وبين هاتين الطائفتين طائفةٌ ثالثةٌ ليست من هؤلاء، ولا من هؤلاء، جَعلوا العلم مكسبًا من مكاسب الدنيا، ومعيشةً من معايشِ أهله، لا غرضَ لهم فيه إلا إدراكَ منصبٍ من مناصب أسلافهم، ونيلَ رئاسةٍ من الرئاسات التي كانت لهم؛ كما نشاهدُه في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة، أو ما هو شبيهٌ بِهذه الأمور، فإنَّ مَنْ كان طالبًا للوصول إلى شيءٍ من هذه الأمور، ذهب إلى مدارسِ العلم يتعلمُ ما يتأهَّلُ به لما يطلبه، وهو لا يتصوَّرُ البلوغَ إلى الثمرة المستفادةِ من العلمِ والغايةِ الحاصلة لطالبه؛ فيكون ذهنُه كليلًا، وفهمُه عليلًا، ونفسُه خائرة (^٤)، ونيَّتُه خاسرة؛ بل غايةُ تصوُّرِه
_________________
(١) وهو من المتروكين.
(٢) ضعيف: رواه ابن ماجه (٢٢٤)، وضعَّفه الإمام البوصيري، والشيخ الألباني، والشيخ شعيب الأرنؤوط. وجُملة: «طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم» صحيحةٌ بشواهدها.
(٣) يُجهِّمه: يظلمه.
(٤) خائرة: ضعيفة هابطة.
[ ٢٠٥ ]
ومعظمُ فكرتِه في اقتناص المنصبِ والوصولِ إليه، فيَخدمُ في مدةِ طلبه واشتغالِه أهلَ المناصبِ ومَن يرجو منهم الإعانةَ على بلوغ مراده أكثرَ مما يخدمُ العلم، ويترددُ إلى أبوابِهم، ويَتعثَّرُ في مجالسهم، ويذوقُ به من الإهانة ما فيه أعظمُ مرارة، ويَتجرَّعُ من الغُصص ما يَصغُر قدرُ الدنيا بالنسبة إليه؛ فإذا نال ذلك المنصبَ ضربَ بالدفاتر وجهَ الحائط، وألقاها خلفَ السُّور لعدم الباعثِ عليها من جهةِ نفسه والمُنشِّطِ على العلم والمرغِّب فيه.
فهذا شبيهٌ بمن يتعلَّمُ مهنةً من المهن، ويتدرَّبُ على حرفةٍ من الحِرَف، فيَقصِدُ أهلها حتى يُدركَها، ويكونَ فيها أستاذًا، ثم يذهبُ إلى دكانٍ من الدكاكين، فيعتاشُ بتلك الحرفة.
وليس هو مِنْ أهل العلم في وِرْدٍ ولا صَدَر، ولا ينبغي أن يكون معدودًا منهم وإن ارتسم في ذهنه منه رُسوم؛ فهو من أزهد الناس فيها، وأجفاهم لها، وأقلِّهم احتفالًا بها، ولا فائدةَ في تعلُّمِه راجعةٌ إلى الدين قط، بل غايةُ ما استفاده منه العلمُ وأهلُه: تعريضُه وتعريضُهم للإهانة عند أهل الدنيا، وإيقاعُه وإيقاعُهم في يدِ من لا يعرفُ للعلم قدرًا، ولا يرفعُ له ذِكرًا، ولا يُقيم له وزنًا، كما يشاهَدُ من المتعلِّقين بالأعمال الدَّوْلية، فإنهم يتلاعبون بطلبةِ المناصب الدنيوية غايةَ التلاعب، ويعرِّضونَهم للإهانة مرةً بعد أخرى، ويتلذَّذون بذلك ويبتهجون؛ لأنهم يظنُّون أنها قد ارتفعت طبقتُهم عن طبقات أهل العلم، وحَكموا تارةً فيهم بالولاية، وتارةً بالعزل، وتمرَّغوا على عتباتِهم مرةً بعد مرة؛ فبهذه الوسيلة دُخِل على أهل العلم بما يصنعُه هؤلاء من هذه الهَنَات (^١) الوضيعة، والفَعْلاتِ الشنيعة ما يُبكِّي عيونَ العلم وأهله، وتقومُ عليه
_________________
(١) الهَنَات: القبائح.
[ ٢٠٦ ]
النواعي (^١)، ويَغضبُ له كلُّ مَنْ له حَمِيَّةٌ دينيةٌ وهِمَّةٌ عليَّة.
