قال جوهرة النفس، لأن آدم ﵇ خلق من تراب، فكان الهوى هو عنصره الذي فيه جوهريته الترابية، فكانت تلك الترابية متشعبة في النفس، وهو صفوة غذاء
[ ١١٤ ]
الأم، والهوى تنفس النفس، وهو كدورته، وأصل جوهريته، وهو مظلم، وهو قوة غذاء الأم، لأن التراب مظلم، وأمك إنما ربتك من اللبن، ومما أخرجت الأرض، فلذلك قيل في الحديث: لكل شيء نفس، ونفس النفس الهوى، فما دام الروح فيك، فأنت كون الروح، فإذا خرج منك، صار وجهك وجميع جسدك كأنه ذرّ عليك التراب، لأنه لما زال الروح تغير الجسد إلى جنسيته الترابية، فقد علم شهوات الأرض ولذتها، وعرفها بذلك العنصر المنظلم المتشعب. هناك له ميلان، يهوى إلى جنسه. فسمي هوى، لأنه تهوى به النفس، والنفس تهوى بالقلب، والقلب يهوى بالأركان إلى العقل، والعقل يهوى بجميع الجسد غدا إلى النار، فمن ههنا هواك يميل بك إلى نعيم الأرض، لأنه من جنسه، وإليه يحنّ، وله يألف، فهذه النفس مضطربة إذا حملت عليها أمر الله تعالى، كذلك الأرض لما حمل عليها
الخلق
[ ١١٥ ]
اضطربت، فأسكنت بالجبال الرواسي حتى سكنت. كذلك النفس، إذا اضطربت فإنما تسكن بالمعرفة، فكلما كانت معرفتك أعظم وأثقل على القلب، كانت النفس أسكن، ومنه قيل: الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، فحب المحمدة والرياسة والعلائق والعلو بشهوة العز، وإنما أحب العز واشتهاه، لاستدامة نعمة النفس، لأنه قد علم أنه إذا عز وعلا على الخلق، أدرك مناه، وجميع ما للجسد والنفس فيه لذة، ويكون قد قهر الخلق كلهم، حتى يكون كله على ما يريد، لا يخلفه أحد، فينال لذة جميع ما يهوى فيدعوك الهوى، ويميل بك إلى طلب اللذة، وقضاء الشهوة، فإذا خاف أن لا ينال ما أراد، قهر الخلق كلهم، وقد علم أسباب القهر، أنه إنما يكون بأخذ قلوبهم، أو بخوف في قلوبهم منه، لما يرون من عزه، ونفاذ قوله وأمره، فلما فهمت النفس أن نوال اللذات والشهوات التي هي النفس، علمتها في أخذ قلوب الناس، إما بمحبة مكتسبة، أو بتزين
[ ١١٦ ]