وإذا ذكر الرزق وثق بالضمان، واطمأن بوفائه، فإن طلب طلبه مع سكون القلب، على حد ما أمر به، فإذا
[ ٧١ ]
عرض له في ذلك شيء يكون فيه نقصان من حظه من الله تعالى، واعرض عنه، وتوجه إلى ربه ينتظر من أين يفتح؛ والعارف تخلص من هذا كله، من الضمان والوفاء، وشغل عن طلب الرزق بالرزاق، فقلبه في البحر الأكبر، قد تعلق قلبه به، فإذا ذكر المنة غرق، وإذا ذكر العافية قلق، وإذا ذكر حلول الأجل شرق، وإذا ذكر العيوب عرق، وإذا ذكر الرعاية والكلاءة ومق، وإذا رأى اللذات في الطاعة مئق، وإذا ذكره تئق، وإذا حن إليه واشتاق غرق في أثقال المنة، وعظمت آماله فيما لديه، وقلق من خوف زوال الإيمان، وشرق بغصته من حلول الأحزان، لطول الحبس عنه في دار الدنيا، وغرق من الحياء لما يرى من عظيم بره ولطفه، وجميل نظره، وحسن عوائده، ومن جميل صنائعه،
ومن هرب النفس منه، وإعراضه عن حقوقه، وإظهار جفوته؛ وهو من عظيم عطفه عليه في كلاءته ورعايته، واصطناعه إليه؛ ومئق لما يرى من فتح باب الدعة، وإكرامه بالطاعة،
[ ٧٢ ]
وتقريبه إياه بما يمكن له مكن الخدمة، وتئق من طول الغربة، وشدة الحنين، فأنسه به، وسكونه إليه، وهو ملجؤه وثقته، وكهفه وسنده ورجاؤه، لا يتهمه على نفسه، ولا يسئ به الظن في نوائبه، بحسن معرفته بربه أنه غفور رحيم، ودود حميد مجيد، واحد صمد قيوم، كفيل وكيل، جواد كريم، حنان منان، حي لا يموت، لطيف بعباده، بر رحيم، شكور غفور، حليم عفو رءوف، معروف بالمعروف، محسن مفضل، فضله عظيم، إحسانه دائم، كرمه ظاهر، فاطمأن قلبه، كما وضفه ربه، فقال تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، إلا بذكر الله تطمئن القلوب). وقال الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث) إلى آخر
[ ٧٣ ]
الآية؛ فبين أن القشعريرة إنما هي من الخشية، فإذا ذكروه في كرمه وجوده، ورأفته ورحمته، لانت جلودهم وقلوبهم.
قال له قائل: فما بالنا نسمع هذا العلم فنفهمه ونعقله، ولا يبقى على القلب منه شيء؟ قال: لأن نيران الشهوات في الخوف قد التهبت، فهي نيران سود، مظلمة بالهوى، وهي مؤدية إلى نار الله الكبرى، فإذا التهبت ارتفع إلى القلب، وأحرق تلك الأنوار، فخلا القلب من الموعظة والعلم الذي عليه، وهي شبيهة بالنار التي تلهب حمرتها، فتحتاج إلى ماء كثير حتى تطفئه، كلما ألقيت عليه قبضة من شئ، أو رششت عليه قليل ماء، انطفأ قليلًا ثم التهب، فكذلك صاحب الشهوة، إذا سمع الموعظة ذبل قلبه، وتخسفت نفسه، لما يصل إليه من الخوف، لأن الوعيد مما تنكسر به النفس، وتخمد شهواتها؛
[ ٧٤ ]
ألا ترى أن الرجل يكون في لذة من لذات الدنيا ونشاط، فإذا بلغه وعيد من السلطان انكسر، وذهب نشاطه، فوعيد الله تعالى لو خلص إلى القلب، لكانت النفس والشهوات أشد انكسارًا، ولكن لا يصل ذلك إلى
القلب، فهو صلب أبدًا، فرح مرح، أشر بطر، فهو ينور بلهب، فإنما يطفأ بالماء الكثير الغالب، وهو العلم المؤدي إلى الخوف والوعيد، وليس يوجد هذا، فما الحيلة في ذلك؟ قال: إنا لا نعلم له حيلة، إلا أن يمنع من إلقاء الحطب عليه، فإنه متى زاده وقودًا اتقد، ونار والتهب وقوى، ومتى ما حبس عنه وقوده خمد، حتى يصير رمادًا، ويذهب حر التنور؛ كذلك ههنا، يحبس عنها الشهوات حتى تخمد، فتذهب فورتها والتهابها، فحينئذ تتخلص أنوار القلب، ويقوي ويعمل العقل عمله، ووجدنا في مبلغ عملنا أن الذي جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ، أن النار تنادي يوم القامة للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي؛
