إنَّ من الأذكار المتعلقة بالصلاة أذكار التشهد، وقد ثبت فيه عن النَّبيِّ ﷺ أحاديثُ عدّة فيها صيَغ متقاربة للتشهد، كلُّها جائزةٌ ومشروعة، منها: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنَّه قال: "كان رسول الله ﷺ يُعلِّمُنا التشهدَ كما يعلِّمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الطيِّبات لله، السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهَدُ أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسولُ الله" ١.
وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كُنَّا إِذا صَلَّينَا خَلْفَ النَّبيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلاَمُ عَلَى
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٠٣) .
[ ٨١ ]
جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ السَّلاَمُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" ١.
وثبت في هذا أحاديث أخرى.
وأكملُ هذه الصيغ الصيغةُ الواردة في حديث ابن مسعود المتقدم، فهي أكملُ من الصيغة الواردة في حديث ابن عباس وغيره من الأحاديث الواردة في هذا الباب؛ وذلك كما يقول ابن القيم ﵀: "لأنَّ تشهد ابن مسعود يتضمَّن جُملًا متغايرة، وتشهُّد ابن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٨٣١)، وصحيح مسلم (رقم:٤٠٢) .
[ ٨٢ ]
عباس جملةٌ واحدة"١، فتكون كلُّ جملة في حديث ابن مسعود ثناءً مستقلًاّ لوجود الواو في قوله: "التحيَّات لله والصلوات والطيبات" بخلاف ما إذا حذفت فإنَّها تكون صفة لما قبلها، فتعدُّد الثناء في حديث ابن مسعود صريحٌ، فهو أولى وأكمل.
ثم إنَّه هو المشهور بين كثير من أهل العلم، ومن حيث الإسناد هو أصحُّ ما ورد في هذا الباب، يقول الترمذي ﵀: "حديث ابن مسعود قد روي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث روي عن النَّبيّ ﷺ في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبيّ ﷺ ومَن بعدهم من التابعين"٢.
وعلى كلٍّ فإنَّ العمل به أو بغيره من التشهدات الواردة كلُّ ذلك حقٌّ وسائغ.
_________________
(١) ١ كتاب الصلاة (ص:٢١١) . ٢ سنن الترمذي (٢/٨٢) .
[ ٨٣ ]
قوله: "التحيات" جمع تحية والمراد التعظيمات بكافة صِيَغها وجميع هيئاتها من ركوع وسجود وذلِّ وخضوع، وخشوع وانكسار، كلُّ ذلك لله وحده لا شريك له، وهي له سبحانه ملكًا واستحقاقًا.
وقوله: "والصلوات" قيل المراد به الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود، وقيل المراد الدعاء؛ فإنَّ معنى الصلاة لغة الدعاء، وكلُّ ذلك لله فالصلاة كلُّها لله، فلا يُصرف شيء منها لغيره، والدعاء لله فلا يصرف شيء منه لأحد سواه.
وقوله: "والطيبات" جمع طيبة، والمراد الأقوال الطيبات والأعمال الطيبات كلها لله، يُتقرب بها إليه، ولا يُتقرَّب بشيء منها لأحد سواه، فهو سبحانه يُتَقرَّبُ إليه بكلِّ طيب من قول أو فعل.
وقوله: "السلام عليك أيها النَّبيّ ورحمة الله وبركاته" هذا دعاءٌ للنَّبيِّ ﷺ بالسلام والرحمة
[ ٨٤ ]
والبركة، والذي يُدعى له لا يُدعى مع الله.
وقوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فيه دعاءٌ للنفس ولعموم المؤمنين بالسلامة من كلِّ آفة وعيب ونقص وسوء، وهو مِن جوامع كَلِمِ النَّبيِّ ﷺ.
قال بعض أهل العلم: "عَلَّمَهم أن يُفردوه ﷺ بالذِّكر؛ لشَرَفِه ومزيد حقِّه عليهم، ثم علَّمهم أن يُخَصِّصوا أنفسَهم أوَّلًا؛ لأنَّ الاهتمامَ بها أهم، ثم أمرَهم بتعميم السَّلام على الصالحين إعلامًا منه بأنَّ الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم"١.
وقوله: "أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله" فيه الشهادة لله ﵎ بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالعبودية والرسالة، فهو صلوات الله وسلامه عليه عَبدٌ لا يُعبد؛ بل رسول يُطَاع ويُتَّبع.
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر (٢/٣١٣) نقلًا عن البيضاوي.
[ ٨٥ ]
ثم إنَّ المسلمَ يُشرع له بعد التشهد أن يصلي على النَّبيِّ الكريم ﷺ بالصلاة الإبراهيمية الثابتة عنه ﷺ، وقد وَرَدَ فيها غيرُ حديث، منها: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "لَقِيَنِي كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ ﵁ فَقَالَ: ألاَ أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" ١.
وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي حميد
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٣٣٧٠)، وصحيح مسلم (رقم:٤٠٦) .
[ ٨٦ ]
الساعدي ﵁: "أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ ﷺ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذرِيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذرِيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" ١.
وقول كعب ﷺ: "ألاَ أُهدي لك هديَّةً سمعتُها من النَّبيِّ ﷺ" فيه عظَمُ عناية السلف ﵏ بسُّنَّة النَّبيِّ ﷺ وشدَّة فرَحِهم بها، بل كانوا يعدُّونها من نفائس الأمور وثَمين الأشياء، وهي عندهم هدية ثمينة يَفرحون بها ويُسَرُّون بسمعاها، ويَهْنَأون بتهاديها.
والصلاة على النَّبيِّ ﷺ هي من الله ثناؤُه عليه في الملأ الأعلى وتعظيمه، وصلاة الملائكة والمؤمنين عليه هي طلب ذلك له ﷺ من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٣٣٦٩)، وصحيح مسلم (رقم:٤٠٧) .
[ ٨٧ ]
ومعنى قوله: "اللَّهمَّ بارك على محمد وعلى آل محمد" البركة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بذلك، يقول: باركه الله وبارك فيه وبارك عليه وبارك له، فهو دعاءٌ يتضمن إعطاءَه ﷺ من الخير وإدامته له، ومضاعفته له وزيادته.
ثم إنَّ المسلم له بعد ذلك أن يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به إلى أن يسلِّم، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الموضع أنواعٌ من الأدعية سيكون الحديث الآتي عنها إن شاء الله تعالى.
[ ٨٨ ]