تأليف: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد: فإنَّ الأذكار المتعلِّقة بالطهارة والصلاة تصحبُ المسلمين كلَّ يوم وليلة، فهي على ألسنتهم تتردَّد وفي أوقاتهم تتكرَّر، إلاَّ أنَّه قد يخفى على كثير منهم معاني تلك الأذكار ودلالاتها وحِكَمِها وغاياتها، وقد سبق لي بتوفيق الله ﷿ أن كتبتُ شرحًا مختصرًا لجملة مباركة من أذكار الطهارة والصلاة ضمن كتابي "فقه الأدعية والأذكار" فرغب بعضُ الإخوة الأفاضل أن يُفردَ في رسالة مستقلة ليكون سهلَ التناول قريبَ المأخذ، وليسهل كذلك تداوله ونشره، وهو هذا الذي بين يديك.
وأسأل الله الكريم أن ينفع به وأن يجزي مَن أعان على نشره خير الجزاء، وأن يجعلني وإخواني المسلمين من المقيمين الصلاة وذريَّاتنا، إنَّ ربِّي لسميع الدعاء.
[ ٣ ]
آداب الخلاء وأذكاره
لقد جاء في السُّنّة الغَرَّاء بيانُ الأدب الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمُ عند دخولِه الخلاءَ وحال قضائه للحاجة وعند خروجه منه، وهي آدابٌ عديدة تدلُّ على كمال هذه الشريعة المباركة وتمامها، وما مِن ريبٍ في أنَّ المسلمَ يفرحُ غايةَ الفرح بتلك الآداب لِما فيها من كمال الحسن في التطهير والنظافة والتنقية والتزكية، بل إنَّها مفخرةٌ للمسلم وأكْرِم بها من مفخرة.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن سَلمان الفارسي ﵁ قال: "قيل له: قد علَّمكم نبيّكم كلَّ شيءٍ حتى الخِراءَةَ [أي: حتى كيفية قضاء الحاجة] فقال: أجَل، لقد نهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أو بول، أو أن نستَنجِيَ باليمين، أو أن نستنجِيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستَنجِيَ برَجيعٍ أو عظمٍ" ١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٦٢) .
[ ٤ ]
وفي لفظ آخر للحديث عند مسلم عن سَلمان ﵁ قال: "قال لنا المشركون: إنِّي أرى صاحبَكم يُعلّمكم حتى يُعلِّمكم الخراءةَ، فقال: أجل، إنَّه نهانا أن يستنجيَ أحدُنا بيمينه، أو يستقبلَ القبلةَ، ونهى عن الرَّوث والعَظم، وقال: لا يستنجي أحدُكم بدون ثلاثة أحجار" ١.
فهؤلاء المشركون أرادوا عيبَ الصحابة ﵃ بما اشتمل عليه دينهم من تعاليم متعلِّقة بكيفية قضاء الحاجة، فقالوا على وجه السُّخريَّة: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء حتى الخِراءةَ، فانبرى لهم سلمان الفارسيُّ ﵁ مُبطلًا انتقادَهم محطِّمًا تهكُّمَهم، وقال بكلِّ افتخارٍ واعتزازٍ "أجل" أي: نعم، لقد علَّمنا هذا الأمرَ ونحن نفخر بذلك، ثم أخذ ﵁ يُعدِّدُ لهم - مفتخرًا - شيئًا من الآداب الكريمة والتعاليم المباركة
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٦٢) .
[ ٥ ]
التي جاءت بها السُّنَّةُ في هذا الشأن، وهي بحقٍّ تعاليم مباركة لا يعرفها هؤلاء ونظراؤهم من أشباه الأنعام، وإنَّما يعرفها مَن منحه الله التوفيق وهداه لهذا الدِّين الحنيف، فالحمد لله على ما هدانا والشكر له على ما أولانا.
وفيما يلي وقفةٌ في بيان شيء من هذه الآداب.
يُستحبُّ أوَّلًا للمسلم عند دخول الخلاء أن يقول: بسم الله اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذ بكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ؛ لِما ثبت في الصحيحين عن أَنَسٍ بن مالك ﵁ قال: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذ بكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ" ١.
والخُبث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، وقد جاء في بعض طرق الحديث ذِكر البسملة في أوَّله، قال ابن حجر ﵀: "وقد روى العُمري هذا الحديثَ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١٤٢)، وصحيح مسلم (رقم:٣٧٥) .
[ ٦ ]
من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صُهيب بلفظ الأمر: إذا دخلتم الخلاءَ فقولوا بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وإسنادُه على شرط مسلم"١.
ويشهد لهذا ما رواه ابنُ ماجه وغيرُه عن عليٍّ ﵁ مرفوعًا: "سِترُ ما بين الجِنِّ وعورات بَنِي آدم إذا دخل الخلاءَ أن يقول: "بسم الله"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه٢.
ومن الأدب إذا كان في سفرٍ وذهب لقضاء الحاجة أن ينطلق حتى يَتَوَارى عن أصحابه؛ لِما رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أراد البَرازَ انطلق حتى لا يراه أحد" ٣.
