قال: القلب بضعة من لحم، في جوف بضعة أخرى، وهو الفؤاد، ومعدن النور القلب، ومنه قيل خبز فئيد، لأنه في جوف الرماد الحار والجمر، فالبضعة الخارجة هي الفؤاد؛ وإنما سمي قلبًا لأنه يتقلب، وله عينان وأذنان وباب، والصدر بيته، وإنما سمي صدرًا لأن الأمور تصدر عنه، فالنور الذي في القلب يعرف ربه، لأنه نوره، وهو حبة
[ ٥٢ ]
القلب، واشتقاق الحب منه، لأنه وصل حبة قلبه، ومنه قوله ﷿: (حبب إليكم الإيمان)، أي أوصله إلى حبة القلوب، ثم قال تعالى: (وزينه في قلوبكم) ولم يقل في فؤاد كم، ومما يحقق ذلك قول رسول الله ﷺ: أتتكم أهل اليمن، هم ألين قلوبًا، وارق أفئدة، فوصف القلب باللين،
والفؤاد بالرقة، فالنور إذا خرج من باب القلب أشرق في الصدر، فأبصر عين الفؤاد ذلك النور، فإذا فكر في الجنة أو النار، أو في شيء من أمور الآخرة، وقع لتلك الفكرة ظل على الصدر، فتمثل ذلك الشيء بين عيني القلب، فصار كأنه ينظر إليه، وإذا ذكر الرب ﵎ لم يقع لذكره ظل على الصدر، ولكنه يشرق النور، ويتلألأ النور في الصدر، حتى يكاد يغشى بصر القلب، لأن النور إنما أشرق في الصدر، لأنه نوره، فإذا ذكر الأشياء، فالأشياء مخلوقة، فوقع للأشياء ظل، وإذا ذكره تلألأ النور، ولم يقع في الصدر ظل، وهو بمنزلة قنديل
[ ٥٣ ]
معلق في البت، فحائط البيت يشرق عليه نور الصباح، فإذا رفعت يدًا أو شيئًا بين الحائط وبين المصباح، وقع لذلك الشيء على الحائط ظل، وتمثل ذلك الشيء، فإذا رفعت بين المصباح وبين الحائط مصباحًا آخر، ازداد ذلك إشراقًا وضياء، ولم يتمثل على الحائط صورة، ولا وقع ظل، فهذا شأن القلب.
فإذا حمى القلب بالفطام من الهوى فصفا، صار كالذهب يخرج من النار، فحينئذ يحك بالحجر، اختبار لجودته. وذلك أن الذهب لاجتماعه وكثرته، أراك لون حمرته، بقوة بعضه من بعض، وانضمام بعض إلى بعض، فإذا حككت منه شيئًا بحجر، وبقى بالحجر من ذلك شيء لطيف رقيق، تبين لك جودته أنه يريك في حال الضعف والرقة، من آية قواه أنه قوى الحمرة، وأنه جيد؛ وذلك الرديء المغشوش يريك حمرته ما دام كثير القدر، كثير الوزن، مجمع القوى، فإذا حككته بحجر، فبقى الذي على الحجر، رأيته أصفر، فعرفت أنه ليس بجيد.
