إلى قول رسول الله ﷺ حيث وصف القلب، فقال: أبصر الغيب بالغيب فآمن، أو كما قال. فهذه نصرة الرب ﷿.
فإذا تركت المجاهدة على الحقيقة منعك النصرة، فبقيت مخذولًا، مأسورًا في يدي الشهوة والهوى، فإذا صار القلب مأسورًا، فهو كملك مأسور في يد العدو، فإذن تعذر عليه الأعوان والجند، بل يذلون وينهزمون في الملاهي والأباطيل.
قال له قائل: فكيف تكون المجاهدة على الحقيقة، إذ قال حق جهاده؟
فقال: اعتبر مجاهد الظاهر، وامتثل رجلين: أحدهما سلاحه تام، وحمل نفقة سنة، وتجهز بما يحتاج إليه، ورافق في الطريق رفقاء، وتبسط في مسيره، وطرب مع رفقائه، وتلذذ برؤية الكون ولقاء الناس، وفرح بما نسب إليه من الجهاد والغزو، فقيل: هذا فلان الغازي، وطمعت نفسه في علو المرتبة، وارتفاع المنزلة
[ ١٠٧ ]
عند الناس، واتخذ الجاه عندهم بذلك، ونال الكرامة في مسيره مقبلا ومدبرًا، وقلبه هاهنا معلق بحب الدنيا وما خلف فيها؛ فهذا حاله في الطريق، حتى إذا بلغ المنتهى، فعلى وده أنه لا يلقى عدوا أبدًا، ولا يسمع بذكره، فهو مقيم هناك مع حنين قلبه إلى شهواته ومناه التي خلفها وراء ظهره، حتى إذا لقي العدو، وجاهد مجاهدة مراوغ ليس له صدق القتال، يريد الروغان والنكص على عقبه، والهرب، حتى إذا انقضى الجهاد مرّ منصرفًا مسرعًا إلى شهواته التي حنّ إليها، والى مأواه الذي قد ألفه، ووطنه الذي قد استوطنه، قد سلم بنفسه، وسلم سلاحه ودوابه وعامة نفقته، فجاء به كما ذهب به إلا النفقة، ما أنفق في مسيره، وما أنفق أيضًا فقد طرب إليه وتلذذ، وقضى مناه وشهواته بتلك النفقة؛ فهذا قد سمى فعله هذا جهادًا، فلم يكفر فعله، بل يعطي ثواب نفقته غدًا، وثواب عنائه وتعبه، وأنه كثر سواد المسلمين وأعانهم، وشايعهم.
[ ١٠٨ ]
ورجل أخذته حمية الإيمان، فغار لربه، فخرج يقصد محاربة عدو ربه، انتقامًا وتعظيمًا على عدوه؛ أو رجل أيس من نفسه أن يخرج منه خير ينجو به، ورأى قبح مذاهبه، وسوء فعاله، فضاق به الأمر من شراهة نفسه، وقلة ضبطه لها، فاغتاظ منها، وحمى لربه على نفسه ومقتها، وهاله عظيم خطره منها، فقدمها إلى العدو لتحاربه، لعله أن يرزق الشهادة، فيقتل ويغسل بدمه سائر جسده، حتى يلقى الله تعالى طاهرًا من أقذار المعاصي. فهذا رجل خرج بهذه النية، أو بتلك النية التي غاربها لربه وحمى له، وهو أرفع درجة من هذا
الذي برم بنفسه، وأراد التطهر، فلما لقي أحد هذين العدو، ونهمته في عامة مسيره المحاربة، إما غيرة لربه وحمية، وإما طلب تطهير لبدنه، والظفر بالشهادة، ظهر منه صدق اللقاء، فبادر وحارب وجاهد، فلم يلبث أن صار قتيلًا، وبالدماء مزمولًا، وتبددت أعضاؤه من الضرب والطعن، وتبدد سلاحه هكذا وهكذا من نهبة العدو، وأخذت دوابه وجميع ما هناك، وتقبل الله روحه، فجعله حيًا، يرزقه عنده، فرحًا مستبشرًا بما آتاه الله من فضله، كما وصف تعالى في تنزيله
[ ١٠٩ ]
قصة الشهداء، فقال: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء)، إلى آخر الآية، فصار روحه مقبولًا، وصار عنده حيًا فرحًا، مستبشرًا مرزوقًا، من غير تعب ولا كد ولا عناء؛ فهذا حق الجهاد في طلب الجهاد؛ والأول رجل متحر للخير، طالب للثواب. فكذلك جهاد النفس حق جهاده، أن يصدق اللقاء، فلا تسلم منه نفس ولا مال، فإذا أخذ في المجاهدة خلصت الهموم والأحزان إلى النفس، وانقطعت اللذات والشهوات، وتغير اللون، ونحل الجسم، وضعف البدن، وذهب الفرح والتسلط، واشتغل القلب، فضعف عن طلب الدنيا، قد خلص النكص في المال، وتعطلت الأمور، ووجد المكاسب والأرباح، وأدبرت الدنيا ببهجتها وزينتها، ولذاتها وعزتها، وبهائها وملكها، وصافها وخدعها،