ولو عَلم أولئك المغرورون لم يبتهجوا بمن قَصَدهم من هؤلاء النُّوَكاء؛ فإنهم ليسوا من أهل العلم، ولا بينهم وبينهم علاقة، ولا فرقَ بينهم وبين مَنْ يطلبُ الأعمال الدَّوْلية التي لا تَعلُّقَ لها بالعلم.
ومن هذه الحيثيةِ تنازَلَ منصبُ العلم، وتهاوَنَ الناسُ به؛ لأنهم يَرون رجلًا قد لَبِس لباسَ أهل العلم، وتزيَّا بزِيِّهم، وحَضَر مجالسَهم، ثم ذهب إلى مجالس أهل الدنيا ومَن لهم قدرةٌ على إيصال أهل الأعمال الدنيوية إليها من وزيرٍ أو أمير، فتصاغَرَ لهم وتذلَّل، وتهاوَنَ وتحقَّر، حتى يصيرَ في عِداد خَدَمهم، ومَن هو في أبوابهم، ثم أعطَوه منصبًا من المناصب، فعَمِل على ما يُريدونه منه وإن خالَف الشرع، واعتَمد ما يرسُمُونه له وإن كان طاغوتًا بحتًا (^٢)؛ فيَظنُّ مَنْ لا علم عنده بحقائق الأمور أن أهلَ العلم كلَّهم هكذا، وأنهم يَنسلخون من العلم إذا وُظِّفوا بمنصبٍ من المناصب هذا الانسلاخ، ويُمسَخون هذا المسخ، ويعود أمرُهم إلى هذا المعاد، فيزهد في العلم وأهله، وتَنفِرُ عنه نفسُه، وتقلُّ فيه رغبتُه، ويُؤثِرُ الحِرَفَ الدنيويةَ عليه؛ ليربحَ السلامةَ من المهانة التي رآها نازلةً بِهذا المشؤومِ؛ الجالبِ على نفسِه وعلى أهل العلم ما جلب من الذلِّ والصَّغار.
وإذا كان ما جناهُ هؤلاءِ النُّوكاءُ على العلم وأهلِه بالغًا إلى هذا الحدِّ عند سائر الناس، فما ظنُّك بما يعتقدُه فيهم مَنْ يطلُبون منه المناصب، بعد أن شاهد منهم ما يشاهدُه من الخضوع والذِّلَّة والانسلاخِ عن الشرع إلى ما يريدونه منه، وبَذْلِ الأموال لهم على ذلك، ومهاداتِهم بأفخرِ الهدايا، والوقوفِ
_________________
(١) النواعي: جمع «ناعية»؛ وهي التي تُعلِنُ عن وفاة الإنسان.
(٢) بحتًا: خالصًا. والطاغوت: ما جاوز حده في الطغيان.
[ ٢٠٧ ]
على ما يطلبونه منه على أيِّ صفةٍ تُراد منهم! وينضمُّ إلى هذا خُلوُّهم عن العلم، وجَهلُهم لأهله الذين هم أهلُه، فيظنُّون أن أولئك الذين قصدوهم وتعثَّروا على أبوابهم هم رؤوسُ أهله، لِمَا يشاهدونه عليهم من الهيئة واللباس الفاخر؛ الذي لا يجدونه عند المشتغِلِين بالعلم.
فهل تُراهم بعد هذا يَميلون إلى ما يقوله أهلُ العلم، ويَنزجرون بما يُوردونه عليهم من الزواجر الشرعيةِ المتضمِّنةِ لإنكارِ ما هو منكر، والأمرِ بما هو معروفٌ، والتخويفِ لهم من مجاوزةِ حدود اللَّه؟! هيهات أن يُصغُوا لهذا سمعًا، أو يفتحوا له طَرْفًا؛ فإلى اللَّه المشتكى، وعليه المعوَّل؛ فهذا أمرٌ وقع فيه أهلُ العصور الأَولُ فالأول.
وما أحقَّ أهلَ العلم الحامِلِين لحُجج اللَّه، المُرشِدِين لعباده إلى شرائعه أن يَطرُدوا هؤلاء عن مجالسهم، ويُبعدوهم عن مواطنِ تعليمهم، وألَّا يبذلُوا العلم إلا لمن يَقدُرُه حقَّ قَدْرِه، ويُنزِلُه منزلته، ويطلبُه لذاته، ويَرغَبُ فيه لشرفه، ويعتقد أنه أشرفُ مَطلَبٍ من مطالب الدين والدنيا، وأنه يصغُرُ عنده المُلْكُ؛ فضلًا عما هو دونه.