فكذلك القلب لا يتبين ما فيه حتى يفطم، ويريك أنه قد صفا بالفطام، فحينئذ يحك بحجر البلوى، فيختبر سكونه
[ ٥٤ ]
بمن، وإلفه مع من، أبالله سكونه ومعه ألفه، أم لعطائه سكن، ومع أحوال نفسه ألف؟ فالحك هو النقصان، فمن كان سكونه به، وإلفه معه، لم يتغير للنقصان، أعني نقصان العطاء، ولجزيله، لأنه للنقصان
والتجزيل يبين إلى ما سكنت، وهل قطعت الهوى، فهذه منزلة عبادتك له بما هو أهله، وهو الذي يقال له: اعبد الله باليقين لا بالهوى، واليقين، عقيب الهوى، فكل ما نقص من هذا ازداد من ذلك، فهما يتعاقبان أبدًا، ويقال: الصبر صبران: صبر على الشدائد، وصبر على ما يدعوك إليه الهوى، طاعة كانت أو معصية، فإذا فطمت نفسك عن طاعة الهوى، حتى صار لك عادة ألا تطيع الهوى في شيء من الأشياء، وإن أبيح لك ذلك الشيء، استنار قلبك باليقين، وهو نور مشرق في الصدر، وعينك تنظر إلى ذلك النور، ونفسك يقظان بقرب الله ﷿، كما قال عامر بن عبد قيس ﵀: ما وقع بصري على شيء إلا رأيت الله أقرب منه. وروى عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى نحو من ذلك وإنما أدرك عامر هذه المنزلة، لأنه راض نفسه
[ ٥٥ ]
حتى صار بحال - حكى عن نفسه أنه قال: وجدت الدنيا أربعة أشياء، فما زال يروض نفسه حتى أطاعه الهوى، حتى قيل له حيث يريد الشام: كيف تبكى على أهل مصر؟ قال: لأن بها أخواني، وبها كثرة تجاوب المؤذنين، وبها ظمأ الهواجر. قيل له: فقد أذن لك، أفلا ترجع؟ قال: أكره أن أرتحل رحلة هوي.
وكما روى عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى، أن رجلًا قال لمعلمه: قد قطعت الهوى. قال: أتفرق بين النساء والدواء؟ قال: نعم. قال: فأنت أوثقت الهوى ولم تقطعه.
وكما روى عن عيسى ابن مريم ﵉: هل يستوي عندكم هذان: كف من تراب، وكف من ذهب، قالوا: لا. قال: فهما عندي سواء. فهذا قطع الهوى.
قال له قائل: أشرح لنا هذا. وكيف يستوي هذان في القلب؟
قال: إن الناس إنما فرقوا بينهما، وفضلوا الذهب على التراب بالهوى، لما رأوا منفعة الذهب، فضلوه من أجل المنفعة؟
[ ٥٦ ]
فينبغي لمن أراد التخلص من هذا، أن يروض نفسه، حتى يرى بنور اليقين الأشياء كلها مستوية، بمعنى أنها خلق الله تعالى، ثم يرى المنازل التي أنزلها الله تعالى، فبإنزاله إياها لها تلك المنزلة موافقة له، ولو شاء جعل المنفعة التي في الذهب، في الزجاج وفي الحجر، ولكان الذهب ساقط المنزلة عن القلوب، ألا ترى أن عمر ﵁ أراد أن يتخذ الدراهم من جلود البقر.
فإنما ينبغي لك أن تفضل عندك شأن الدينار والدرهم، بما أنزل الله لا بهواك، ألا ترى لو أن رجلًا أتى سمرقند بعض هذه الكور التي تجوز فيها هذه الفلوس، كان للفلوس عنده قدر، إن افتقدها حزن، وإن وجدها فرح؛ فإذا تحول إلى كورة لا تجوز فيها تلك الفلوس، فلو رمى بها لم يبال؛ فهذا مما يدلك أن الذهب إنما عظم موقعه من القلوب لعظم منفعته، بأنه صار ثمنًا للأشياء، فمن أجل ذلك بغض الله تعالى كثيرًا من الناس من أجل أنهم رأوا منفعة الأشياء من الدينار والدرهم، لا من الله ﷿.
فينبغي لك أن تروض نفسك وتفطمها عن هذه الأشياء، حتى يصفوا قلبك، ويسير باليقين، حتى ترى الدينار
[ ٥٧ ]
والدرهم خلقين من خلق الله تعالى كسائر الخلق مبتدعًا، ثم تنزلهما بالمنزلة التي أنزلهما الله تعالى، فبإنزاله يفضلهما، ويرى المنفعة التي فيهما من خالقهما، فحينئذ يستوي عندك حالهما، في أنهما خلقان من خلق الله تعالى، فهذا عندنا معنى قول عيسى ابن مريم ﵉.