[ ١١٠ ]
وأقبلت الآخرة بحقائقها، من البكاء والأحزان والاستكانة والصلاة والصيام والذكر والقرآن وأعمال البر، فشغل عن الأهل والولد، وعن التلذذ بقربهم، والأنس بهم، فصار الولد يتيمًا، والأهل كالأرملة، والمسكن وحشًا، وتعطلت الأوقات التي كان يتلذذ فيها عند الغداء والعشاء، وتبدل بها جوعًا ويبسًا، وبالضحك بكاء، وبالفرح حزنًا، وبالسرور غمومًا، وبالراحة نصبًا، وبالنوم سهرًا، وبالدعة تعبًا وضيقًا، وبالغنى فقرًا، وبالعز ذلًا، وبالمدح ذمًا، وبالثناء طعنًا وعيبًا، فلم تسلم نفس ولا مال ولا جاه ولا قدر إلا ذهب كله، فهذا قتيل الله قد تبددت نفسه وشهواته ومناه، وصار هواه
كالقتيل، فتخلص روحه عن هواه، فتقبل الله روحه، وأحيا قلبه، ورزقه من حيث لا يحتسب، ووصل بقلبه إلى إلهه، ففرح واستبشر، فقلبه عنده فرح مستبشر حي؛ فمن هاهنا برّز الصدّيق على الشهيد، لأن الشهيد احتسب بنفسه على الله تعالى مرة واحدة، حتى قتل،
[ ١١١ ]
والصديق يحتسب بنفسه، فلم يزل يقاتل هواه في كل حركة حتى قتل الهوي، فخلص روحه وقلبه من الهوى، فهذا غاية الصدق، فسمي صديقًا، لأنه لم يبق في نفسه منازع، فصار البدن كله لربه مبذولًا بصدق منه، لا منازعة للهوى فيه، فكما صار الصديق عنده في الآخرة حيا مرزوقًا، صار بالصدق هاهنا في القلب به مرزوقًا، فرحًا مستبشرًا بما آتاه الله من فضله، وكما صار الشهيد في الآخرة بعد أن وصل إلى النعمة يشتهي أن يرد إلى دار الدنيا، فيقتل فيه، فصار منيته كذلك الصديق ماتت شهواته، فصارت منيته ونهمته في ذكره وعبادته، ومنه قوله تعالى في بعض الكتب: أيها الصديقون، تنعموا بذكرى، فإنه لكم في الدنيا نعيم، وفي الآخرة جزاء. حدثنا ابن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى، قال: قرأت في بعض الكتب: إن سرّك أن تحيا وتبلغ علم اليقين، فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، فإنه من يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ظله.
[ ١١٢ ]
أفلا ترى أنه قال: إذا غلبت شهوات الدنيا حييت، لأن القلب إذا كان في ظلمة الهوى وغفلته، كان كالميت، وليس بالميت، لأن الميت قلب الكافر، وقلب الغافل كالميت، وليس به حياة، وقال: إذا فعلت هذا بلغت علم اليقين. فعلم اليقين أن تعبده سبحانه كأنك تراه، وكذلك وصف الله تعالى علم اليقين في تنزيله، فقال: (كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم)، فأخبر تعالى: أن بعلم اليقين ترى الأشياء (ثم لترونها): أي غدا، يعني الجحيم، (عين اليقين). فهذا حق الجهاد؛ وأما الآخر فإنه رجل أراد مجاهدة نفسه، فصام أيامًا، ثم ترك، واجتنب بعض الشهوات، وتناول بعضًا،
وحزن مرة، وفرح أخرى، وبكى يومًا، وضحك أيامًا، وصام وصلى، وساح مرة هكذا ومرة هكذا، وحمل على نفسه مؤنًا كثيرة، وأتعب نفسه من طريق أنواع البر، من سهر الليل، والحج، والجهاد،
[ ١١٣ ]
إلا أن ذلك كله بهواه عمل، حيث طرب ونشط، لا بمجاهدة، فهذا رجل يريد أن تسلم له نفسه وماله، ويقضي شهواته ومناه، ويكون مجاهدًا، فهذا غير محقق جهاده، يعطي ثواب التعب والعناء، ويؤجر عليه، ولكن لم يحارب الهوى في كل موطن حتى يقتله، فيكون قتيل الله تعالى، يقبل روحه، فيحييه، ويفرحه بنفسه، فالحرب من عندك، والنصر من عند الله العزيز الحكيم، فإذا نصرت قتلت هواك، وتخلص روحك منه وقلبك، فقبله وحياه ونوره، وهداه واجتباه ورعاه.