[ ٧٥ ]
هذا معناه أن من عالج شهوات نفسه وهواه حتى يقهرها وتتخلص أنواره، ويقوى على قلبه، فقد أطفأ نور قلبه نيران شهواته المظلمة بالهوى، فهو النور يوم القيامة، حتى يطفئ ذلك النور لهب النار عنه؛ ومن لم يعالج هذا من نفسه، وخرج من الدنيا مع هذه النيران سوداء مظلمة، خفت من ألا يقوى نوره على أن يطفئ لهب النيران على الصراط، لأنه لم يكن له نور على القلب يطفئ نيران شهواته، وخرجت منه أعمال البر محترقة، مخلطة برياء، لأن عامة ما يعمل من الطاعات إنما يعمل بهواه، وبما يخف عليه، وبما تنشط له النفس وتستحيله، لا ينظر إلى ما يختار الله له، ولا يقبل علمه من ربه، إنما هو عامل لربه على التملك والاقتدار، والاختيار للأحوال، حتى ربما حمله ذلك على ترك الواجب، في جنب ما يتطوع به، وهذا موجود في الخلق، ترى الرجل يصلي بالليل، ويعق والديه، ويصوم النهار، ويسوء خلقه في شأن فطوره وسحوره، ويغتاب الناسي، وينفق في أعمال البر، ويكتسب الشبهات، ويعود المرضي، وينقل الجنائز، ويؤذي المسلمين، ويطلب عوراتهم، ويعود
[ ٧٦ ]
الأباعد، ويقطع الأرحام فهذا رجل جاهل بربه، يعبده بالهوى، كلما هوى أمرًا ركبه، وكذب فيما يقول إني أريد به الله. وإنما أتى فساد الخلق من
إهمال النفس، وترك تأديبها، وقلة النظر في أمر الله تعالى، وجهلهم به، فلو عرفوه لاستراحوا من خدع النفس ودواهيها، لأن النفس إنما تطمع بمخادعة من يجهل ربه، فأما العلماء بالله، العارفون بالنفس، والشيطان أقل وأذل هناك أن يطمعها في خدعهم، لأن النفس إنما تظلم وتوسوس على القلب الشهواني، الذي قد أسره الهوى، وليس لنور الطاعة في القلب ما يغلب الهوى والشهوات، وإنما القوة الغالبة نور المعرفة، فمن أستنارات معرفته كانت أموره على بينة ومعاينة، وذلك قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو علة نور من ربه. . .) الآية، فوصف رسول الله ﷺ علامات بالإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد
[ ٧٧ ]
للموت قبل نزوله، ومنه قول حارثة: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، فقال رسول الله ﷺ: عرفت فالزم؛ من سرّه أن ينظر إلى عبد نوّر الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا. وما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال له رجل: علمي غرائب العلم. قال: ما صنعت في رأس العلم؟ عرفت الرب؟ قال: نعم. قال: فما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله. قال: هل عرفت الموت؟ قال: نعم: قال فما أعددت له؟ قال: ما شاء الله. قال: أذهب فتعلم رأس العلم، ثم تعال أعلمك غرائب العلم.
[ ٧٨ ]
أفلا ترى أنه أمره بتعلم المعرفة، وسماه رأس العلم، فقد كان مسلمًا، لأنه سأله أن يعلمه غرائب العلم، وأنه كان أخبر بتلك المعرفة؛ فلما سأله: هل عرفت الرب؟ أجابه عن معرفته، فلما سأله عن الامتحان عما صنع في حقه، انقطع الرجل، فقال ما شاء الله.
وما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁، حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا القاسم العمري، عن عاصم بن عبد الله بن عامر بن ربيعه، عن أبيه: أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر رضي اله عنه، فقال: صحبته في سفر؟ فقال:
لا. قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا. قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد.
