وذهابُ الجمهور إلى قولٍ (أي: لا دليل صريح عليه)، لا يدلُّ على أنه الحق». «نيل الأوطار» (٨/ ٣٨١). * وقال العلَّامة صدِّيق حسن خان ﵀: «اعلم أنه لا يضُرُّ الخبرَ الصحيحَ عملُ أكثرِ الأمة بخلافه، لأن قول الأكثر ليس بحُجة». «قواعد التحديث» (٩١). * وقال الشيخ زكريا الباكستاني حفظه اللَّهُ: «قولُ الجمهور ليس بحُجة؛ لأن اللَّهَ ﷿ لم يتعبَّدْنا بقول الجمهور؛ فلا يُصرف الحديثُ عن ظاهره لأن الجمهورَ صرفوه عن ظاهره، فمثلًا: لا يُصرف ظاهرُ الأمر من الوجوب إلى الاستحباب لقول الجمهور، ولا يُصرف النهيُ من التحريم إلى الكراهة لقول الجمهور، ولا يُصرف العام إلى الخاص لقول الجمهور، وذلك لأن قول الجمهور ليس بحجة، وظاهرُ الحديث حجة، فلا يُترك ما هو حجةٌ لأجل ما ليس بحجة». «توضيح أصول الفقه على منهج أهل السنة والجماعة» (٤٩)، وانظره أيضًا: (٨٢)، وبعضُ النقول السابقة منه. * وسئل العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «هَب أن رجلًا خالف كثيرًا من أهل العلم في مسألةٍ خلافيةٍ؛ هل يُبغَض هذا الشخص في اللَّه؟ وهل تُشن عليه الهجمات؟. فأجاب: لا أبدًا؛ إذا خالف الإنسان جُمهور العلماء في مسألةٍ قام الدليلُ على الصواب بقوله فيها؛ فإنه لا يجوز أن يُشتم، ولا يجوز أن نُعنِّفَ علمَه، ولا يجوز أن تَحمَى نفوسُ الناس دونه أبدًا؛ بل يناقَشُ هذا الرجل ويُتَّصلُ به. كم من مسألةٍ غريبةٍ على أفهام الناس، ويظنُّون أن الإجماع فيها محقَّق، فإذا بُحث الموضوع وُجد أن لقول هذا الرجل من الأدلة ما يحملُ النفوسَ العادلةَ على القول بما قال به واتباعه! صحيحٌ أن الظاهر أن يكون الصواب مع الجمهور هذا هو الغالب، لكن لا يعني ذلك أن الصوابَ قطعًا مع الجمهور، قد يكونُ الدليل المخالفُ للجمهور حقًّا، وما دامت المسألةُ ليست إجماعًا؛ فإنه لا يُنكر على هذا الرجل، ولا توغَرُ الصدور عليه، ولا يُغتاب». «الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات» (ص ١٩٢ ط: مكتبة الأنصار)؛ نقلًا عن «توجيهات شرعية في الخلافات المنهجية»، للشيخ أبي بكر بن الحنبلي (٢٣٨ ط: دار ابن رجب) وهو كتابٌ قيم جدًّا. وقد قرَّر العلامة العثيمين ﵀ هذا الأصل أيضًا في «الشرح الممتع» (١/ ٤٣٢ ط: دار ابن الجوزي).
[ ١٩١ ]
ما قال، فإنْ وَجد نفسَه تُنازعُه إلى الدخول في قول الأكثرين، والخروج عن قول الأقلِّين، أو إلى متابعةِ مَنْ له جلالةُ قَدْر ونَبالةُ ذِكر وسَعةُ علم، لا لأمر سوى ذلك، فلْيَعلم أنه قد بقي فيه عِرقٌ من عروق العصبية، وشُعبةٌ من شُعب التقليد، وأنه لم يوفِّ الاجتهادَ حقه.
وبالجملة: فالمجتهدُ على التحقيق: هو مَنْ يأخذُ الأدلةَ الشرعيةَ من مَوطنها على الوجه الذي قدَّمناه، ويَفرضُ نفسَه موجودًا في زمن النبوة، وعند نزول الوحي وإن كان في آخِر الزمان، وكأنه لم يَسبِقْه عالِمٌ ولا تَقَدَّمَه مجتهد؛ فإن الخطاباتِ الشرعيةَ تتناولُه كما تناولتِ الصحابةَ من غير فَرقٍ، وحينئذٍ يَهونُ الخَطبُ، وتذهبُ الرَّوعةُ التي نزلت بقلبه من الجمهور، وتزولُ الهيبةُ التي تُداخلُ قلوب المقصِّرين.