فإذا غفلت عن النفس بعد رياضتها، فلا تأمن أن تعود إلى بعض عاداتها ما دامت الشهوات منها حية، والهوى قائمًا، ألا ترى أن النفوس إذا ترك استعمالها وتعاهدها وعتقت، كيف يأخذ البيت الأسفل من البيت الأعلى، فكلما رميت بها سهمًا أخطأ الغرض، كذلك النفس إذا تركتها حتى تقوى شهواتها، ويشتد حرها في الجوف، وتقوى ظلمة الهوى، أخذت من البيت الأعلى، وهو نور العقل ونور المعرفة ونور
الروح ونور العلم، فتحرق بنيران الشهوات، من هذه الأنوار التي في القلب بقدر قوتها؛ وإذا قويت بنيران الشهوات ضعفت الأنوار، فيظلم الهوى على اليقين، فيتولد الشك على القلب من هذه الآفات، فتغلب على القلب هذه الآفات،
[ ٥٨ ]
فمن ههنا يصرع، فهذا هو القلب المصروع، والمأسور في يد هواها؛ قلما خرج منه عمل من أعمال البر، ثم لم يصب الغرض، فوقعت رميته يمينًا وشمالًا، وربما خرج منه فلم يبلغ الغرض لضعف القوس؛ وذلك أنه رمى عن قوس قد أصابتها الآفات والعلل؛ فكذلك آفة القلب الذي وصفنا، وربما أردت برًا، مال بقلبك الهوى إلى الشهوات يمينًا وشمالًا، حتى تحيد عن السبيل والسنة، وربما جاوزت الغرض، وربما ضعف قلبك، فعلمت بغير نية، فلم يبلغ عملك إلى ربك، كما قصرت الرمية عن الغرض؛ أفلا ترى كيف تعالج القوس وتحمى حتى تلين، فإذا لانت سويت، حتى يرجع البيت الأعلى إلى مكانه، وإنما زال عن مكانه لأن البيت الأسفل لما قوى وصلب مد البيت الأعلى بفضل قوته؛ فكذلك النفس لما قويت وصلبت شهوتها، انتشرت وهاج هواها، فأحرقت أنوار القلب، والقلب هو رطب بالأنوار، لأن النور هو من الله تعالى رحمة، والرحمة باردة، والقلب لين منقاد برطوبة تلك الأنوار،
[ ٥٩ ]
فإذا احترق النور صلب القلب وقسا ويبس، فخف عن ذكر الله، ولهى عنه، فالمشروح صدره للإسلام، شرحه ربه (فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) فمدت النفس آلتها، فصار في سلطانها، كما يحمي القوس حتى تلين، ويتخلى عن البيت الأول.
كذلك تراض النفس بأن تحمى، وهو أن يمنعها اللذات والشهوات، فتحزن، ويصيبها حرقات منع الشهوات في مصائبها، فبتلك تذل وتنقمع، وتلين وتتخلى عن القلب، فيرجع القلب إلى مكانه بنور المعرفة ونور العقل ونور العلم ونور فوائد العطايا؛ فكلما منعت النفس شيئًا من هذه الشهوات، خلت عنه كما وصفنا؛
كلما أعطيت النفس منيتها قويت، فصارت كالشجرة تثمر الحنظل والدفلي والمر والصبر والسموم القاتلة، فإن أردت ألا تنموا، فالتدبير فيما عقل العبد وفهمه، أن تحبس عنها الماء والسرقين والتراب الذي يلقى في اصله، حتى تيبس،
[ ٦٠ ]
فتصير جذعًا لا يثمر ولا يرجع عليك بالضرر؛ ثم لا يزال جذعًا يعترض بين عينيك، يشغلك عما سواه من الأشجار، فتشعل فيه نارًا، حتى يذهب شخصه من بين عينيك، فإذا هو قد ذهب أثره، وذهب ذكره.