ومثل ذلك عندنا مثل رجل رأى قومًا لم يعرفهم إلا بالوجوه هكذا، فتعرف أحوالهم، فوصف له رجلا رجلا، فقيل له: أما هذا الواحد فهو عالم لا يوجد له في الدنيا نظير، لتبحره في العلم، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه شعبة؛
[ ٧٩ ]
ثم قال له: هذا الرجل الآخر غني، لا يوجد له في الغنى نظير، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: وهذا الآخر كريم، لا يوجد له في الكرم نظير، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ وقيل له هذا الآخر صانع الأشياء، لا يوجد له نظير في كل صناعة، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ قيل له: وهذا الآخر كفيل، يكفل الأرامل والأيتام، والضعفاء والفقراء، لا يوجد له نظير في رأفته ورحمته، فعظم في عينه، وأخذ بقلبه؛ ثم قيل له هذا الآخر شكور، عارف بالحقوق، إن أتيت أدنى شيء شكرك الكثير، ونشر عليك الجميل، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: ولهذا مملكة وعز، ومنعة وسلطان، قد ملك المشرق والمغرب، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: وهذا قوي لا يطاق، له قوة ألف رجل من الرجال، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ فكل رجل منهم يوصف بواحدة من هذه الخصال، يأخذ من قلبك شعبة، ويعظم في عينك شأنه، وقبل ذلك لم يكونوا على قلبك هكذا؛
[ ٨٠ ]
فلو أن هذه الخصال كلها جمعت في رجل واحد، لكان يعظم في عينك، ويكبر شأنه في صدرك، وتعظم منزلته عندك، ويأخذ بقلبك كله؛ فهذه الأشياء لو اجتمعت في رجل واحد كانت عارية، وهي عطاء من ربه، فعندئذ لا يكون من ملكه رأس إبرة وهو مخلوق يفنى ويبلى، فكيف بالعالم الذي لا يشبه علمه وغناه، وجوده وكرمه، وحلمه ومجده، وبهاؤه وجمالته، ورحمته ورأفته، وقوته وقدرته، وسلطانه وبصره بالأشياء، شيئًا مما عند الآدميين، وإنما اتفقا
بالاسم، فأما الأشباه فتعالى ربنا رب العالمين عن أن يشبهه شيء من خلقه؛ فإذا عرفت هذا من ربك فكيف يكون على قلبك أموره، ووعد ووعيده، وضمانه وكفالته وقوته؟ فمن استنار قلبه بالمعرفة سكن قلبه واطمأن إلى ربه، ووثق بقوله، فعظمت منزلة المؤمنين عند الله تعالى، حين قبلوا الإيمان بالجملة، ثم أستأداهم الوفاء عند النوائب، فمنهم من وفى، ومنهم من سقط، وبقى في الطرق، فأظلم عليه الهوى، ووقع من التخليط في الذنوب؛
[ ٨١ ]
ومنه ما حذر الله صفيه داود ﵇، فقال: (إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)، فلإنسان مطبوع على سبعة أخلاق: على الغضب، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغفلة، والشك، والشرك. فالخلق كلهم أقروا بأن الله تعالى فطر الناس عليها؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله، قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله. قل: أفلا تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله. قل فأنى تسحرون). وقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات
[ ٨٢ ]
والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله، فأنى يؤفكون). (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها؟ ليقولن الله؟ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون). فأقروا له تعالى بالربوبية من غير عقل، ثم أشركوا به غيره في ملكه، فقال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فأقروا لله بالربوبية، ثم أشركوا فيه لأنهم نطقوا من قلب مظلم، وقد ضرب الله تعالى لهم مثلًا في كتابه فقال: (يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا).