_________________
(١) ١ فتح الباري (١/٢٤٤) . ٢ سنن ابن ماجه (رقم:٢٩٧)، وانظر: إرواء الغليل للألباني (١/٨٧ - ٩٠) . ٣ سنن أبي داود (رقم:٢)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (رقم:٢) .
[ ٧ ]
ومن السُّنّة أن لا يرفع ثوبَه حتى يدنو من الأرض؛ لِما روى أبو داود عن ابن عمر ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفعُ ثوبَه حتى يدنو من الأرض" ١.
ومن السُّنَّة أن يستترَ عن الناس؛ لِما في صحيح مسلم عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: "كان أحبَّ ما استَتَر به رسولُ الله ﷺ لحاجَته هَدَفٌ أو حائِشُ نَخل" ٢.
ومن الأدب ألاَّ يبول في طريق الناس، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اتَّقوا اللَّعَّانَيْن، قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسولَ الله؟ قال: الَّذي يَتَخَلَّى في طَريق النَّاس أو ظِلِّهم" ٣.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:١٤)، وصحَّحه الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة (رقم:١٠٧١) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٣٤٢) . ٣ صحيح مسلم (رقم:٢٦٩) .
[ ٨ ]
وروى أبو داود في سننه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اتَّقوا الملاعِنَ الثلاثة: البَرازَ في الموارد، وقارعةَ الطريق، والظِّلَّ" ١. والمواردُ: طرقُ الماء.
ومن آداب قضاء الحاجة ألاَّ يستقبلَ المسلمُ القبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ احترامًا لها، ولا يستَدْبرْها، وألاَّ يستنجي بيده اليمنى، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّما أنا لكم بمَنْزلة الوالد أعلِّمكم، فإذا أتى أحدُكم الغائطَ فلاَ يستقبل القبلةَ ولا يستدبرها، ولا يستطِب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الرَّوث" ٢.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٢٦)، وحسَّنه الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (رقم:٢١) . ٢ سنن أبي داود (رقم:٨)، وحسَّنه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٢٣٤٦) .
[ ٩ ]
وتأمَّل ما في قوله ﷺ: "إنَّما أنا لكم بمنْزلة الوالد أعلِّمكم" من تَمام الرعاية وحسن العناية وكمال النصح.
ومن الأدب إذا استجمر المسلمُ بعد قضائه الحاجة ألاَّ يستجمر بأقلَّ من ثلاث؛ لِما في ذلك من تمام الإنقاء، ولا بأس أن يستعمل ما يقوم مقام الأحجار كالمناديل ونحوها، وله أن يستنجي بالماء وهو أفضل، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إدواةٌ من ماء، يعني يستنجي به" ١.
وعلى المسلم عند قضاء الحاجة أن يحذر من رَشاش البول أن يُصيب بدنَه أو ثيابَه؛ لِما روى ابن عباس ﵄ قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ على قَبْرَين، فقال: "أمَا إنَّهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كَبير،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١٥٠)، صحيح مسلم (رقم:٢٧١) .
[ ١٠ ]
أمَّا أحدُهما فكان يمشي بالنميمة، وأمَّا الآخر فكان لا يستترُ من بوله"، وفي رواية: "لا يَسْتَنْزه عن البول أو من البول" ١.
ولا يجوز للمسلم أن يتكلَّم وقت قضائه الحاجة، ولا يشتغل بشيء من الذِّكر والدعاء، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: "أنَّ رجلًا مرَّ ورسول الله يبول، فسلَّم عليه، فلَم يردَّ عليه" ٢، وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ المسلمَ لا ينبغي له أن يتكلَّم وقت قضاء الحاجة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يردَّ عليه بشيء، ولا ينبغي له كذلك أن يشتغل بشيء من الذِّكر والدعاء، والسلامُ ذِكرٌ ودعاء، والنبيِّ ﷺ لَم يردَّ السلام على هذا المسلِّم.
فهذه جملةٌ من الآداب العظيمة لقضاء الحاجة ندب
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١٣٦١)، صحيح مسلم (رقم:٢٩٢) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٣٧٠) .
[ ١١ ]
إليها الإسلامُ وحثَّت عليها الشريعة، وهي تدلَّ على كمال هذا الدِّين وحسنه وجماله.
ثمَّ إنَّ المسلمَ يُستحبُّ له إذا خرج من الخلاء أن يقول: غفرانك؛ لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة ﵂ قالت: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاَءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ" ١.
وقوله: "غُفْرَانَكَ" في هذا المقام قيل في معناه: أي "خوفًا من تقصيره في أداء شكر هذه النعمة الجليلة أن أطعمه ثم هضمه ثم سهَّل خروجه، فرأى شكره قاصرًا عن بلوغ حقِّ هذه النعمة، فتداركه بالاستغفار"٢.
اللَّهمَّ اغفر ذنوبنا وأعنَّا على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام.
_________________
(١) ١ المسند (٦/١٥٥)، سنن أبي داود (رقم:٣٠)، وسنن الترمذي (رقم:٧)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٠٠)، وحسَّنه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٤٧٠٧) . ٢ انظر: الفتوحات الربانية لابن علاَّن (١/٤٠١) .
[ ١٢ ]