فقال: إن نور المعرفة في القلب، حتى يخرج إلى عين القلب، والهوى قائم على القلب حجابًا، فإذا جاهد العبد هذا الهوى حق المجاهدة، وحق جهاده هو غاية طاقة العبد، فنصرته أن يهديه سبيله، وهو أن يجعل له طريقًا
[ ١٠٤ ]
من قلبه إليه، حتى يصير عين قلبه كأنه يراه من غير كيفية، وهو قول جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ حيث سأله عن الإحسان، فقال: أن تعبد الله كأنك تراه. وقال
في حديث آخر: إن أقوامًا أيقنت قلوبهم، حتى كأنهم عبدوا الله على رؤية. وقال ابن عمر ﵄ في حديث: إنا كنا نتراءى الله تعالى بين أعيننا في الطواف. حدثنا بذلك قتيبة، عن محمد بن منير، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر. وقال في حديث حارثة، حيث قال رسول الله ﷺ: كيف أصبحت؟ قال: مؤمنًا حقًا. فسأله عن الحقيقة، فقال: كأني أنظر إلى ربي على عرشه. هذا في رواية، حدثنا أبي، عن أبن أبي حبيش، عن عبد العزيز بن أبي رواد. وأما رواية ثابت عن أنس، فإنه روى: كأني أنظر إلى عرش ربي. وهذا النوع في الآثار كثير.
[ ١٠٥ ]
وإنما أدرك هذا حارثة بمجاهدات النفس؛ ألا ترى إلى قوله: عزفت نفسي عن شهوات الدنيا ولذاتها. فهذا قطع الهوى، فإذا قطعه هداه الله طريقه، فإذا نظر صار كأنه يراه بلا كيف؛ وهكذا وعد في كتابه، فقال: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا). فإذا هداه طريقه، لم يبق على قلبه حجاب للشهوة والهوى، لأنه فتح طريق قلبه إليه، فحينئذ يمكنه السكون إليه، ويطمئن القلب، ويثق بوعده، ويأتمنه على نفسه، ألا ترى إلى قول الرسول حيث حكى عنهم، وقالوا: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبيلنا). . . الآية. فأخبروا أنهم إنما قدروا على التوكل، وهو تفويض أمر النفس إليه، بأنه هداهم لسبيله، فزال الحجاب، أعني الهوى والشهوات عن بصر القلب، فلم يبق بين يدي قلوبهم شيء يحجبهم، فصارت الأمور لهم كالمعاينة والمشاهدة. ألا ترى
[ ١٠٦ ]