[ ٨٣ ]
وقال: (كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون). فأقروا له بالربوبية، ثم غفلوا عنه ونسوه، فهذا الشك
والشرك والغفلة فيه، ثم الغضب مركب فيه، والشهوة كذلك، فالرغبة في النفس من قبل النفس، والرهبة في النفس من أجل النفس، والخلق بهذه الصفة من مات منهم فإن جهنم موعدهم، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، فإنما قسمت على الأبواب هذه الأجزاء لهذه السبعة الأخلاق، فكل من غلب عليه خلق من هذه الأخلاق نسب إليه، وألقى في ذلك الباب، وعذب في ذلك الدرك. وما يصدق ذلك ما جاءنا عن رسول الله ﷺ، قال: للنار باب لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بسخط الله
[ ٨٤ ]
تعالى، حدثنا بذلك أبي ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن نافع الدينوري، عن إسماعيل بن شيبة الطائفي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ، قال: من منّ الله عليه من ولد آدم بالمعرفة، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، كان له وليًا، يخرجه من الظلمات إلى النور، وكان ميتًا فأحياه. ووصف ذلك كله في كتابه، فقال تعالى: (أو من كان ميتًا فأحييناه)، وقال: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظالمات إلى النور). وقال: (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور). وقال: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح).
[ ٨٥ ]
فوصفه إلى آخر الآية. قال: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام). ثم قال: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون)، إخبار عن المنة عليهم. فلما استنار قلب المؤمن بالنور الذي أعطى، نطق لسانه بتوحيده، وعرف قلبه ربه، وصدقه في وعده ووعيده، فأستسلم وألقى يديه، فذهب عن الشك والشرك والغفلة، فتيقظ وأيقن وأخلص، وبدّل بالغفلة اليقظة، وبدّل بالشك اليقين، وبدل بالشرك الإخلاص، وبقيت فيه الشهوة والرغبة والرهبة والغضب، وكلما أزداد العبد في إيمانه نورًا وقوة وشعاعًا، تنقص من الغضب والشهوة، والرغبة والرهبة، فكل مؤمن على قدر إيمانه يكون من هذه السبعة باقية فيه، يغفل عن ربه، وتعتريه الظلمة كالشك
وليس بالشك، ولكنه ريبة القلب واضطرابه وتغيره، كالشرك وليس بشرك، ولكنه شرك الأسباب الموضوعة، فيتعلق بالأسباب، يكون اعتماد القلب على الأسباب، وينسى ربه، لا لأنه يجحده،
[ ٨٦ ]
إذا ذكر أقر، وإذا نسى تعلق قلبه بالأسباب، حتى يفتتن: والأسباب مثل الحصن يدخل فيه الخائف، والسلاح يأخذه فيتقوى، فيكون اعتماده على الحصن والسلاح، وينسى ربه، وكالدواء ليستشفى به، فينسى ربه في شأن الرزق، يطلب ويسعى ويغفل عن ربه حتى يفتتن، فإذا ذكر لا يعمل فيه ذلك الذكر، وجميع الخلق أسباب، القلب حائل بينه وبين رؤيته ذلك من ربه، وهو سبب المعصية والفتنة؛ فإذا استنارت معرفته فعلمت، كانت كالشمس تشرق في قلبه بالأسحار، ولا ظلمة ولا غبار، فصارت الأشياء له معاينة، فتخلص القلب حينئذ من الأسباب، إلى ولي الأسباب، ومنه قول عيسى بن مريم ﵇: لو أن رجلًا مستكمل الإيمان يهز جبلًا لزال عن مكانه؛ ومنه قوله لبعض الحواريين حين أراد أن يلحقه في البحر، فيمشي على الماء معه: هات يدك يا قصي الإيمان، ثم مشى به في موج البحر،
[ ٨٧ ]
فقال: خفت الموج؟ قال: نعم. قال: ألا خفت رب الموج؟ ومنه قول رسول الله ﷺ: من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، وأعطى لله، ونصح لله، فقد استكمل الإيمان: ومنه قوله ﷺ لسلمان ﵁: قل اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانك في حسن خلق، ونجاحًا يتبعه فلاح، ومغفرة منك ورحمة ورضوانًا.
