عندهم ومدحة، حتى ينظروا إليك بعين التعظيم، وإما بعمل يخافونك عليه، أحببت العز، واشتهيته وطلبته. فهذا كله إنما حصل منك من أجل نوال الشهوة واللذة التي في نفسك، حتى تظفر به، فما ظفرت به فقد سمنت عليه، وفرحت وبطرت وأشرت، وما لم تظفر به طلبت العز، وهي المنعة، لتقهر الناس، وتأخذ بقلوبهم، حتى لا ترد في أمر شئته، أو هويته وأردته.
قال له قائل: فما ثمرة هذا الهوى؟ قال: ثمرته أن يدعوك إلى أن تدّعي الربوبية، فمن ههنا ادعى فرعون الربوبية، حتى يكون نافذ القول في شهواته ومناه، جائز الأمر، دعاه ذلك إلى أن قال: (أنا ربكم الأعلى). هذه ثمرته،
[ ١١٧ ]
ومن ههنا ضاق الأمر بنمرود، حتى احتال للقعود في التابوت، ليطير به إلى الخالق الأعلى، زعم أني أحارب إله السماء، لم يحتمل للضيق الذي حلّ به من قوة شهوته، وإرادة إنفاذ مناه، أن يسمع بذكر أحد غيره يقدر على شيء، فأراد أن يطمس هذا الذكر، فأرى
أهل مملكته أني حاربته فقتلته، بما رجع إليه من السهم المدمى. هذا ثمرة الهوى الذي يهوى بك إلى قضاء الشهوات، ودرك ما هو من جنسه، فأحذروه، فإن الصغيرة الضعيفة منه تقوى حتى تصير كبيرة قوية، ترمي بك في أودية المهالك، والمؤمن أنقذه الله تعالى بالمعرفة من أن يدعى الربوبية، أو يقصد لمحاربته، لأن نفسه قد أيقنت، فأيست عن هذا المعنى، ولكن تطلب ما دون ذلك في أموره، فليس هذا له بحقيق ولا خليق.
فقد حصل من جميع ما وصفنا إلى هذه الغاية، أن ظلمة هذه النفس الشهوانية قد استولت على القلب، حتى عجز
[ ١١٨ ]
عن حفظ الحدود، وألا تنهى عما زجرت عنه، وإيثار ما أمرت به، وعن أداء الحقوق، وعن القيام بشكر إلهك، فحالت تلك الظلمة عن رؤية الوعد والوعيد، وعن رؤية ربوبيته الظاهرة عليك، وقدرته النافذة فيك، وفي الأشياء كلها، فافترق الناس في هذا الخطب العظيم فرقتين، فمنهم من أقبل على الحمية، ورفض الشهوات، وآثر التنغيص على جميع لذات النفس، حتى ذلّ له وانقمع، فقوى على وثاقه، ثم قوى على قطعه فقطعه، فأشرقت شمس معرفته من قلبه، وهو النور الذي فيه، فأضاء كل شيء. رأى بذلك النور الربوبية الظاهرة، والقدرة النافذة والسلطان القاهر للأشياء، وجري الأشياء كلها على مشيئاته وإرادته، فاستقام، ولم يبق من الهوى والشهوة حركة تميل به، وتهوى هكذا وهكذا، عن مشيئات ربه، وما استنار من قدرته النافذة، وربوبيته الظاهرة. ومنهم من ضعه عن هذه الأمور، لم يقدر على رفض الشهوات، وقطع الهوى، فما زال مفكرًا في قدرته، ومعتبرًا أمور الله ﷿ بقلب فارغ يريد الخير، مقبل على الله تعالى بمجهوده، فكان يزداد بذلك كل يوم يقينًا،
[ ١١٩ ]
وقوة نور في تلك المعرفة، حتى غلب نور المعرفة ظلمة الهوى، فحرقه ومزقه، وبدّده، فاستكان لربه في أموره؛ ومنهم من كان هكذا في جهد وطلب،
فأدركته رحمة الله تعالى، فجذب قلبه جذبة إليه، فصار من الله بمحل ومكان، بقطع الهوى، فصار دكًا، واستنار القلب بما فيه، وذاقت النفس من حلاوة قرب الله ﷿ ما لهت عن جميع شهوات الدنيا، فصار الهوى والمنية والفرح والسرور درك ما نال من قرب الله ﷿، فنجى من هذا، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
تم الكتاب بحمد الله ومنه.
[ ١٢٠ ]