وكذلك النفس: في التدبير أن تحبس عن النفس لذاتها وشهواتها، حتى تذهب ثمراتها من هذه السموم القاتلة، التي تميت قلبك في الدنيا، فتصير أعمى من العميان في الدنيا بصيرًا في دين الله جل وعلا، فتقبل على مزبلة وهي الدنيا، وإنما هي قنطرة، تداولتك أيدي أسود وأبيض وهو الليل والنهار، حتى تؤديك إلى الخالق البارئ، المثيب المعاقب، فتعظم ما صغر الله، وتكرم من أهانه الله، وتدنى من أقصاه الله، وتتعلق بمن لا بد أن تفارقه، وتعمر ما أذن في خرابه؛ فإذا ذهب ثمراتها حبست عنها الفكرة فيها، والحديث عنها، والتذكر لها، حتى تيبس، ثم لا تزال تمنية شهواتها قائمة بينك وبين ربك، تفرح بالعطاء، وترضى بما تعطى به، وتروم ما لم تعط، وترى نفسها في الأشياء؛ فهي تحجبك وتشغلك،
[ ٦١ ]
حتى إذا منّ الله عليك بنور اليقين، فهي كالبرقة، كما تشعل شجرك نارًا، فيذهب أثره وذكره، كذلك البرقة تحرق قائمة نفسك، فيذهب أثرها وذكرها، ويبقى والها منفردًا به، فتكون الأشياء والأمور منك له وبه؛ فإذا أهملتها، وعجزت عن رياضتها، رجعت عليك بوبال عظيم، تعرض عن دار دعاك إليها رب العالمين، فقال تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام)، أمنك من آفاتها، فنسبها إلى اسمه السلام من بين الأسماء؛ يعلمك أن لسكانها السلامة من الآفات، محشوة بالنعم، مشحونة بالرضوان، وتلهى عنه باللعب والباطل؛ كفى بهذا عارًا، وأنت عبد سخر الله لك الخلق والخليقة لم
تنل حتى تكون ما عاشت قائمًا بتربية حقوقه، ناظرًا لأموره، معظمًا لشأنه، ذاكرًا له، ناشرًا عنه الجميل، مشتاقًا بقلبك إلى لقائه؛ فأقبلت على تربيتك نفسك، وطلبك لها العز والجاه، والمنزلة من الخلق، والذكر على الألسنة؛ فهذه ربوبيته، فكيف تتفرغ للعبودية من طلب الربوبية؛
[ ٦٢ ]
فاشتغلت عنه، فسهوت ولهوت عن ربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، وجمل صورتك، ودعاك فأعطاك وحباك، وأملك ومناك، ومن عظيم الخطر ومن ظلمة الكفر نجاك.
فهذا الذي وصفنا من تركك الشهوات وتجنبك اللذات، ليس تحريم الذي أحل الله لك، ولكن تأديب لنفسك، ورياضة لها، لأن هذه النعم إنما أمرت وأذن لك في تناولها، على الأدب الذي أدبت به على لسان الكتاب والرسول؛ فلما ساء أدبك لما فيه من أخلاط السوء التي مالت بك، لم تجد بدًا من أن تعظمها مرة، حتى يجد القلب فراغًا إلى تعلم الأدب، فتأخذ طريقًا؛ فأما قلب معلق بالشهوات، مأسور باللذات، مقهور بالمنى، محبوس في سجن الهوى في بئر مظلم، فكيف يمكنه أن يتناول ما أعطى بإذن الله؛ فإن بعض من خفى عليه هذا النوع من العلم، كبر في صدره هذا، حتى ربما يفرح إلى الاحتجاج بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما
[ ٦٣ ]
أحل الله لكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين). وبقوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). فهذا من الاحتجاج تعنيف، ومن القول تحريف، لأنا لم نرد بهذا التحريم، ولكن أردنا تأديب النفس، حتى تأخذ الأدب، وتعلم كيف ينبغي أن تعمل في ذلك؛ ألا ترى إلى قوله جل وعلا: (إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأثم بغير الحق). فالبغي في الشيء الحلال حرام، والفخر حرام، والمباهاة حرام، والرياء حرام، والسرف حرام، فإنما أوتيت النفس هذا المنع من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب، فلما رأيت النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق،
تريد بذلك تغنيًا أو مباهاة أو رياء، علمت أنها خلطت حرامًا بحرام، فضيعت الشكر، وإنما رزقت لتشكر لا لتكفر؛
[ ٦٤ ]