وفي هذا الباب حديث كثير عن رسول الله ﷺ؛ ومنه قول الحسن البصري ﵀ عليه في تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه)، قال: غير مستكمل الإيمان: (فأولئك لهم الدرجات العلى، جنات عدن تجري من تحتها
[ ٨٨ ]
الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء من تزكى). أي تطهر من الأسباب، وهو هذه الأخلاق السبعة، فهم أهل الدرجات العلى في
جنات عدن، وهم الصديقون رفقاء الأنبياء؛ فمن هاهنا قالوا بزيادة الإيمان، سموا هذا النور الذي يزداد العبد بربه معرفة به إيمانًا، كالشمس شعاعها الذي يقع بالأرض تسميه شمسًا، والذي يطلع في المجرى تسميه شمسًا، لأن هذا منه، ومنه قول رسول الله ﷺ: إن من أمتي رجالًا حال بينهم العرى عن أن يأتوا مصلاهم، يمنعهم إيمانهم أن يسألوا الناس، منهم أويس القرني، وفرات من حباب العجلى، رحمة الله عليهما. حدثنا الفضل بن محمد قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا ابن مهدي وعبد الله ابن الأشعث، عن سوار، عن محارب بن دثار، عن رسول الله ﷺ بذلك،
[ ٨٩ ]
فسموا هذا النور إيمانا، وذلك جائز في اللغة؛ وعلى هذا التأويل قول الحسن ﵀ (غير مستكمل الإيمان)، أي لم يستكمل النور؛ فوجدنا التبحر في العلم بالله بحسن المعرفة يملأ القلب نورًا، يحرق ذلك النور جميع نيران النفس، من الشهوات الهاوية في القلب إلى الإخلاد والتمكث، فلذلك تراه في الآخرة يطفئ نوره نيران الآخرة والتمكث على الجسر، وهكذا صفة المؤمن يومئذ على الجسر. قلنا كان أصل هذا الأمر، والمدار عليه، هو الإيمان به، وحسن المعرفة له، كما وصفنا، من السكون والطمأنينة، والثقة به، والركون إليه، على قدر ضعف اليقين وقوته، كما ذكرنا بديا؛ امتحن الله تعالى بفرائضه وحدوده وأمره ونهيه، ونهاهم عن أشياء، وشهوات تلك الأشياء مركبة فيهم، وأمرهم بأمور، فثقل عليهم إتيانها، وحد لهم حدودًا، فمد هواهم إلى مجاوزتها، وإلى التقصير فيها، والقعود عن إتمامها، ليظهر ما في ضمائرهم، ومقادير إيمانهم في الضعف والقوة، لخلقه من في السموات والأرض
[ ٩٠ ]
والملائكة وسائر الخلق، لكي إذا رفع بعضهم فوق بعض في الدرجات، لم ير أحد من خلقه من الملائكة والسموات والأرض وسائر الخلق أحكامه بين عباده إلا جميلًا؛ وابتلاهم بالطاعة، وبالحدود والفرائض، والأمر والنهي، فقال: (ولنبلونهم حتى
نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم). أي يستخرج أسرار ضمائرهم، حتى يكون عذري يوم القيامة قائمًا، وأمري ظاهرًا، فلا يرى خلقي مني ذلك إلا حسنًا جميلًا ومعروفًا؛ فلما علم أنهم يضيعون حدوده وفرائضه، من أجل الشهوات المركبة فيهم، وضعف الإيمان، وقلة اليقين، علم أنه سيكون من هذا الخلق أمور تحدث أسبابها من الهوى والشهوات، وقلة المعرفة بأمور ربه، وضعف اليقين، وزجرهم عن أشياء رحمة منه عليهم، وتعظيمًا لهم، لأن من آمن ودخل في ولايته وحزبه صار سعيدًا بجنته، فحرم
[ ٩١ ]
دماءهم وأموالهم وأعراضهم، بعضهم على بعض، وحرم عليهم الغيبة، والبهتان، والزور، والتجسس، وسوء الظن، وهتك الستر، وطلب العورات، والجهر بالسوء والأذى، وحرم عليهم الزنا، لأن فيه الغيرة والأذى بعضًا لبعض، وحرم الخمر، لان فيها الأذى وتلف النفس وإهلاكها، وحرم الربا، ودل على المواساة والتقارض، وقال: (ولا تنسوا الفضل بينكم)؛ ففي ذلك دليل على حضهم، ومنع بعضهم من بعض، وحضهم على البر بعضهم لبعض، إبقاء عليهم، ومرفقًا لهم، لأنهم أهل خاصته وصفوته، ودعا إلى الصلوات الخمس، ليطهر أبدانهم، ودعاهم إلى الزكاة ليطهر أموالهم، ودعاهم إلى الجمعة، ليطهر خطاياهم، ودعاهم إلى الحجّ، ليعتق رقابهم من عظائم الإثم، ودعاهم إلى صلة الأرحام، ليرحم بعضهم بعضًا فيرحمهم، ودعاهم إلى الجهاد، ليتخذ منهم شهداء، ويرفعهم في الدرجات، ثم دعاهم إلى نوع آخر من العبادة، ودعاهم إلى بر الوالدين، ليقوم بشكرهما من أجل التربية، لأنه يبغض الكفور،
[ ٩٢ ]
ودعاهم إلى الإحسان إلى الجار، وإلى ذي القربى، وإلى الصاحب بالجنب، وإلى الضيف والمملوك؛ وكل هؤلاء أهل حقوق؛ ودعاهم إلى الإحسان إليهم، ليكون ذلك شكرًا لهم؛ فهذه الأشياء كلها عبادة تعبدهم بها.
فأما أصل الأمر، فهو ما وصفته لك في أول الكتاب، أنه دعاهم إلى أحكام
المعرفة، حتى يسكنوا إليه، فقلب العبد من قبل أن يؤمن أغلف، وللقلب عين وآذان، فإذا كان العبد ممن خلقه الله تعالى للرحمة، وسبقت له منه الحسنى، جعل له ذلك النور كما أنطق به الكتاب، فقال: (أو من كان ميتًا فأحييناه). أي بذلك النور؛ وهو قوله: (وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس). ولا نرى ذلك النور إلا ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، قال: (إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فقد علم من يصيبه ومن يخطئه، ثم أخرجهم يوم الميثاق بيضًا وسودا، ثم استنطقهم
[ ٩٣ ]
يومئذ، فبلغنا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: فأقروا له بالربوبية، طوعًا وكرهًا وتقية، فذلك قوله تعالى: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا)، حدثنا بذلك عن ابن عمر، وعن أسباط، عن السدى، عن أبي صالح، وأبي مالك، عن أبن عباس. ثم قال تعالى: (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور). وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه). فلما حيي القلب بذلك النور، صار سميعًا بصيرًا، وروى عن لحسن ﵀ عليه تفسير هذه الآية: (وتنذر به قومًا لدا.). قال: صم آذان القلوب، وعلى تأويل قوله تعالى عندنا: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا،
[ ٩٤ ]
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون). وقال تعالى: (لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين فالحي هو المؤمن، فلما صار قلب هذا العبد منورًا بما ﵀، وقسم له في سابق علمه، صار القلب بلا غلاف، وأذن له ربه بالأيمان به، قال تعالى: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بأذن الله)، فذكر هاهنا الإذن للنفس، ثم ذكر القلب، فقال: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان). فذكر تعالى فعله بالقلب ماذا فعل، وذكر فعل النفس أنها قد آمنت، وبماذا آمنت، فخرج القلب من الغلاف، كسحابة، انقشعت عن شمس، فاستنار، وسمع عن الله تعالى، وابصر الغيب، فصار مجتبي
[ ٩٥ ]
من أهل
جباية الله تعالى؛ وذلك قوله ﷿: (هو اجتباكم). وصار موسوما بسمة الله، وهو ذلك النور الذي أصابه، فلما أهينت النفس، وانقادت للقلب، قبل القلب ما سمع عن الله، وأبصر بالغيب، وعقله وعزم عليه، صار موسوما بسمة الله ظاهرا وباطنا، فقيل هذا مؤمن، وهذا مسلم، لأنه قد آمن، ولأنه قد أسلم وجهه إلى الله، ومن أسلم الوجه إليه، فقد أسلم إليه بكله، لأن الوجه اسم جامع؛ ألا ترى أنك تقول في اللغة للسائرين بين الناس: رأيت وجوها كثيرة، فدخل فيه البدن كله، والمؤمن إذا آمن وقبل أمره، فإنه يعمل على تسليم نفسه إليه، لأن إيمانه إنما آمن بأنه ربه، فرقبته له، وجميع ما ملكت يمينه له، فقد سلم إليه نفسه وملك يمينه، فهو المسلم، قال تعالى: (هو سماكم المسلمين من قبل): أي في اللوح المحفوظ.