فلما رأيت سوء أدبها منعتها، حتى إذا ذلت وانقمعت، ورآني ربي مجاهدًا في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وأن الله لمع المحسنين). فصرت عنده بالمجاهدة محسنًا فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل؛ وقذف في القلب من النور نورًا عاجلًا في دار الدنيا، حتى يوصله إلى ثواب الآجل؛ ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا قذف النور في قلب عبد انفسح وانشرح، قيل: يا رسول الله، فهل لذلك من علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)؛ وإنما تجافى عن دار الغرور، بما قذف في قلبه من النور، فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخدعها وخرابها، فغاب عن قلبه البغي والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء
[ ٦٥ ]
والحسد، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيمه الدنيا، وحلاوتها في قلبه، وحبه لها؛ وكان سبب نجاته من هذه آفات برحمة الله رياضته هذه النفس، بمنع الشهوات منها.
وهذا في الآثار موجود قائم عن السلف، قد سارت به الركبان، من غير وجه؛ حدثنا محمد بن سهل، قال: حدثنا عمر بن منصور القيسي قال: حدثنا عبد الواحد بن زيد، عن الحسن، قال قال رسول الله ﷺ لأصحابه ذات يوم: (ماذا تقولون في صاحب إذا أنتم أكرمتموه ورحمتموه وأطعمتموه وسقيتموه، دعاكم إلى شر غاية؛ وإذا أنتم أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه وأعطشتموه وأتعبتموه، دعاكم إلى خير غاية؟ قالوا: يا رسول الله، هذا شر صاحب في الأرض. قال: إي والذي بعثني بالحق، هي أنفسكم التي بين جنوبكم).
[ ٦٦ ]
وحدثنا صالح ابن محمد، قال: حدثنا أبو مقاتل، عن ابن عون بن أبي راشد، عن الحسن ﵁، قال: بلغنا عن عيسى ابن مريم ﵊، قال في خطبته: (لا تضرين بكم الشهوات، فإنها أشد حرًا في الجوف من النار، وأشد سكرًا من الخمر، وإنكم لا تدرون ما تأملون، إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تنالون ما تحبون، إلا بترك ما تشتهون).
حدثنا عمر عن سهل بن تمام، عن عمار بن منصور، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ، قال: طهروا قلوبكم بقلة الطعام تصفوا، فترق وتصلب وتستعف)؛ فصفاؤها لله، وصلابتها في الدين، ورقتها للأخوان، واستعفافها في ذات الله تعالى.
فعالج قلبك حتى تعتقه من رق النفس بما وصفت، فإذا كان كذلك صفا قلبك من كدورة الأخلاق، وطهر من شهوة الآثام، فاستقر اليقين فيه، لأن اليقين لا يستقر حتى يرى مكانًا ظاهرًا، فتحيا القلوب وتصلب، لأنه من الله، قد قرب عبده واصطفاه، فيصير حينئذ ما غاب عن العين من أمور الآخرة، وأمور الملكوت، بعين قلب، فهو كالبرق في
[ ٦٧ ]
ليلة ظلماء، إذا برقت أبصرت بعين رأسك جميع ما غاب عنك في تلك الظلمة، من بئر أو جرف أو واد؛ أو ما ترى إلى حديث حارثة؟ حدثنا بذلك عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن أنس، قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي إذ استقبله شاب من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا، قال: فانظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة. قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاون فيها. قال: عرفت فالزم. عبد نور الله الإيمان في قلبه. فقال: يا رسول
الله، ادع الله لي بالشهادة. فدعا له رسول الله ﷺ، فنودي يومًا في الخيل،
[ ٦٨ ]
وكان أوّل فارس استشهد، فبلغ أمه، فجاءت إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن ابني، إن يك في الجنة لم أبك عليه ولم احزن، وإن يك غير ذلك بكيت عليه ما عشت. قال: يا أم الحارث إنها ليست الجنة، ولكن جنة في جنان؛ والحارث في الفردوس الأعلى. فرجعت وهي تضحك وتقول بخ بخ لك يا حارثة.