[ ٩٦ ]
(وفي هذا): يعني في القرآن. (ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس): أي إذا جاءت الأنبياء، فسئلوا عن تبليغ الرسالة، فادعوا البلاغ، فأنكرت الأمم، وقالوا: لم تبلغنا رسلك أمرك، فنسلم أنفسنا وملك يميننا لك، ونأتمر بأمرك، فأنتم أهل تسميتي، الذين سميتكم مسلمين، بأنكم قد سلمتم إليّ أنفسكم، فيشهد لكم بذلك الرسول الذي بعثته بالمقام المحمود، الذي يغبطه الأولون والآخرون، فبلغنا في الحديث: (وتشهدون أنتم لرسلي على أممها التي لم تسلم لي نفسها، فبهذا صرتم شهداء رسلي، وحجتي عل خلقي).
فلما فتح القلب عينه أبصر وسمع لما حبب إليه الإيمان، أي وصل إلى حبة قلبه، وتزين ذلك في قلبه، انقاد لربه، ألقى بيديه إلى ربه سلمًا، جاءت النفس بظلمها وظلمتها، وهي الهوى، فوقفت بين يدي القلب، صار على القلب كالغشاء أو كالسحابة المظلمة، فقيل غفلة، والأول كانت غلفة، فلما ذهبت الغلفة، حيث جاء النور، وبقى الهوى غفلة. وقد نجد مثل هذا كثيرًا في اللغة، يقال: جبذ وجذب، وكشر
[ ٩٧ ]
وشكر، وزرق ورزق، ومجر ومرج، وحدج وجحد، وعلم وعمل، وغرف
وغفر؛ ومثل هذا كثير، كلاهما مرجعهما إلى معنى واحد، ولكنهما اشتقا، فأستعمل هذا في نوع، وهذا في نوع، والآخر في نوع، وإن كان القالب يختلف على فعل وعفل، فإن الاشتقاق من معنى واحد، وخولف في القالب للاستعمال في نوعه، ليعرف باختلاف القالب نوعه الذي عنى به؛ وكذلك العقل أيضًا مثله، فقيل كشر إذا تبسم فبدت أسنانه؛ وإذا بدا لقلبه فرأى نعمه إليه من الأسباب شكر، لأن النعم قد بدت له، وكذلك قوله رزق، وهذا فيما بدا إليه من الأسباب في مطعمه ومعاشه، وهذا فيما بدا إليه بالسبق، فيرزق به؛ وكذلك يقال في الحربة والمرزق، فكذلك الغفلة والغلفة، معناه عندنا أن الغلفة في وقت الكفر، والكفر هو الغطاء، فإذا ذهبت تلك الغلفة، ورفع الله الغطاء بمجيء
[ ٩٨ ]
النور، بقيت الغلفة، وهو الهوى قائمًا فيما بينه وبين ربه، وكان للقلب حجابان: حجاب غطي ظلمة الكفر، فإذا ذهب الغطاء بقي الحجاب الآخر قائمًا بينه وبين ربه تعالى، فهو الذي يغفله وينسيه، وهي التي تسمى غفلة؛ فلما صارت هذه النفس قائمة بظلمة هواها، وتلظى نيران شهواتها، بين قلب العبد وبين ربه، بعد أن أسلم له وانقاد، واعترف وقبل أمره، وعزم عليه، فهو يتعاصى عليه، وتستأديه الشهوات التي حرمت عليه، وتزلزله في شأن الرزق، وتوسوس إليه في نوائبها وأمورها، على تدبيرها المنكوس، وجهلها المظلم، والرب الرحيم الرءوف به، قد اختار له غير ذلك، مما هو أرفق به، وأبر له، وأزين به وأفضل، فقد شغل القلب النظر إلى ما يبدو له من تضاربه وتدبيره له، فحديث النفس وسوسة تدبيرها؛ وخيبته ومنته وأشقته وألهته، وأظلمت عليه الصدر، وهي سلاح عدوه الشيطان الرجيم، بها يخدعك ويوسوس لك، ويزين لك، ويعين هواك عليك،
[ ٩٩ ]
فلذلك قيل عن رسول الله ﷺ: إن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. فلما كنت بهذه الحالة وقد ألقيت بيديك إلى الله سلمًا، بما جعل في قلبك، أمرك بمجاهدته، فقال تعالى:
(وجاهدوا في الله حق جهاده). وأنبأك في كتابه شأن النفس والهوى، في آي كثيرة، منها ما ذكر عن قول يوسف ﵇ حيث قال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي). وحيث قال لداود ﵇: (إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله). وقال تعالى: (وأما من
[ ١٠٠ ]
خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى). . . الآية، فأمره بالمجاهدة حق المجاهدة، ثم أيدنا وشجعنا، فقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين). فسماه محسنًا، ووعده أن يكون معه، ومن كان الله معه فهو المنصور لا يغلب؛ فوعدك على المجاهدة حق جهاده، أنه هو الذي يلي هدايتك سبيله. هذا ثوابه في العاجل، فكيف بثوابه في الآجل، إذا قدمت عليه غدًا بالمجاهدة، وبثمرة المجاهدة، فإن الهداية صارت ثمرة المجاهدة، وبالهداية نلت ولاية الله تعالى، وبولاية الله نلت قربة الله وزلفاه. ثم قال تعالى: (هو اجتباكم)، أي كما جعلتك من أهل جبايتي، جعلت لك نورًا، وفتحت عيني قلبك، وفتحت أذني قلبك حتى عرفتني، فالآن جاهد في ذاتي هواك وشهوات نفسك، حتى يظهر انقيادك لأمري، ويعز ديني، وتعلو طاعتي. والمجاهدة على
[ ١٠١ ]
قالب المفاعلة، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين، إلا في النادر في الكلام، فأما العام فإنه من أثنين، فكأنه قال: (وجاهدوا في الله حق جهاده). وقال في آية أخرى: (واعتصموا بالله). أي امتنع من شر النفس وحربها وعداوتها بالله تعالى، فكأن النفس عدوك، يرميك بسهم الشهوة، والهوى يقويها، وهي مظلمة، لا تستعين بالله عليك، وأنت ترميها بسهم المعرفة والعقل، وتستعين بالله تعالى عليها، فأنت المنصور، لأنك بالله تجاهدها، وهي تجاهدك لا بالله، فدلك ربك على الاعتصام منها به، ثم وعدك النصر، وشجعك على المجاهدة، فقال: (هو مولاكم): أي يلي نصرتكم، ثم قال: (نعم المولى ونعم النصير): ينبئك وهو يملك كثرة النصرة
ومتابعتها، فإذا تركت الاعتصام به خذلك، وخذلانه أن يمنع النصرة، فإذا منع النصرة، فجاهدت النفس، رمتك بسهام الشهوة والهوى، فرميتها بسهام المعرفة والعقل، لم تغلبها
[ ١٠٢ ]
وغلبتك، لأن العلم والعقل والمعرفة في القلب، والهوى والشهوة خارج من القلب، قائم بين القلب وبين الرب، قد أظلم على سمعك وبصير عيني قلبك بغشاوته، فسجن ما في القلب، وغلب على القلب، فصار بمنزلة سراج في بيت، والسراج في الفخار، وعليها غطاء، فالبيت مظلم، فإذا انكشف الغطاء أبصر ما في البيت، مما يضر وينفع، فإذا جاهدت النفس، فاعتصامك به في ذلك، ذكرك إياه بأنك لا تستطيع دفع هذا إلا به، واستغناك به هو الذي يغنيك ويعنيك، فينصرك، وكيف لا يعنيك وقد أمرك بأن تقول: (إياك نعبد وإياك نستعين). فيأمرك بالقول بهذا حتى تسأله ثم لا يجيبك! وقال تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)، ثم لا يجيب ولا يكشف! تعالى الله عن ذلك، وإذا نسيته في ذلك الوقت، منع النصرة، لتركك ذكره، ولاقتدارك في الأمر،
[ ١٠٣ ]
وكيف لا يعاقبك بمنع النصرة وقد نسيته، واقتدرت في أمره، وقد أمرك بأن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فمن اقتدر في أمره والأمر كله لله، والخلق لله، والقدرة لله، عوقب بأن يخذل، وعرف بالخذلان أن أقتداره كان خطأ، وأنه لا يقدر إلا به، وقال تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم؛ وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده؟).