أفلا ترى أنه لما راض نفسه بأن قال: عزفت نفسي عن لذات الدنيا وشهواتها، فكأني أنظر إلى عرش ربي، فصارت الأمور الغائبة عنده معاينة، فعمل على الحقائق، وذهب الجهل، لأنه من نصب وتعب وعمل على المعاينة، زال الجهل عنه؛ ومن عمل على غير المعاينة، فهو في جهد عظيم، ومخاطرة عظيمة من قبل نفسه، إلا من عصم الله تعالى، لأنه كالسائر في الظلمة: أحيانًا يمشي، وأحيانًا تنهشه حية، أو تلدغه عقرب، لا يبصر أين يضع قدمه، فهذه مخاطرة.
وأما جهده ثقل نفسه، فإنما ثقل أنه لم يعاين ما ثمرة هذه الأمور؛ هو بمنزلة رجل قيل له: احمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فهو يجد ثقلها على فؤاده،
[ ٦٩ ]
فقيل له: أحمل، ولك هذا الدينار، فاستمر بالحمولة، ونهض بأعباء ثقلها، فوجد خفة الحمولة، لأنه قوي القلب بما عاين من الدنيا، فقويت الأركان؛ أو قيل له أحمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فعلاه بالسيف أو بشعلة نار، فخلص إليه الخوف، فاحتمله، فوجده خفيفًا، لأن القلب قد عزم على احتماله، هربًا من السيف، أو قيل له احمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فقيل له: هذا الملك وأنت بعينه ينظر إليك، فوجد القلب قد انتقل عن حالته، إجلالًا للملك، فاستمر بالحمولة وقوى القلب، فإنما أدرك حمل هذه الحمولة بما عاين، فكذلك صاحب النفس قد عاين وشاهد قلبه، مما هو أكثر مما هاهنا من معاينة بصر الرأس في دار الدنيا؛ فالقلب الموقن،
صفته إذا تناول النعمة، فكأنما يتناولها من خالقه، فيأخذها بحياء، ومرة بحلاوة، ومرة بمهابة، ومرة بخوف؛ وإذا نزلت به بلية أبصر بنور يقينه إلى أموره، اختار له هذا، فظن به أحسن الظنون، لأنه أيقن أنه به أرحم منه بنفسه
[ ٧٠ ]
وأرأف، فأتمن ربه، واتهم نفسه، وقال: ربي أعلم بما اختار لك، فإن لم أصلح على اختياره وتقديره، لم أصلح على اختيارك وتقديرك أيتها النفس، واختيارك أنزل بي هذه البلية لإحدى خلال: إما تكفيرًا لخطيئة استوجب بها هذا العذاب الأكبر، وإما رفع لي درجة يقربني إليه، وإما بينهما لأمر عظيم، أو عصمني من ذنب، أو صرف عني داهية، أو عالجني بعقوبة، لأن يرفع عني عقوبة الآخرة، ففي كل هذا خير. وأما العارف فإنه أجمله، فقال: هو مشيئة ربي، فمشيئته أحلى عندي وأعظم على قلبي، من نفسي وجميع جوارحي، وهؤلاء قوم ولهت قلوبهم لديه، فصارت أحكامه التي رضيها لهم منية قلوبهم، من إجلالهم له وإعظامهم.